وزارة الذكاء الاصطناعي… من يحرّر عقول العراق من الإهمال ؟

الصحفي حيدر فليح الشمري

ليست المشكلة أن يتأخر العراق عن العالم في امتلاك التكنولوجيا بل أن يمتلك عقولاً قادرة على صناعة المستقبل ، ثم يتركها تبحث عن فرصة خارج حدوده .

في يوم المبرمج العراقي لا ينبغي أن نتوقف عند الاحتفاء بمن يكتبون الشيفرات ، بل أن نسأل :
كم فكرة عراقية وُلدت في غرفة صغيرة وكم مشروعاً ابتكره شاب طموح ثم مات لأن أحداً لم يمدّ إليه يداً ؟

إن التفكير باستحداث وزارة للذكاء الاصطناعي يفتح باباً واسعاً للأمل ، لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً للأسئلة ، فالعراق الذي يواجه ضغوطاً مالية واقتصاداً يعتمد بدرجة كبيرة على النفط ، هل يحتاج إلى مؤسسة جديدة تستنزف الأموال أم إلى مشروع وطني يستثمر العقول ويحوّل الأفكار إلى إنتاج ؟

لقد اتجهت دول مثل الإمارات إلى بناء مؤسسات متخصصة بالذكاء الاصطناعي والبيانات ، فيما اعتمدت دول أخرى كالولايات المتحدة والصين ، نماذج مختلفة تجمع بين المؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز الأبحاث والشركات العملاقة ، فالعبرة ليست باسم الوزارة بل بقدرة الدولة على بناء منظومة علمية واقتصادية تنتج المعرفة وتوظفها .

لكن العراق يمتلك تحدياً أكثر إلحاحاً :
” لدينا شباب لا تنقصهم الأفكار بقدر ما تنقصهم الفرص ”
شباب يستطيعون تطوير تطبيقات تخدم الزراعة والصحة والتعليم ، وأدوات تقلل الفساد الإداري وأنظمة تحسن إدارة المياه والطاقة ، لكن كثيراً من هذه الطاقات تصطدم بغياب التمويل وضعف الاحتضان وتعقيدات البيروقراطية وانعدام الثقة بين المبتكر والمؤسسات .

إن الوزارة المنشودة يجب أن تكون جسراً بين هؤلاء الشباب والدولة وبين الجامعات ورؤوس الأموال ، لا مبنى جديداً تتكاثر فيه المكاتب والألقاب ، عليها أن تنشئ صناديق لدعم الابتكار وحاضنات للمشروعات ومختبرات وطنية ، وأن تمنح أصحاب الأفكار فرصاً حقيقية للتجربة والإنتاج على أساس الكفاءة والنتائج .

وثمة قضية لا تقل خطورة عن ذلك كله :
” السيادة الرقمية ” فحين تتجه الدولة إلى رقمنة بياناتها والاستعانة بشركات خارجية في بعض مشاريعها التقنية ، يصبح ضرورياً أن تسأل :
من يمتلك البيانات ؟
أين تُخزّن ؟
من يستطيع الوصول إليها ؟
ومن يضمن أمنها واستقلال القرار الوطني بشأنها ؟

إن تأسيس وزارة للذكاء الاصطناعي من دون خبرات عراقية متخصصة وبنية تحتية آمنة وسياسة واضحة لحماية البيانات ، قد يحوّل المشروع من فرصة للنهوض إلى عبء مالي وإداري جديد .

ولذلك فإن أول اختبار لنجاح هذه الوزارة هو اختيار قيادة تمتلك الاختصاص والخبرة والنزاهة ، بعيداً عن المحاصصة وتقاسم المناصب ، فالذكاء الاصطناعي لا يفهم لغة الولاءات ولا يكافئ القرابة السياسية ، إنه مجال تحكمه المعرفة والابتكار والنتائج .

العراق لا يحتاج إلى وزارة تحمل اسم المستقبل فحسب بل إلى مستقبل تصنعه عقول أبنائه ، وإذا تحولت الوزارة إلى حصة حزبية فسوف نخسر المال والفرصة معاً ، أما إذا أصبحت بيتاً للكفاءات ومنصة للشباب ، فقد تكون من المؤسسات القليلة التي تنقل البلاد من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها .

فالأوطان لا تتقدم بكثرة الوزارات ، بل بقدرتها على اكتشاف العقول التي تستحق أن تقودها…

قد يعجبك ايضا
∧