كيف نوقف نزيف احتياطي البنك المركزي؟

لندن: مجيد خضر الهماشي

في كانون الأول 2020 اتخذ البنك المركزي العراقي قراره التاريخي بتخفيض قيمة الدينار من 1182 إلى 1450 ديناراً للدولار بعد انهيار أسواق النفط، وفي شباط 2023 ثم رفع سعر الدينار إلى 1320 للدولار الواحد، واليوم في تشرين الأول 2026 تم تخفيض الدينار مجددا الى 1520 دينار للدولار الواحد.
القرار لم يكن عقوبة للمواطن، بل كان محاولة لإنقاذ رواتب موظفي الدولة عندما انهارت أسعار النفط إلى ما دون 20 دولاراً في ذلك الوقت. اليوم، وبعد 5 سنوات، نحصد نتائج عدم إكمال الإصلاحات الاقتصادية.
في 7 تشرين الأول 2026 حذّر بنك ستاندرد تشارترد في تقرير لمديرة البحوث كارلا سليم نقلته وكالة بلومبيرغ من أن احتياطيات البنك المركزي العراقي التي بلغت 100 مليار دولار في بداية العام وتراجعت إلى نحو 85 ملياراً حاليا، قد تهبط الى 60 مليارا فقط بحلول نهاية 2026، إذا استمر الاستنزاف الحالي.
الخطر ليس مجرد ارقام، بل آلية: نحن نمول استهلاكاً غير منتج بالدولار، ثم نستغرب تآكل الاحتياطي.
الحقيقة بالأرقام – وليس بالشعارات
حسب تقرير صندوق النقد الدولي 2023 (المادة 12 و13) ومرصد إيكو-العراق 2025:
الكهرباء:
تكلّف الدولة أكثر من 11 تريليون دينار سنوياً، بينما إيرادات الجباية أقل من تريليون واحد فقط. تبيع الدولة الكيلوواط للمنازل بـ 1.5 إلى 6.4 سنت، بينما كلفته الحقيقية 10 إلى 12 سنتاً.
العراق سابع أرخص دولة في العالم بسعر الكهرباء، والثاني عربياً، ومع ذلك لا تتجاوز نسبة الجباية الفعلية 30 بالمئة في أفضل المناطق، وتتجاوز نسبة الضياع والتهرب من السداد 70 بالمئة في مناطق مثل مدينة الصدر.

الوقود والغاز:
تبيع وزارة النفط الغاز لوزارة الكهرباء بدولار واحد للمليون وحدة حرارية، بينما سعره العالمي 6 إلى 8 دولارات، وتبيع النفط الخام بـ 5.5 دولار للبرميل، بينما سعره العالمي 80 دولاراً.
الدعم الضمني يشكّل 84 إلى 93 بالمئة، وهذا يعادل 2.4 مليار دولار دعماً مباشراً يتبخر من الخزينة سنوياً، قبل أن نستورد غازاً من إيران بـ 4 مليارات دولار.
الماء:
شبه مجاني بالكامل، كلفة المعالجة والنقل لا يُسترد منها حتى 5 بالمئة.
وهنا لابد من الاشارة الى ما حذر منه تقرير بلومبيرغ فإن أكثر ما يثير القلق هو أنه في حال فشل إجراءات الحكومة بخفض سعر الصرف فسيكون اللجوء لحزمة انقاذ أمراً لا مفر منه إذا استمر الاستنزاف بهذا المستوى.
ماذا يعني أن يأتي صندوق النقد الدولي لإنقاذنا؟
يعني أن العراق سيفقد قراره الاقتصادي وتجارب مصر والأردن وتونس أمامنا: الصندوق لا يعطي دولاراً واحداً دون شروط قاسية:
الشرط الأول: هو ما فعلته الحكومة أخيراً برفع سعر صرف الدولار إلى 1520، لكن إذا اضطررنا للجوء لحزمة إنقاذ فسنقع في ورطة أكبر وهي أن صندوق النقد الدولي ربما سيرفع سعر الصرف إلى 2000 أو حتى 2500 دينار لكل دولار.
الشرط الثاني: رفع الدعم فوراً عن الكهرباء والوقود والغاز، أي أن سعر الأمبير سيتضاعف أربع مرات. الشرط الثالث: تجميد التوظيف وقطع الرواتب المزدوجة وفرض ضريبة مبيعات على كل شيء.
هذا هو الثمن الحقيقي لتراجع الاحتياطي إلى مستوى 60 مليار دولار – ما يعني انهيار القدرة الشرائية للمواطن البسيط الذي يظن – والبعض يدّعي – أنه ملتزم بمسؤوليته الاجتماعية ويدفع مقابل الخدمات التي يتمتع بها.

الأسطوانة المشروخة – قانون النفط والغاز
دأب الإعلام العراقي دائماً على الترويج بأن الحل هو تشريع قانون النفط والغاز في مجلس النواب، وهذه أسطوانة مشروخة. الحقيقة هي أن القصة لا تبدأ في مجلس النواب في بغداد، بل بدأت في حقول النفط في البصرة منذ العام 2010، عندما وقّع العراق عقود جولات التراخيص.
وضعنا حماية لأنفسنا: المادة 12.3 من تلك العقود تُلزم الشركات النفطية الأجنبية ببناء وحدات لالتقاط الغاز المصاحب، والمادة 25.1 تمنع الحرق إلا بإذن مؤقت.
هذا هو القانون الفعلي الموجود على الورق، ضيّعنا حقنا السيادي.
أما على الأرض؟ النتيجة هي 18 مليار متر مكعب نحرقها سنوياً في الهواء حسب البنك الدولي (17.37 مليار في 2024). نخسر 4 مليارات دولار سنوياً حسب تصريح رئيس الوزراء السابق، ونخسر 4000 ميغاواط من الكهرباء كان يمكن أن تُنهي أزمة العراق.
هذا الحرق هو ما يفسّر تحذير بنك ستاندرد تشارترد الأخير بخصوص احتمالية تراجع احتياطي البنك المركزي الى الرقم المخيف وهو الـ 60 مليار دولار. نحن نستنزف الدولار لاستيراد الوقود والغاز من إيران، بينما نحرق غازنا مجاناً.
هذا هو النزيف المزدوج الذي يضرب احتياطي البنك المركزي ويهوي بالدينار.
ولماذا لم يتوقف هذا النزيف رغم توقيع اثنين من أكبر العقود النفطية في العالم بقيمة اجمالية تتجاوز 52 مليار دولار منذ 3 سنوات؟ لاته لم يحصل أي شيء على الارض.
الجواب ليس فنياً، بل مالياً. المشروعان يتضمنان التقاط أكثر من مليار قدم مكعب من الغاز المحترق يوميا من حقول البصرة وكركوك فقط، وهي كمية كافية لإيقاف استيراد الغاز الإيراني وتوفير 4 مليارات دولار سنويا من احتياطي البنك المركزي.
لكن لا يوجد بنك في لندن أو باريس يمول مشروعا يدفع ثمنه بعد 540 يوماً وحتى ليس نقدا وانما بسندات.. لهذا تأخر التنفيذ 3 سنوات وبقي الحرق مستمرا، وبقي الدولار يحول للخارج ثمنا لاستيراد الغاز بدل ان يبقى في البنك المركزي.
نفس المشكلة تواجه أي مطور يريد التقاط الغاز، سواء في البصرة أو في أي حقل غازي آخر في العراق. بدون ضمان دفع قابل للتداول خلال 60 يوماً، لن يأتي تمويل دولي.
المشكلة – ليست قانوناً ناقصاً، بل هيكل مكسور: لا توجد جهة واحدة تملك القرار من رأس البئر إلى محطة الكهرباء. وزارة تتفاوض على العقد، وأخرى على السعر، وثالثة بلا أنبوب لنقل الغاز.
الحل – الحل الذي يجيب على تحذير بنك ستاندرد تشارترد مباشرة ويوقف نزيف احتياطي الدولار هو الآلية المقترحة في هذا المقال، والتي تم رفع تفاصيلها كاملة إلى الجهة الحكومية المختصة مؤخراً:
لا قانون جديد، بل أمر ديواني واحد.
إنشاء حساب ضمان سيادي مُحصّن داخل الجهاز المصرفي العراقي، تُغطّى له حصة من عائدات النفط مباشرةً قبل دخولها الموازنة العامة، مع كفالة سيادية قابلة للتداول في لندن وباريس تضمن الدفع خلال 60 يوماً بدل 540 يوماً.
بهذه الآلية لا ننتظر خمس سنوات حتى يتحول الغاز إلى كهرباء. نُسيّل اليوم جزءاً من ريع الغاز المستقبلي إلى سيولة نقدية فورية: نضمن الدفع للمستثمر خلال 60 يوماً، ونضمن تدفق السيولة المحققة مباشرة إلى احتياطي البنك المركزي في نفس الوقت.
إنقاذ الدينار يبدأ بإيقاف استنزاف الدولار، وإنقاذ الكهرباء يبدأ بضمان دفع الغاز. والقرار لم يعد في لندن وباريس، بل في بغداد.

*خبير الطاقة والاقتصاد
magedkadar@gmail.com

قد يعجبك ايضا
∧