إياكم أن تكسبوا ودَّ الحقود! قصة العقرب والضفدع

ياسين الحديدي
كركوك

أثبتت تجارب الحياة أن الإنسان الحقود، مهما أغدقت عليه من الودّ والإحسان، قد لا يتخلّى عن طبيعته المريضة، ولا يتراجع عن أحقاده الدفينة. فقد يُظهر لك الودَّ والمحبة، ويُسمعك أعذب الكلمات وأجمل العبارات، بينما يُخفي في أعماق نفسه سمًّا لا يقل فتكًا عن سمّ العقارب.

إن الحقد ليس مجرد شعور عابر، بل قد يتحوّل لدى بعض النفوس إلى سلوك مؤذٍ تحرّكه الكراهية والرغبة في الانتقام. فهناك من لا يهنأ برؤية الآخرين سعداء، ولا يرضى بزوال ما في قلبه من ضغينة إلا بزوال نعمة غيره أو انكساره، وربما يتمنى له الموت. ومهما حاولت أن تكسب ودّه، فقد تظلّ أسيرًا لنواياه السيئة التي يُخفيها خلف قناع المحبة والمجاملة.

ولعلّ من أشهر القصص التي تُجسّد هذه الحقيقة قصة العقرب والضفدع، وهي حكاية تحمل في طيّاتها درسًا بليغًا عن الطبيعة التي قد تأسر صاحبها، مهما حاول إخفاءها.

قصة العقرب والضفدع

في يوم من الأيام، أراد عقرب عبور نهر، لكنه لم يكن قادرًا على السباحة. وبينما كان يبحث عن وسيلة توصله إلى الضفة الأخرى، لمح ضفدعًا بالقرب منه، فطلب إليه أن يحمله على ظهره ليعبرا النهر معًا.

تردّد الضفدع، ونظر إلى العقرب بحذر، ثم قال له:

«وكيف أطمئن إليك؟ ماذا لو لدغتني في أثناء عبورنا؟ سأموت، وستغرق أنت أيضًا».

أجابه العقرب قائلًا:

«فكّر في الأمر بعقلانية! إذا لدغتك، فسأغرق معك. وما دمت سأهلك أنا أيضًا، فما الذي يدفعني إلى إيذائك؟».

بدت كلمات العقرب مقنعة، ففكّر الضفدع قليلًا، ثم غلب حسن ظنّه حذره، ووافق على حمله فوق ظهره لعبور النهر.

انطلق الضفدع في الماء، والعقرب مستقرّ فوق ظهره، حتى وصلا إلى منتصف النهر. وفجأة، غرز العقرب إبرته السامّة في جسد الضفدع.

شعر الضفدع بألم شديد، وبدأت قواه تخور، وأخذ يغرق شيئًا فشيئًا. ومع ذلك، التفت إلى العقرب، وسأله بصوت ضعيف يملؤه العتاب:

«لماذا فعلت ذلك؟! لقد حكمت علينا بالموت معًا!».

أجابه العقرب، وهو يدرك أن نهايته باتت وشيكة:

«لا أستطيع تغيير طبيعتي… أنا عقرب، وهذا ما أفعله».

وهكذا غرق الاثنان في النهر، وكانت النتيجة مأساوية، لأن العقرب لم يستطع مقاومة طبيعته، حتى عندما كان ثمن أذاه هلاكه هو نفسه.

العبرة من القصة

تحمل هذه الحكاية رمزية عميقة، تتجاوز عالم الحيوان لتلامس بعض جوانب السلوك البشري. فبين الناس من يُخفي وراء ابتسامته حقدًا، وخلف كلماته المعسولة نوايا سيئة، وقد يؤذي الآخرين حتى عندما يعلم أن أذاه سيعود عليه بالضرر.

لكن العبرة ليست في الحكم على الناس جميعًا بسوء النية، ولا في إغلاق أبواب الثقة والمحبة، بل في ضرورة التمييز بين الطيبة والسذاجة، وبين التسامح والتغاضي عن الأذى المتكرر.

فليس كل من أظهر الودّ صادقًا في مشاعره، وليس كل من تحدّث بلطف يحمل في قلبه محبة حقيقية. لذلك، علينا أن نزن الناس بأفعالهم ومواقفهم، لا بكلماتهم وحدها، وأن نتعلّم من تجارب الحياة ألّا نمنح ثقتنا العمياء لمن أثبت مرارًا أنه لا يحترمها.

إن بعض الطباع لا تتغيّر بمجرد الإحسان، وبعض الأحقاد لا تطفئها المجاملة، ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن نحمي أنفسنا من الأذى، وأن نضع حدودًا واضحة في علاقاتنا، من دون أن نفقد إنسانيتنا أو نسمح للكراهية بأن تتحكّم في سلوكنا.

احذروا العقارب، حتى وإن أتقنت ارتداء قناع الودّ، وتذكّروا أن حسن الظن فضيلة، لكن الحذر من تكرار الأذى حكمة.

قد يعجبك ايضا
∧