د. نوري جاسم
ليس أشدّ إيلامًا من أن يعطش شعبٌ تجري في أرضه أنهارٌ عظيمة، وليس أكثر قسوةً من أن تتحول المياه التي منحت العراقيين الحياة عبر آلاف السنين إلى مصبٍّ للمجاري والمخلفات الملوثة. إنها مفارقة تختصر جانبًا خطيرًا من أزمة العراق المائية: مياه تتراجع كمياتها، وتتدهور نوعيتها، فيما تتزايد حاجة الإنسان إليها بوصفها شرطًا للحياة والصحة والاستقرار.

لقد أعادت التصريحات الأخيرة لوزيرة البيئة العراقية، وما أثارته من نقاش بشأن المخلفات الطبية وتلوث نهر دجلة، هذا الملف إلى واجهة الاهتمام العام. وسبق أن أعلنت الوزيرة، في حزيران 2026، أن نحو مليون ونصف مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي تُطرح يوميًا في دجلة ضمن حدود بغداد وحدها. وهذا الرقم، بصرف النظر عن اختلاف أنواع التصريفات ومستويات معالجتها، يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف نحمي مياهنا من التلوث في بلد يعاني أصلًا شحّ الموارد المائية؟ وإن خطورة المشكلة لا تكمن في مشهد التلوث وحده، بل في امتداد آثاره إلى مياه الشرب والزراعة والثروة السمكية والتوازن البيئي. فتصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والطبية دون معالجة مناسبة قد يحمل إلى البيئة ملوثات ومواد ضارة، ويزيد المخاطر الصحية بحسب طبيعتها وتركيزها وطرق التعرض لها. وعندما تتراجع تدفقات المياه، تتعقد المشكلة أكثر، إذ تضعف قدرة الأنهار على تخفيف بعض الملوثات، وتتفاقم تحديات الملوحة وتوفير مياه آمنة. لكن مواجهة هذه الأزمة لا تكون بإثارة الخوف بين المواطنين، ولا بإطلاق تصريحات تثير القلق من دون توضيحات علمية وبيانات منشورة؛ بل بتقديم الحقائق كاملة، وتحديد مصادر التلوث، وإعلان نتائج الفحوص المختبرية، ومحاسبة الجهات التي تثبت مخالفتها للمعايير البيئية. فالمواطن من حقه أن يعرف حقيقة المياه التي يعتمد عليها، ومن واجب المؤسسات المعنية أن توفر له معلومات دقيقة وشفافة. وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت الدولة تدرك حجم التصريفات الملوثة، فلماذا لا تتحول هذه المعرفة إلى خطة تنفيذية واضحة، تنهي أسباب التلوث تدريجيًا، وتحدد المسؤوليات والمواعيد والنتائج المطلوبة؟
إن المطلوب ليس الاكتفاء ببناء محطات جديدة، بل تأهيل المحطات المتوقفة، وتطوير شبكات الصرف الصحي، ومراقبة تصريفات المستشفيات والمصانع، وإجراء فحوص منتظمة للمياه، ونشر نتائجها للرأي العام. كما ينبغي التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة للأغراض الزراعية والصناعية المناسبة، وفق المعايير الصحية والبيئية، بدل استنزاف المياه العذبة في استخدامات يمكن توفير بدائل آمنة لها. ولا بد من الإشارة إلى أن إعلان مشروعات لتوسعة محطات المعالجة يمثل خطوة تستحق المتابعة، لكن العبرة ليست بالطاقة التصميمية المعلنة وحدها، وإنما بما يدخل الخدمة فعلًا، وبمقدار ما ينجح في خفض التصريفات الملوثة إلى الأنهار. فالمواطن لا يحتاج إلى أرقام عن المشروعات بقدر حاجته إلى نتائج يلمسها في نوعية المياه وسلامتها.
إن حماية دجلة والفرات ليست مسؤولية وزارة واحدة، ولا قضية فنية تخص المختصين وحدهم؛ إنها مسؤولية وطنية تتطلب تنسيقًا جادًا بين وزارات البيئة والموارد المائية والصحة والبلديات، ومساءلة واضحة لكل جهة تقصّر في واجبها، إلى جانب مشاركة المجتمع في التوعية والإبلاغ عن المخالفات. دجلة والفرات ليسا مجرد نهرين على خريطة العراق؛ إنهما جزء من ذاكرته وهويته، وشريان حياة مدنه وأريافه. وحين تتلوث مياههما، فإن الخطر يتجاوز حدود البيئة ليطال صحة الإنسان وأمن المجتمع ومستقبل الأجيال.
إن العراق لا يحتاج إلى الماء وحده، بل يحتاج إلى ماء آمن. ولا يكفي أن نطالب بزيادة حصصنا المائية ما لم نحسن حماية ما يصل إلينا منها. فالنهر الذي لا نحميه اليوم قد يدفع أبناؤنا ثمن إهماله غدًا. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..