كرم نعمة
لم تكن نايجيلا لوسون يومًا مجرد طاهية تُحرّك الملاعق على الشاشة وتترك للمشاهد مهمة تخيّل النكهة. كانت دائمًا كاتبة تتقن تحويل المطبخ إلى استعارة، والتوابل إلى لغة، والطبق إلى قصة تُروى. لكن الصحافة البريطانية، وتحديدًا صحيفة فايننشال تايمز، أعادت اكتشافها هذا الأسبوع بطريقة لم يتوقعها حتى أكثر معجبيها إخلاصًا. أعادتها ككاتبة، كصحافية، كصوتٍ كان مختبئًا خلف لمعان المطبخ .
المفارقة أن كثيرين ممن أحبّوا نايجيلا وهي تعجن وتقطّع وتذيب الزبدة على نار هادئة، لم يعرفوا أنها بدأت حياتها المهنية في الصحافة، وأن أول مقالة نشرتها في الصحافة البريطانية كانت في هذه الصحيفة نفسها. تعود في مقالها الجديد لتتذكر تلك اللحظة: مراجعة لرواية من الواقعية السحرية التي مثلها كتّاب أميركا اللاتينية بما فيهم سيد “مئة عام من العزلة” غابريال غارسيا ماركيز، كتبتها بشغف شابة تتلمس لغتها، ثم تخجل اليوم من وصفها “الحالم والمتشعب ” .
هذا الخجل، في الحقيقة، هو ما يجعلها كاتبة قبل أن تكون طاهية. فالكتابة التي لا تخجل من بداياتها، كتابة بلا جذور .
ولنا أن نتخيل ما تبقى من سيرة هذه السيدة التي خرجت من بيت سياسي عريق. فوالدها نايجل لوسون، وزير الخزانة البريطاني في عهد ماغريت تاتشر، كان أحد العقول التي زعزعت إرث “المرأة الحديدية” من الداخل، لا من الشارع. أما زوجها السابق تشارلز سآتشي، قطب الفن والإعلان، ويقال إنه من أصول عراقية من أسرة الساعاتي، فكان جزءًا من تلك الهالة التي أحاطت بها. امرأة تقف في منتصف تقاطع غريب بين السياسة، والثروة، والمطبخ، واللغة .
لكن نايجيلا، في مقالها “الأول كما وصفته فايننشال تايمز”، لا تستدعي هذه السيرة لتتباهى بها، بل لتقول شيئًا أبسط وأعمق، إنها وصلت إلى الكتابة عن الطعام صدفة، وأن الطبخ المنزلي — بكل عشوائيته وارتباكه — هو ما أرادت الدفاع عنه. أرادت أن تكتب عن الطبخ كما يحدث فعلًا، بلا استعراض، بلا كاميرات، بلا وصفات مُحكمة، بل كفعل إنساني يعيدنا إلى أجسادنا، إلى روائحنا الأولى، إلى تلك الطمأنينة التي لا تمنحها إلا الأفعال البسيطة .
ولعل أجمل ما في اعتراف نايجيلا أنها “هنا صدفة، وإن كانت صدفة سعيدة”، هو أنها تُعيد الاعتبار لفكرة أن المسارات الكبرى في الحياة لا تُصنع دائمًا بقرار واعٍ، بل أحيانًا بانحراف بسيط في الطريق. صدفتها لم تكن هروبًا من الصحافة إلى المطبخ، بل كانت عودة غير معلنة إلى اللغة من باب آخر. حين تقول إنها لم تكن تنوي أن تصبح كاتبة عن الطعام، فهي في الحقيقة تكشف عن جوهر مشروعها. الدفاع عن الطبخ المنزلي بوصفه فعلًا إنسانيًا، لا مهارة احترافية .
تكتب نايجيلا كما تطبخ، ببطء، بثقة، وبشغف لا يحتاج إلى صراخ. تكتب عن الطعام كما لو كانت تكتب عن الحياة نفسها. عن الفوضى التي نحاول ترتيبها، عن الخوف الذي يدفعنا، عن اللغة التي تحاول أن تلتقط ما لا يُلتقط .