نبيل عبد الأمير الربيعي
هناك رجال لا يغيبون حين ترحل أجسادهم، لأنهم يتركون في ذاكرة الوطن ما هو أبقى من المناصب، وأعمق من الألقاب، وأجمل من ضجيج السياسة. ومن هؤلاء الكاتب والمفكر والصحفي الكوردي العراقي فلك الدين كاكائي، الذي نفتقد اليوم صوته الهادئ، وحكمته، وسمو أخلاقه، وانفتاحه الإنساني على ثقافات العراق المتعددة.
أكان النسيان قد طوى هذه الشخصية الثقافية الكبيرة، أم أننا أصبحنا ننسى رموزنا كلما ابتعدوا عن الأضواء؟ سؤال يوجع الذاكرة العراقية، ويكشف خللاً في علاقتنا برجال الفكر الذين يستحقون أن يبقوا حاضرين في وجدان الأجيال، لا أن تستعيدهم المناسبات العابرة ثم تتركهم للنسيان.
ولد فلك الدين كاكائي في كركوك عام 1943، المدينة التي تختزن في تنوعها القومي واللغوي والثقافي صورة مصغرة عن العراق. ومن هذه البيئة تشكلت شخصية جمعت بين الأدب والصحافة والفكر والعمل السياسي، وظل الكتاب حاضراً في حياتها، حتى حين ازدحمت الطريق بالمحن والمسؤوليات. وقد عرف بكتاباته بالعربية والكردية، وباهتمامه بالأدب والتصوف والفلسفة، ومن أعماله رواية (بطاقة يانصيب)، التي صدرت عام 1967، فضلاً عن مؤلفات أخرى عبرت عن اتساع اهتماماته الفكرية والثقافية.
لم يكن كاكائي مجرد اسم في المشهد السياسي الكردي، ولا مسؤولاً ثقافياً شغل مواقع عامة، بل كان مثقفاً يرى في الثقافة مساحةً للتلاقي، وفي الحوار طريقاً لتجاوز الانغلاق، وفي المعرفة وسيلةً لتحرير الإنسان من التعصب. وقد عكست مواقفه وكتاباته إيماناً بإمكان بناء جسور الصداقة والأخوة بين الكرد والعرب وسائر مكونات المجتمع العراقي. ولعل أجمل ما يستعاد في سيرته ليس ما تولاه من مواقع، بل ما تركه من انطباع إنساني لدى الذين عرفوه والتقوه؛ فقد تحدث عنه عدد من المثقفين بوصفه إنساناً متواضعاً، رقيق المعشر، واسع المعرفة، ميالاً إلى البساطة، بعيداً عن ادعاء التفوق. وهذه الصفات، في زمن تتكاثر فيه الألقاب وتضيق فيه مساحة الإصغاء، تمنح صاحبها مكانةً لا تصنعها المناصب.

إنني حين أستحضر فلك الدين كاكائي، أستحضر صورة المثقف الذي لا تحصره هويته القومية في حدود ضيقة، ولا تمنعه انتماءاته من الإصغاء إلى الآخر. فالعراق لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، بل بتحويله إلى ثراء؛ ولا تُصان وحدته بالشعارات، بل باحترام الإنسان وحقه في التعبير والعيش بكرامة.
كان كاكائي، في تجربته الأدبية والفكرية، شاهداً على قدرة الكلمة على عبور الحدود التي تعجز السياسة أحياناً عن تجاوزها. وحين تجتمع في الإنسان ثقافة متعددة، وتجربة حياة قاسية، وروح متسامحة، يصبح حضوره أكبر من حدود الموقع الذي شغله أو المرحلة التي عاشها.
رحل فلك الدين كاكائي في الحادي والثلاثين من تموز عام 2013، لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً أمام مؤسساتنا الثقافية واتحادات الأدباء والجامعات هو: ماذا فعلنا لحفظ إرثه وإتاحته للأجيال الجديدة؟ أين الدراسات التي تتناول تجربته الأدبية والفكرية؟ وأين الندوات التي تقرأ أعماله قراءة نقدية، وتضعها في سياق تطور الثقافة العراقية الحديثة؟
إن الوفاء للمبدعين لا يكون بالرثاء وحده، ولا بعبارات الحزن التي تتجدد في ذكرى رحيلهم، بل بإعادة نشر كتبهم، وجمع مقالاتهم وحواراتهم، وتوثيق شهادات معاصريهم، وتعريف الطلبة والقراء بتجاربهم. فالمثقف الذي خدم الذاكرة يستحق ذاكرةً تحفظه.
لقد كان فلك الدين كاكائي جميلاً في ثقافته، نبيلاً في تعامله، واسع الأفق في نظرته إلى الإنسان. ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في وداعه المتجدد أن بعض الرجال يشبهون الجبال في رسوخهم، والينابيع في صفائهم؛ لا يحتاجون إلى ضجيج كي نعرف قيمتهم، لكننا نشعر بفراغ المكان حين يغيبون.
رحم الله فلك الدين كاكائي، الرجل الذي ترك في الثقافة العراقية أثراً، وفي ذاكرة من عرفوه محبةً، وفي سؤالنا عن معنى المثقف الحقيقي درساً لا ينبغي أن ننساه. لروحه السلام الأبدي، ولإرثه الثقافي أن يبقى حياً في ذاكرة العراق.