العمالة الأجنبية غير النظامية ومخاطرها على الدول والمجتمعات

 

إعداد ـ التآخي

يمثل موضوع العمالة الأجنبية غير المنظمة (أو غير الرسمية/غير القانونية) أحد أكثر الملفات تعقيدا وتشابكا في السياسات العامة للدول المستقطبة، نظرا لتداعياته السريعة والعميقة على بنية المجتمع والاقتصاد والأمن.

يمكن تحليل هذه التأثيرات عبر ثلاثة محاور رئيسة تشمل، التأثيرات الاقتصادية، بين مرونة سوق العمل وضغوط البنى التحتية و توفير العمالة رخيصة التكلفة، اذ غالبا ما تلبي هذه العمالة احتياجات القطاعات غير المنظمة أو التي تتطلب جهدا عضليا منخفض التكلفة (مثل البناء، الزراعة، الخدمات، والنظافة)، مما قد يخفض تكلفة بعض السلع والخدمات على المدى القصير.

وتنافس العمالة الاجنبية العمالة المحلية، اذ يحدث خلل في هيكل الأجور عندما تقبل العمالة غير المنظمة بأجور زهيدة ومن دون مظلة تأمينية أو صحية، مما يؤدي إلى تراجع حوافز تشغيلالعمالة المحلية وارتفاع معدلات البطالة بين الفئات ذات الدخل المحدود.

وتقترن العمالة الأجنبية بالاقتصاد الخفي (الموازي)، اذ تعمل غالبية هذه العمالة في خارج الأطر المصرفية والرسمية، مما يحرم خزينة الدولة من الإيرادات الضريبية ورسوم التراخيص، ويصعب من عمليات التخطيط المالي والتقديرات الإحصائية الدقيقة لحجم السوق.

كما تؤدي العمالة الأجنبية الى الضغط على الخدمات العامة فيمثل الاستهلاك المتزايد للطاقة، والمياه، وشبكات الصرف الصحي، وخدمات الصحة والتعليم (من دون مساهمة ضريبية مقابلة) عبئا إضافيا على الموازنات العامة للبنى التحتية.

الجانب الآخر هو التأثيرات الاجتماعية للعمالة الأجنبية والتباينات الثقافية وتحديات الاندماجبالضغط على المنظومة الصحية والاجتماعية،وغياب الرعاية الصحية المنتظمة والفحوصات الدورية لبعض الوافدين غير النظاميين قد يرفع من مخاطر انتشار بعض الأمراض السارية أو يشكل ضغطا على المستشفيات الحكومية والطوارئ.

وتبرز المشكلات أيضا في التفاوت الطبقي والتشظي المجتمعي، حيث تكون هذه الفئات عرضة غالبا لظروف معيشية بالغة القسوة والسكن العشوائي، مما يخلق جيوبا فقرية في داخل المدن تفتقر لأبسط معايير الكرامة الإنسانية وتزيد من هوة التفاوت الاجتماعي.

وهناك التحديات الثقافية واللغوية اذ قد تظهر فجوات ثقافية أو صعوبات في التواصل المجتمعي، لا سيما في حال غياب برامج واضحة للتعريف بالقوانين المحلية وأعراف المجتمع المستضيف.

اما التأثيرات الأمنية والتنظيمية فتتعلق بفرض سيادة القانون وضبط الحدود وصعوبة التتبع الأمني، حيث ان غياب الأوراق الثبوتية والبيانات البيومترية أو السجلات الرسمية يجعل تعقب الأفراد في حالات المخالفات الجنائية أو الاشتباه أمرا بالغ الصعوبة، مما قد يرفع من مؤشرات الجريمة المنظمة أو شبكات الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.

كما تجري انتهاكات لحقوق العمال، اذ تجعلهمالصفة غير القانونية للعمالة أهدافا سهلة لشبكات الاستغلال، والابتزاز، والعمل القسري من قبل سماسرة أو أصحاب عمل يستغلون خوف العمال من الملاحقة القانونية للتهرب من دفع المستحقات أو توفير بيئة عمل آمنة.

وتبرز أيضا مخاطر ضعف الرقابة على الحدود وتنظيم الإقامة، اذ يشير تنامي العمالة غير المنظمة غالبا إلى ثغرات في منظومة الرقابة الحدودية، أو في قوانين الكفالة والعمل، أو في آليات التفتيش والمحاسبة للمنشآت المخالفة التي تستقدم أو تشغل عمالة من دون ترخيص.

تتطلب مواجهة هذا التحدي مقاربة متوازنة لا تقتصر على الحلول الأمنية البحتة (كالترحيل والحملات الموسمية)، بل تمتد لتشمل، إصلاحات هيكلية لسوق العمل من خلال تبسيط إجراءات استقدام العمالة النظامية وتصحيح أوضاع المتواجدين عبر نوافذ قانونية مؤقتة، وتشديدالرقابة على أصحاب العمل بفرض عقوبات صارمة على المنشآت والأفراد الذين يشغلون عمالة غير منظمة للحد من الطلب عليها.

وتشمل الإجراءات التعاون الإقليمي والدولي،لضبط الحدود ومكافحة عصابات التهريب وشبكات الجريمة العابرة للحدود.

 

العمالة الأجنبية في العراق

 

لا تتواجد حتى الآن قوانين عراقية فاعلة تنظم العمالة الاجنبية، وكثير من السكان يتهمون أجهزة أمنية وبلدية بتجاهل خطورة تلك القضية حتى في مجال توفير مواقع السكن والايجاراتللمتواجدين الأجانب غير القانونيين في داخل المناطق السكنية، والاستطلاعات تبين ان العراقيين يذهبون إلى ربط ذلك الملف بملف الفساد الحكومي الاداري والمالي عموما.

وتطرح هذه المعطيات الواقعية التي تشهدها المدن العراقية اليوم واحدة من أبرز وأعقد الأزمات المتقاطعة على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية. إن تحول العراق من محطة عبور مؤقتة أو مقصد للزيارة الدينية إلى “بيئة استقطاب” للعمالة الوافدة غير المنظمة يعكس خللا بنيويا في آليات الرقابة وضبط الحدود وتنظيم سوق العمل، وسط تناقض صارخ يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب العراقيين من خريجين وعمالة مهنية.

يمكن تفكيك هذا المشهد العراقي الخاص على وفق الأبعاد التالية، ففي المجال الاقتصادي تبرز المخاطر بتشوه سوق العمل والضغط على الفرص الضئيلة، وتناقض البطالة والتشغيل غير الرسمي، ففي وقت يعاني فيه الشباب العراقي من بطالة هيكلية وظروف اقتصادية صعبة تدفع كثيرين نحو الإحباط والهجرة، تجد العمالة الأجنبية الوافدة موطئ قدم لها في قطاعات الخدمات، والعمالة المنزلية، والمطاعم، والبناء، مستفيدة من قبولها بأجور زهيدة ومن دون أي ضمانات اجتماعية أو صحية.

كما ان غياب المظلة القانونية للتشغيل، والعملخارج الأطر الرسمية يعني حرمان الاقتصاد الوطني من أي عوائد ضريبية أو رسوم إقامة وترخيص، فضلا عن تحويل أجزاء واسعة من الدخل النمطي إلى خارج الحدود (حوالات مالية للبلدان الأصلية)، مما يضغط على الكتلة النقدية المحلية.

وفي البعد الاجتماعي والحضري تحدث تحولات ديموغرافية وظواهر دخيلة، باستغلال الفئات الهشة من الأجانب وزجها في التسول المنظم،وتحول أعداد من الوافدين (وبخاصة النساء) نحو امتهان التسول، وذلك يمثل بعدا إنسانياوأمنيا مقلقا، إذ تشير المعطيات إلى تواجدشبكات أو ظروف معيشية قاسية تدفع هؤلاء نحو الشوارع، لتتداخل مأساة الفقر الفردي مع ظاهرة الجريمة المنظمة المنضوية خلف واجهات زائفة، ولكن مخاطرها حقيقية ومن ذلك المتاجرة بالبشر وبالمخدرات وغيرها.

ومن المخاطر الأخرى المتحققة في العراق، الضغط على الخدمات الحضرية، اذ تتركز هذه العمالة في العشوائيات أو المناطق المكتظة في المدن الكبرى (كبغداد وبقية مراكز المحافظات) يضاعف الضغط على شبكات المياه، والصحة، والخدمات البلدية الأساسية التي تعاني أصلا من هشاشة في البنى التحتية، وتحدث مشكلات اجتماعية باختلاطهم بالسكان في بعض المناطق بإيجاربيوت يسكنها عدد كبير من الأجانب في كل بيت ومعظمهم من العزاب، وقد شهدت الآونة الأخيرةشكاوى متكاثرة من قبل المواطنين العراقيين بهذا الشأن.

ويبرز البعد الأمني والسيادي في العراق الثغرات القانونية ومخاطر الجريمة العابرة، اذ يجري استغلال التأشيرات السياحية ومواسم الزيارات،مثل استغلال مواسم المليونية (كالأربعينيةوغيرها) وتأشيرات السياحة كغطاء للدخول ثم “التخلف عن المغادرة” ما يشكل ثغرة كبرىخطيرة في إدارة المنافذ الحدودية وأنظمة الإقامة. إن غياب آليات التتبع الآلي الدقيق عند انتهاء مدة التأشيرة يسهل عملية التحول إلى الإقامة غير القانونية.

ويتسرب كثير من الاجانب نحو شبكات الجريمة والمخدرات، اذ يمثل انزلاق أفراد من هذه العمالة نحو تجارة الممنوعات والمخدرات تصعيدا خطيراينقل الظاهرة من مجرد “مخالفة إدارية للعمل” إلى “تهديد أمني مباشر”. وغالبا ما تكون هذه الفئات لقمة سائغة لعصابات تجارة المخدرات المحلية والإقليمية التي تستغل عزلاتهم وغياب أوراقهم الثبوتية لاستخدامهم كأدوات نقل وترويج.

إن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة حكومية حازمة تتجاوز الحلول الموسمية أو الحملات الأمنية المؤقتة، وترتكز على، أتمتة منظومة الإقامة والحدود بربط تأشيرات الدخول (السياحية والدينية) بنظام إلكتروني دقيق يتابع حركة الوافد وموعد مغادرته، وتغريم الشركات السياحية أو الكفلاء المحليين الذين يتخلفون عن الإبلاغ عن المخالفين.

كما تتطلب تصحيح الأوضاع أو الترحيل المنظمبإطلاق حملة وطنية شاملة لتسجيل وتدقيق بيانات العمالة الأجنبية المتواجدة حاليا، إما بتسوية أوضاع القادرين ضمن حاجة السوق الفعلية (بضوابط صارمة)، أو ترحيل المخالفين وغير القادرين على إثبات قانونية تواجدهم. كما يتوجب تفعيل دور فرق التفتيش العمالي والأمني وذلك بمراقبة الأنشطة التجارية، والمطاعم، وورش البناء، والمنازل للحد من تشغيل العمالة غير المنظمة وفرض غرامات رادعة على أصحاب العمل المخالفين. ويجب تبادل المعلومات حول شبكات تهريب البشر وعصابات استقدام العمالة الوهمية التي تتقاضى أموالا لتوريط هؤلاء الأفراد في ظروف قاسية في داخل العراق.

 

إخفاق النظام التشريعي

 

إن غياب أو قصور الإطار التشريعي الناظم (مثل قوانين الإقامة والعمل الصارمة التي تتلاءم مع المستجدات) لا يشكل سوى نصف المشكلة في العراق. أما النصف الآخر والأكثر خطورة، فهو “الاقتصاد السياسي” للفساد الذي يحيط بهذا الملف ويجعله مستداما ومتوسعا.

عندما يترك ملف العمالة الأجنبية غير المنظمة من دون معالجة حقيقية، وتتحول مناطق سكنية بأكملها إلى بيئات حاضنة لهم عبر شبكات إيجار عشوائية وبغض نظر رسمي، فإن ذلك يفسر لدى الشارع العراقي ضمن منظومة الفساد الإداري والمالي الأوسع.

ويمكن قراءة هذا التقاطع بين تنامي العمالة غير القانونية وشبهات الفساد عبر عدة زوايا، أولا،شبكات المصالح واستثمار الفوضى، بالاستفادة من شبكات “السمسرة” والاستقدام الوهمي، اذتقف خلف جزء كبير من هذه العمالة شبكات مرتبطة بمكاتب سياحية أو جهات متنفذة تقوم باستقدام الأفراد بتأشيرات وهمية أو دينية ثم تتخلى عنهم بمجرد وصولهم، لتدخل هذه الشبكات في جني أرباح طائلة من عمليات الاتجار بالبشر، وفرض إتاوات حماية، أو تقاضي مبالغ لقاء التستر عليهم.

كما يجري الفساد بوساطة سوق العقارات العشوائي والإيجارات حيث ان توفير السكن للعمالة غير القانونية في داخل الأحياء السكنية (أحيانا في بيوت متهالكة أو مقسمة بشكل مخالف للقانون) بإدارة “سوق ظل عقاري” يدر أموالا طائلة على أصحاب عقارات وسماسرة يتهربون من الضرائب والتسجيل الرسمي، وسط غياب الرقابة البلدية والأمنية المفترضة وانتهاكات للحقوق الأصلية للسكان العراقيين.

الامر الاخطر هو تغاضي الأجهزة الرقابية، اذ ان استمرار تواجد عمالة متخلفة عن الإقامة أو تمارس أعمالا محظورة (كالتسول المنظم أو تجارة المخدرات) في أحياء واضحة للعيان يعكس إما ضعفا في المنظومة الاستخبارية والميدانية، أو تواجد حالات تواطؤ وغض نظر مقابل رشاوي أو منافع مالية صغيرة، مما يعطل تطبيق القانون على المخالفين.

و غالبا ما تكون المنشآت الكبرى أو الورش أو الأفراد الذين يشغلون عمالة أجنبية غير قانونية بمنأى عن المساءلة والمحاسبة بسبب الحماية أو الواسطة، في حين يتحمل المواطن البسيط والشاب العراقي العاطل عن العمل التكلفة الاجتماعية والأمنية الكاملة، فينعكس ذلك على ثقة المواطن بالدولة. عندما يشعر الشاب العراقي أن هناك تساهلا حكوميا أو أمنيا في التعامل مع وافد أجنبي يخالف القانون صراحة، في حينتُقيد حركة المواطن أو تُفرض عليه إجراءات معقدة، يتولد لديه شعور عميق بالغبن والإحباط وتراجع هيبة الدولة وسيادة القانون. هذا الربط الذهني بين تفشي الظواهر الشاذة وبين فساد الإدارة يفاقم أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية.

إن بقاء هذا الملف خارج دائرة المعالجة الجدية،عبر تشريع قوانين رادعة لتنظيم الإقامة والعمل، وتفعيل الرقابة الميدانية، ومحاسبة المتاجرين بالبشر بغض النظر عن صفاتهم، سيستمر في تغذية الأزمات الأمنية والاجتماعية في المدن العراقية، بأمل ان تدفع الضغوط الاجتماعية والأمنية المتزايدة نحو صياغة تشريعات وحملات حقيقية لضبط هذا الملف، التي يعوقعها حالياتداخل المصالح السياسية والاقتصادية ما يجعلالملف مؤجلا دائما.

ان التركيز الشعبي على هذا الملف يعكس حجم الضغط الواقع على الشباب العراقي الذي يواجه أزمة بطالة هيكلية حادة. فعندما يُفضل بعض أرباب العمل العمالة الأجنبية غير المنظمة بحجة قبولها بأجور زهيدة وساعات عمل أطول ومن دون أي التزامات قانونية أو صحية، فإن ذلك يعمق الشعور بالغبن الاجتماعي، ويزيد من حالة الاحتقان في الشارع.

وبرغم أن الجهات الرسمية أعلنت في محطات عدة عن إجراءات أمنية وحملات لتعقب المخالفين وترحيل أعداد منهم (مثل جهود وزارة الداخلية ومديرية شؤون الإقامة التي أسفرت عن إبعاد عشرات الآلاف من المتجاوزين)، أو محاولة تطبيق معادلة نسبة التشغيل (80% عمالة عراقية مقابل 20% أجنبية) في بعض المشاريع، إلا أن حجم الظاهرة والتقديرات التي تشير إلى تواجد أعداد هائلة من المخالفين (لا سيما في العاصمة بغداد)ربما تتحول الى ملايين في عاصمة مزدحمة اصلا تؤكد أن الإجراءات الحالية تظل بمنزلة“معالجات قشور” لا تلامس جذور المشكلة.

إن استمرار هذا التباطؤ أو الاكتفاء بالحملات الموسمية المتفرقة يُعزى غالبا إلى، تواجد مصالح اقتصادية لجهات أو أفراد يستفيدون بشكل مباشر من رخص عتبة أجور العمالة الوافدة وتملصها من الضرائب والضمان الاجتماعي، والى التأخر في توحيد قواعد البيانات المشتتة بين المنافذ الحدودية، ووزارة الداخلية، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، مما يسهل عمليات التخلف عن الإقامة وتحول التأشيرات السياحية والدينية إلى إقامات عمل غير شرعية.

 

قد يعجبك ايضا
∧