محمد علي محيي الدين
حسين محيي الدين، طبيب عراقي حمل معه من النجف الأشرف ذاكرة المدينة وأسئلتها، ثم مضى في رحلة امتزج فيها الطب بالسياسة والثقافة، وتداخلت فيها مهنة إنقاذ الإنسان مع السعي إلى فهم واقعه والدفاع عن حقه في وطن موحد. لم تكن حياته مساراً مهنياً مستقيماً، بل تجربة اتسعت بين المستشفيات والجامعات والصحف والإذاعات، وعبر عواصم عربية متعددة، تاركة وراءها صفحات من العمل السياسي والإعلامي والثقافي، ارتبطت في جانب كبير منها بقضية العراق ووحدته ومستقبله.

وُلد في النجف سنة 1946، المدينة التي تتجاور في فضائها المعرفة الدينية والثقافة الشعبية والجدل الفكري، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها. وفي سنواته المبكرة، لم تكن اهتماماته محصورة في الدراسة النظامية؛ فقد استهواه الشعر الشعبي، واقترب من رواده ومجالسه ومقاهيه، حيث تتشكل القصيدة من تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول الكلمات إلى مرآة للناس وأفراحهم وأوجاعهم. وقد بلغ اهتمامه بهذا اللون من الأدب أن اختير عضواً في جمعية الشعراء الشعبيين التي تأسست عام 1968، ونظم الموال والأبوذية والأندلسي، متناولاً موضوعات الغزل والاجتماع. وتقدم هذه البدايات جانباً مهماً من شخصيته، إذ تكشف عن صلة مبكرة بين التكوين الطبي والفكر السياسي من جهة، والذائقة الأدبية والاقتراب من وجدان الناس من جهة أخرى.
وفي عام 1970، غادر النجف إلى القاهرة للالتحاق بكلية الطب في جامعة القاهرة، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة عام 1979. غير أن القاهرة لم تكن بالنسبة إليه مجرد محطة للتحصيل العلمي؛ فقد كانت فضاءً سياسياً وثقافياً واسعاً، أتاح له الاحتكاك بأفكار التيار القومي العربي اليساري، والتفاعل مع قضايا التحرر والوحدة والتغيير التي شغلت جانباً كبيراً من الحياة الفكرية العربية في تلك المرحلة.
كان حسين محيي الدين قد انضم إلى حركة القوميين العرب عام 1962، وهو ما يعكس أن اهتمامه بالسياسة سبق سفره إلى مصر. لكن نكسة حزيران عام 1967 عمّقت اندفاعه نحو العمل التنظيمي، ودفعته إلى إعادة التفكير في أسباب التراجع العربي، وفي الصلة بين الاستقلال الوطني والتحولات الاجتماعية. وفي القاهرة، اتسعت تجربته الطلابية، فانتُخب عام 1972 عضواً في الهيئة الإدارية لرابطة طلاب العراق، ثم نائباً لرئيسها، كما انضم إلى رابطة الطلاب العرب.
كانت رابطة طلاب العراق تجمعاً طلابياً ذا توجه وحدوي ناصري، ضم طلاباً وشخصيات سياسية معارضة لسلطة البعث في العراق. وقد أدى نشاطه فيها إلى استياء السلطات العراقية، التي طلبت من السلطات المصرية سحب جواز سفره وتسليمه إليها، لكن الطلب لم ينجح، وظل مطلوباً من الأجهزة الأمنية العراقية. وهكذا بدأت السياسة تفرض حضورها الثقيل على حياته، حتى في سنوات الدراسة، فلم يعد الطالب العراقي في القاهرة مجرد شاب يسعى إلى شهادة جامعية، بل صار أيضاً صاحب موقف يضعه في مواجهة نظام بلاده.
وعندما اندلعت حرب أكتوبر عام 1973، تطوع حسين محيي الدين مع مجموعة من العراقيين للقتال إلى جانب الجيش المصري. وخضعوا للتدريبات في نادي الجلاء، ثم زاروا الخطوط الأمامية للجبهة وتفقدوا الجرحى العراقيين الذين أصيبوا في المعارك. وتعكس هذه المشاركة جانباً من تصوره للعمل القومي، حيث لم تكن الروابط العربية في نظره مجرد شعارات سياسية، بل التزاماً يترجم إلى فعل ومشاركة، حتى عندما تتطلب الظروف مغادرة مقاعد الدراسة إلى ميادين الحرب.
وفي عام 1976، ومع قيام الجبهة الوطنية في العراق، عاد إلى وطنه في زيارة انتهت باعتقاله مدة أربعة أشهر، تعرض خلالها، وفق ما ورد في سيرته، للتعذيب الجسدي والنفسي. وبعد الإفراج عنه، غادر العراق مجدداً إلى القاهرة عن طريق الكويت. وكانت هذه التجربة واحدة من المحطات التي عمّقت ارتباط المنفى بسيرته؛ فالوطن الذي أراد العودة إليه ظل محكوماً بظروف سياسية جعلت الإقامة فيه محفوفة بالمخاطر، فيما تحولت المدن التي انتقل بينها إلى محطات لمواصلة الدراسة والعمل والنشاط المعارض.
وبعد تخرجه، مارس الطب في عدد من البلدان، من بينها مصر والجزائر وسوريا وليبيا وكردستان العراق. غير أن انتقاله بين هذه الأماكن لم يكن انتقالاً مهنياً فحسب؛ فقد ظل ناشطاً سياسياً، وممثلاً للحركة الاشتراكية العربية والجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية «جوقد»، المناوئتين لحكم البعث في العراق، بحسب ما تذكره سيرته. وهكذا تداخلت حياته المهنية مع نشاطه العام، وظل الطب أحد المجالات التي استطاع من خلالها تقديم خدمة مباشرة للناس، حتى في ظروف الاضطراب السياسي والاغتراب.
وفي عام 1991، شارك مع عدد من المعارضين العراقيين في تأسيس الهيئة المستقلة لدعم ثوار الانتفاضة في العراق، وعمل في مكتب العمل الوطني للمعارضة العراقية في دمشق، كما شارك في لجنة التنسيق والمتابعة للتيارين العربي والإسلامي، وتولى مسؤولية اللجنة السياسية في الحركة الاشتراكية العربية. لكن نشاطه لم يكن بعيداً عن ضغوط السلطات في البلدان التي أقام فيها؛ فقد اعتقلته الأجهزة الأمنية السورية، وفق روايته الواردة في المادة التي توثق سيرته، على خلفية دعوته إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين العراقيين في دمشق ورفضه ما اعتبره هيمنة إقليمية على أنشطة المعارضة العراقية.
وبعد إطلاق سراحه، غادر دمشق مع عدد من رفاقه إلى كردستان العراق، حيث وجد نفسه أمام واقع سياسي مختلف، تتعدد فيه القوى والاتجاهات، وتتقاطع فيه مطالب المعارضة مع أسئلة العلاقة بين العرب والأكراد ومستقبل الدولة العراقية. وفي هذا السياق، برزت لديه أهمية الحوار بين المثقفين والسياسيين، والبحث عن أرضية مشتركة تتجاوز الدعوات التقسيمية والخلافات الحزبية.
ومن هنا جاءت فكرة تأسيس «منتدى الفرات الثقافي» عام 1993، بمشاركة مجموعة من المثقفين العرب والأكراد الذين جمعهم الميل إلى الاعتدال والحوار. وانتُخب حسين محيي الدين سكرتيراً عاماً للمنتدى، الذي سعى إلى جمع الكوادر العلمية والثقافية والسياسية، وتقريب وجهات النظر بين أطراف المعارضة في كردستان وخارجها. واستضاف المنتدى شخصيات سياسية وثقافية، من بينها اللواء حسن النقيب، والمحامي حسين الشعلان، والدكتور كمال خوشناو، وغانم جواد، وعبد الرزاق الصافي.
كان المنتدى، بهذا المعنى، محاولة لصناعة مساحة مشتركة في بيئة اتسمت بالتباينات السياسية وتعدد المشاريع. فالحوار بين العرب والأكراد لم يكن ترفاً ثقافياً، بل ضرورة تتصل بمستقبل العراق، ولا سيما في ظل الظروف التي عاشتها البلاد في التسعينيات. وقد سعى القائمون عليه إلى تأكيد أن اختلاف الهويات والانتماءات لا يستلزم القطيعة، وأن الثقافة تستطيع أن تفتح منافذ للتفاهم حين تضيق السياسة بمخاوفها وحساباتها.
وفي المجال الإعلامي، ترك حسين محيي الدين بصمة واضحة من خلال إصدار صحيفة «نداء الشغيلة»، التي بدأت بالظهور عام 1994 بوصفها الصحيفة المركزية للحركة الاشتراكية العربية. وأنها أول صحيفة ذات اتجاه قومي عربي تصدر في أربيل، وقد اعتمدت في تمويلها على مبيعاتها وتبرعات قرائها. حملت الصحيفة خطاباً يؤكد وحدة العراق والديمقراطية والحكم الذاتي لكردستان، في محاولة للجمع بين الحفاظ على وحدة الدولة والاعتراف بالخصوصية السياسية والإدارية للإقليم.
استمر صدورها العلني حتى نهاية عام 1996، ثم واصلت الصدور بصورة سرية حتى عام 1998، وكان حسين محيي الدين يكتب معظم مقالاتها. ولم يكن ذلك العمل مجرد إصدار مطبوعة سياسية في ظروف صعبة؛ فالصحيفة كانت وسيلة لإيصال خطاب مختلف إلى القراء، وميداناً لمناقشة مستقبل العراق، في وقت كانت فيه الانقسامات السياسية والجغرافية تهدد بإبعاد القوى المعارضة عن أي تصور مشترك للدولة.
وفي الرابع عشر من نوفمبر 1994، افتتح «إذاعة صوت العراق الموحد» و«تلفزيون العراق الموحد» في منطقة صلاح الدين بكردستان العراق، بهدف تأكيد وحدة البلاد والرد على الدعوات التي تنادي بتقسيمها. وقد مثّل تأسيس هاتين الوسيلتين امتداداً طبيعياً لفكرته عن دور الإعلام في الصراع السياسي؛ فالصوت والصورة، في نظر أصحاب المشروع، لم يكونا مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل وسيلتين للتأثير في الرأي العام، وإيصال رسالة تتعلق بمستقبل العراق وهويته السياسية.
وتكشف هذه التجربة عن إيمانه بأهمية تعدد وسائل التعبير، من الصحيفة إلى الإذاعة والتلفزيون، في تشكيل المجال العام. ففي أوقات الأزمات، لا تقتصر المعركة على السيطرة على الأرض، بل تمتد إلى المعنى الذي يمنحه الناس للأحداث، وإلى الروايات التي تتنافس على تفسير ما يجري. ومن هنا اكتسبت المؤسسات الإعلامية التي أسسها أهمية خاصة ضمن نشاطه السياسي، وإن ظلت تجربتها مرتبطة بالظروف الاستثنائية التي شهدتها مناطق المعارضة العراقية آنذاك.
أما في المجال الطبي، فلم يتخلَّ حسين محيي الدين عن مهنته رغم انشغاله بالعمل السياسي والإعلامي. فقد افتتح عام 1993 عيادتين طبيتين للمعارضة العراقية في شقلاوة وأربيل، وقدم فيهما خدمات مجانية بدعم من الدكتور أحمد الجلبي وشخصيات سياسية أخرى. وكانت هذه المبادرة تعبيراً عن جانب عملي من علاقته بالطب؛ فالمهنة لم تكن بالنسبة إليه مجرد شهادة أو وسيلة لكسب العيش، بل مسؤولية إنسانية تستمر حتى في الظروف التي تتراجع فيها الخدمات الصحية وتزداد حاجة الناس إلى الرعاية.
وفي مارس 1995، شاركت الحركة الاشتراكية العربية بقيادته، إلى جانب فصائل من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي والتجمع العسكري للمؤتمر الوطني العراقي ومنظمة العمل الإسلامي، في هجوم استهدف مدينتي الموصل وكركوك. وقد أخفقت العملية في تحقيق هدفها، وتأتي هذه المحطة ضمن سياق المواجهة المسلحة التي خاضتها بعض فصائل المعارضة العراقية ضد نظام صدام حسين، وهي مرحلة اتسمت بتعقيد التحالفات وتداخل الحسابات السياسية والعسكرية.
وفي عام 1996، تعرضت فصائل المعارضة في كردستان العراق لهجوم قوات النظام السابق، ما دفع القسم الأكبر منها إلى الانسحاب من السليمانية وأربيل وشقلاوة باتجاه الحدود الإيرانية. وكان حسين محيي الدين بين الذين حوصروا مع عدد من رفاقهم في المنطقة الواقعة بين السليمانية وإيران، قبل أن يتمكن من الإفلات والوصول إلى ليبيا، حيث واصل حياته وعمله حتى عام 2004. وقد أضافت هذه الأحداث فصلاً آخر إلى تجربة المنفى، التي لم تكن بالنسبة إليه إقامة مستقرة في بلد واحد، بل سلسلة من التنقلات فرضتها التحولات السياسية ومخاطر المواجهة.
وفي ليبيا، واصل العمل الطبي، وظل على صلة بالكتابة والبحث. وقد نشر مقالات ودراسات في عدد من الصحف والمجلات، منها «نداء الشغيلة» و«خه بات» و«الاتحاد» و«المواطن» و«الحوار المتمدن» و«الوثيقة» و«المستقل»، فضلاً عن مجلة «الاقتصادي» الليبية. وتدل هذه المشاركات على اتساع اهتماماته، إذ لم ينحصر إنتاجه في الكتابة السياسية المباشرة، بل امتد إلى موضوعات ثقافية واجتماعية ومهنية، تعكس تنوع تجربته بين الطب والعمل العام والصحافة.
كما ألّف كتيباً بعنوان «علاج البدانة بدون طبيب»، نُشر في إيران، وأبدى رغبته في إعادة طبعه داخل العراق. ويكشف هذا العمل عن استمرار صلته بالتخصص الطبي، على الرغم من تعدد الأدوار التي اضطلع بها. ففي مسيرة كثير من العاملين في الشأن العام، قد يطغى النشاط السياسي على المهنة الأصلية، لكن تجربته ظلت تجمع بين الاثنين، وإن اختلفت المساحات التي شغلها كل منهما في مراحل حياته.
وفي عام 2004، عاد حسين محيي الدين إلى العراق بعد سنوات طويلة من الغياب، عقب اعتزاله العمل الحزبي. وكانت العودة انتقالاً من حياة فرضتها ظروف المنفى إلى محاولة استعادة الصلة المباشرة بالوطن، بعد أن شهد العراق تحولات كبرى في نظامه السياسي ومؤسساته. غير أن اعتزال العمل الحزبي لم يعنِ الانقطاع عن الشأن العام؛ فقد واصل نشاطه في المجال الإعلامي والثقافي، وتولى رئاسة تحرير صحيفة «التيار الديمقراطي»، التي تصدرها قوى وشخصيات التيار الديمقراطي في محافظة النجف، كما أصبح رئيساً للجنة التنسيقية لقوى وشخصيات هذا التيار في المحافظة.
وتشير هذه المرحلة إلى انتقال في طبيعة حضوره السياسي، من العمل التنظيمي والحزبي المباشر إلى نشاط يرتبط بالتنسيق بين القوى والشخصيات ذات التوجه الديمقراطي، وبمحاولة بناء مساحة مدنية للحوار والعمل المشترك. وهي خطوة يمكن فهمها في ضوء تجربته الطويلة مع المعارضة والمنفى، وما أتاحته له من معرفة بتعقيدات العمل السياسي وحدود التحالفات حين تتباعد الرؤى والمصالح.
إن سيرة حسين محيي الدين، كما تعرضها المراجع التي تناولت حياته، تقدم صورة لشخصية تعددت أدوارها من دون أن تنفصل تماماً عن بعضها: طبيب يعالج المرضى، وشاعر شعبي اقترب من وجدان الناس، وصحفي رأى في الكلمة وسيلة للتعبير عن موقف، وناشط سياسي انشغل بقضايا الوحدة والديمقراطية، ومثقف سعى إلى إيجاد مساحات للحوار بين العرب والأكراد. وقد جعلته هذه المسارات يتحرك بين عوالم متباينة، من قاعات الدراسة في القاهرة إلى العيادات الطبية في كردستان، ومن صفحات الصحف إلى استوديوهات الإذاعة والتلفزيون، ومن العمل الحزبي إلى المنتديات الثقافية.
ولعل أبرز ما يجمع هذه التجارب هو سعيه إلى إبقاء الصلة قائمة بين المعرفة والممارسة. فالطب، في جوهره، محاولة لتخفيف الألم، والثقافة سعي إلى فهم الإنسان، والصحافة بحث عن الحقيقة ونقلها، والسياسة، حين تتصل بالمصلحة العامة، محاولة لتنظيم الحياة المشتركة. وبين هذه الحقول، مضى حسين محيي الدين في مسار لم يخلُ من الخلافات والمخاطر والإخفاقات، لكنه ترك شواهد متعددة على إصراره على مواصلة العمل، حتى حين كانت الظروف تدفعه إلى الرحيل أو إعادة بناء تجربته من جديد.
وقد اعتمدت هذه السيرة على المادة المنشورة في الموقع الفرعي لحسين محيي الدين على «الحوار المتمدن»، وعلى ما ورد في كتاب «الحالي والعاطل» في الصفحة 296 للدكتور عبد الرزاق محيي الدين، بشأن نشأته واهتمامه بالشعر الشعبي، وكذلك كتاب «تحديث الحديث» للكاتب محمود محيي الدين، الذي أورد معلومات عن نشاطه المهني والثقافي وبعض مؤلفاته.