محمد علي محيي الدين
العلامة الشيخ علي بن الشيخ عبد الحسين بن الشيخ قاسم آل محيي الدين، شخصية نجفية جمعت في حياتها بين النشأة العلمية والوجاهة الاجتماعية والعيش المرفّه، وارتبط اسمها بأسرة محيي الدين التي كان لها حضور معروف في النجف ومجالسها العلمية والأدبية. وُلد في مدينة النجف الأشرف، في محلة العمارة، في بيت جده الشيخ قاسم محيي الدين، وهو بيت واسع فسيح كانت غرفه وأبهاؤه العالية تستقبل أهل العلم والأدب، قبل أن تنتقل ملكيته فيما بعد إلى دار للوقف.
وفي ذلك البيت العريق نشأ علي محاطاً بتراث أسري غني، وبأجواء جعلت العلم والأدب جزءاً من الحياة اليومية لا مادة منفصلة عنها. كان والده الشيخ عبد الحسين من الشخصيات التي جمعت بين العلم والوجاهة وحسن التدبير، وقد ورث عن أبيه الشيخ قاسم مجلساً أدبياً وعلمياً كان يؤمه العلماء والأدباء والشعراء وأهل الرأي. ولم يكن نفوذ الشيخ عبد الحسين قائماً على المكانة الدينية وحدها، بل كانت له أملاك وبيوت ومحال وأراضٍ زراعية واسعة، بعضها مما آل إليه عن طريق المصاهرة والإرث، فضلاً عن العلاقات الاجتماعية المتينة التي ربطته بعدد من العشائر والشخصيات النافذة في مناطق الفرات الأوسط. وتذكر كتب السير في هذا السياق صلات الشيخ عبد الحسين بعشائر مثل خفاجة وخزاعة، وبالشيخ وادي الشفلح أمير قبائل زبيد وحاكم منطقة الفرات الأوسط، وهو ما يوضح طبيعة المكانة الاجتماعية التي أحاطت به.
وفي مثل هذه البيئة نشأ الشيخ علي بعيداً عن ضيق العيش الذي كان يطبع حياة كثير من رجال العلم في النجف آنذاك. فقد كان الابن الأكبر والوحيد لوالده بعد وفاة شقيقه عبد الحسن، الذي رثاه الشاعر المعروف عبد الباقي العمري بقصيدة تعزية خاطب فيها الشيخ عبد الحسين بقوله:
أعزيك مولاي عبد الحسين بفقدان صنوك عبد الحسن
كما أن شقيقه الأصغر قاسم، الذي حمل اسم جده الشيخ قاسم، توفي في سن مبكرة، فازداد تعلق الأسرة بعلي، وأصبح محط عناية والديه ورعايتهما.
وقد احتفى الشعراء بميلاد أبناء الأسرة، ومن ذلك القصيدة الطويلة التي نظمها السيد صالح القزويني حين وُلد قاسم بن الشيخ عبد الحسين محيي الدين، فرفع فيها من شأن المولود وأبيه وأسرته، مستحضراً ما عرفه آل محيي الدين من علم ومجد وكرم، ومبشراً بمولود رأى فيه امتداداً لمكانة أبيه وأجداده. وتكشف هذه القصائد، إلى جانب بعدها الاحتفالي، عن طبيعة المجتمع النجفي في ذلك العصر، حيث كان الشعر وسيلة للتعبير عن مشاعر الفخر والتقدير، وسجلاً أدبياً يحفظ صلات الأسر العلمية بعضها ببعض. وجاء في تلك القصيدة:
|
تولد من نجمي سعود وسؤدد |
|
لهم وتربى في حجور المكارم |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الى أن يقول:
|
وجدد ما أبلى الجديد من ألهنا |
|
لنا زمن يفتر عن ثغر باسم |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
وكان للشيخ علي أخت تُدعى
زهوة، بقيت صورتها حاضرة في الذاكرة العائلية. فقد ذكر الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في كتابه (الحالي والعاطل تتمة لملحق أمل الآمل) أنها كانت امرأة قوية الشخصية، معتدلة القامة، واسعة المدارك، تتحدث إلى أبناء عمومتها بثقة الرجال ووقارهم، فينصتون إليها باحترام. وكانت تحفظ كثيراً من أخبار الأسرة وسير رجالها، وتروي الشعر الفصيح والشعبي، كما كانت تستحضر بعض الفتاوى والنوادر العلمية التي سمعتها من المجتهدين أو قرأتها في كتبهم. وهذه الصورة لا تقل أهمية عن سيرة الشيخ علي نفسه، لأنها ترسم جانباً من الحياة الثقافية داخل البيوت العلمية، حيث كانت الذاكرة الشفوية للنساء والرجال معاً وسيلة أساسية لحفظ التاريخ العائلي والاجتماعي.
اهتم الشيخ عبد الحسين بتعليم ابنه (علي) منذ صغره، فأرسله إلى الكتّاب ليتعلم القراءة والكتابة والخط والنسخ، ثم دفع به إلى الدراسة الأولية على عدد من الأساتذة في مدرسته التي كانت في طرف (البراق)، مستفيداً من مكانة والده وعلاقاته العلمية. وهناك تلقى علوم العربية والمنطق والبلاغة والنحووالعَروض وغيرها من المعارف التي كانت تشكل أساس التكوين الثقافي في ذلك الزمن. ثم اتجه إلى الدراسة الدينية، فحصل منها على قدر من العلم، لكنه لم يندفع فيها إلى المراحل العليا كما فعل كثير من أبناء الأسر العلمية في النجف.
ويبدو أن شخصيته كانت أميل إلى الاعتدال في التحصيل منها إلى التفرغ الكامل للدرس. فقد اكتفى بدراسة السطوح، وأخذ من علوم عصره أطرافاً متعددة، مستفيداً في الوقت نفسه من مجلس والده الذي كان بالنسبة إليه مدرسة مفتوحة الأبواب. ففي ذلك المجلس كان يلتقي بأساتذة الأدب وشعراء الجيل وكبار رجال العلم، فيسمع المناقشات ويعايش الشعر والمطارحات، ويكتسب من مخالطة أصحاب التجارب ما لا توفره الكتب وحدها. ولعل هذا المجلس كان أهم المؤثرات في تكوين شخصيته، إذ أتاح له أن يتصل مباشرة بعالم الثقافة النجفية، وأن يرى العلم والأدب في صورتهما الحية المتحركة.
غير أن الرفاه الذي نشأ فيه ترك أثره على خياراته اللاحقة. فبعد وفاة والده سنة 1271هـ، وجد نفسه أمام مسؤولية إدارة إرث عائلي كبير، وفي الوقت نفسه أمام حياة شخصية كانت تتيح له من السعة ما لم يكن متاحاً لكثير من علماء النجف. وهنا ابتعد تدريجياً عن مواصلة الدراسة، وانصرف إلى إدارة أملاك الأسرة والعناية بشؤونه الخاصة، ليعيش نمطاً مختلفاً عن النمط الذي اختاره كثير من رجال الدين في النجف ممن اعتمدوا على الحقوق الشرعية أو عاشوا حياة شديدة التقشف.
ولم تكن الحياة في النجف آنذاك سهلة؛ فالمدينة تعاني شح المياه الحلوة، ومحدودية الزراعة، وتقلبات المناخ الصحراوي، بينما كانت أملاك الشيخ علي في النجف وأراضيه في مدينة القاسم تتيح له خيارات أوسع. وبعد وفاة زوجته، بدا أن ارتباطه بالنجف لم يعد بالقوة التي كانت عليها حياته الأولى، فاختار الانتقال إلى القاسم، مستفيداً من علاقاته ومكانته للحصول على وكالة يتولى من خلالها الإرشاد الديني هناك. وهكذا غادر النجف مصطحباً ابنه الوحيد وبناته الثلاث، وانتقل إلى مرحلة جديدة من حياته امتزج فيها الاستقرار العائلي بالدور الديني والاجتماعي.
وفي مدينة القاسم استقر الشيخ علي، ووجد في حياتها الهادئة ما يلائم ظروفه. وتزوج هناك من فتاة شابة، وأنجبت له بنتاً واحدة، بينما اتجه ابنه إلى العمل التجاري. ولم يكن وجوده في القاسم مجرد إقامة شخصية، فقد حمل معه شيئاً من ثقافة النجف، ومن بينها الكتب التي كان يطالعها ويكتب ملاحظاته على حواشيها. وتذكر الرواية العائلية أنه كان فصيح اللسان، قوي الحجة، واسع المعرفة قياساً إلى البيئة الاجتماعية التي عاش فيها، وهي بيئة كان يغلب على سكانها في ذلك الوقت ضعف التعليم وانتشار الأمية.
ومن أجمل ما تكشفه الرواية عن أثره في القاسم أن ابنته «الملا شريعة» كانت تجيد ارتجال الشعر في المناسبات الدينية والاجتماعية، وأنها فتحت في منزل والدها كتاباً لتعليم الفتيان القراءة والكتابة. وفي مدينة لم تكن فيها مدرسة أو كتّاب بالمعنى المعروف، كان لهذه المبادرة أثر واضح في تعليم عدد من أبناء المدينة. وهكذا لم يقتصر حضور الأسرة على الجانب الديني أو الاجتماعي، بل امتد إلى التعليم ونقل المعرفة الأساسية إلى جيل كان أحوج ما يكون إليها.
كما يظهر من الوثائق والأوراق العائلية أن ابنه باقي كان حسن الخط، وأن ما بقي من أوراقه يدل على تلقيه تعليماً جيداً. وهذه التفاصيل الصغيرة، على بساطتها، تمنح السيرة بعداً آخر، إذ تشير إلى أن بيت الشيخ علي كان مركزاً عائلياً للعلم والكتابة، وأن انتقاله من النجف إلى القاسم لم يكن انتقالاً جغرافياً فحسب، بل حمل معه بعض ملامح البيئة الثقافية النجفية إلى مدينة كانت بحاجة إلى مثل هذه المبادرات.
وكان الشيخ علي نفسه شاعراً فصيحاً، إلا أن شعره لم يحظَ بما يكفي من العناية ليصل إلينا. فقد ضاعت كتبه وأوراقه مع مرور الزمن، فضاع معها جانب من نتاجه الأدبي، ولم يبقَ منه إلا ما حفظته الذاكرة العائلية من إشارات وشذرات. وهذه واحدة من أكثر الخسارات إيلاماً في تاريخ الشخصيات الثقافية؛ إذ قد يعيش النص طويلاً إذا وجد من يجمعه ويحفظه، بينما يمكن أن تختفي تجربة كاملة بمجرد ضياع أوراقها. ولعل ما يروى عن شعره وبلاغته يفتح باباً للتساؤل عما كان يمكن أن تضيفه تلك النصوص إلى صورة الأدب النجفي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لو وصلت كاملة سيما أنه نجل لشاعر فحل كان له حضوره الشعري في زمانه ويعد في طليعة شعراء القرن الثالث عشر وأبرزهم مكانة بما يمتلك من علاقات بزعماء القبائل والحكام ورجال الدين وهو ما نجده مبثوثا في سيرته التي درسها أكاديميا حفيده الدكتور محمد حسن محيي الدين في رسالته الموسومة (الشيخ عبد الحسين محيي الدين حياته وشعره) ونال بها درجة الماجستير من كلية الآداب جامعة الكوفة بتقدير عال.
وفي سنة 1915 انتهت حياة الشيخ علي محيي الدين في مدينة القاسم، بعد مسيرة امتدت بين النجف والقاسم، وبين الدراسة الدينية والمجالس الأدبية وإدارة الأملاك والقيام بدور ديني واجتماعي في بيئته الجديدة. ثم نُقل جثمانه إلى النجف، ودُفن في مقبرة الأسرة بوادي السلام، ليعود في موته إلى المدينة التي ولد فيها ونشأ بين علمائها وأدباءها.
وتبقى سيرة علي محيي الدين ذات طبيعة خاصة؛ فهو لم يكن عالماً متفرغاً للبحث والتدريس، ولا رجل دين عاش على نمط واحد من الزهد والانقطاع، بل كان ابن بيئة علمية ثرية، جمع بين التكوين الديني والذائقة الأدبية، وعاش في سعة مادية أتاحت له نمطاً من الحياة مختلفاً عن كثير من معاصريه. ومع ذلك، فإن أثره لم ينحصر في حياته الخاصة؛ فقد أسهم انتقاله إلى القاسم في نشر شيء من الثقافة والتعليم، وكان بيته فضاءً للكتب والقراءة، وكان أبناؤه وبناته امتداداً لهذا الاهتمام بالخط والشعر والتعليم.
وإذا كانت الأيام قد حجبت كثيراً من آثاره المكتوبة، فإن ما بقي من أخباره يكشف عن شخصية عاشت في مرحلة انتقالية مهمة من تاريخ العراق، حين كانت المدن الدينية تؤدي دوراً علمياً واجتماعياً واسعاً، وحين كانت الأسرة العلمية تمتلك في الوقت نفسه شبكة من العلاقات الاقتصادية والعشائرية والثقافية. وفي هذا السياق يمكن قراءة حياة الشيخ علي محيي الدين بوصفها صورة من صور ذلك العالم النجفي القديم، حيث كان البيت مدرسة، والمجلس منتدى، والشعر وسيلة لحفظ الذاكرة، والكتاب رفيقاً يظل أثره حتى بعد غياب صاحبه. وقد استندت هذه السيرة إلى الرواية، وما تضمنته من أخبار الأسرة ومجالسها وأملاكها وعلاقاتها، فضلاً عن الروايات العائلية المنقولة عن معاصري الشيخ علي وذريته وما بقي من أوراق الأسرة وذاكرتها.