نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست المعارض الفنية الأولى مجرد محطات لعرض اللوحات، بل هي إعلان عن ولادة تجربة إبداعية، ومحاولة لاكتشاف الذات عبر اللون والخط والضوء، وفتح نافذة على عوالم داخلية لا تستطيع الكلمات وحدها التعبير عنها. ومن هذا المنطلق، جاء معرض (فيض بصري) للفنانة التشكيلية الموهوبة، الصيدلانية مسك محمد المرعب، الذي افتتح عصر الخميس الموافق 22 تشرين الأول 2026، في بي دي سي مول، ويستمر حتى 24 تشرين الأول، ليشكل خطوة أولى تستحق التوقف والتأمل.
كان الافتتاح جميلاً في أجوائه، بهيجاً بما حمله من احتفاء بالفن وموهبة شابة اختارت أن تمنح اللون مساحة للكلام، وأن تجعل من اللوحة وسيلة للتعبير عن رؤيتها للعالم. وقد بدا عنوان المعرض منسجماً مع ما يطرحه من تنوع بصري، إذ لا يقتصر الفيض على كثرة الألوان وتعدد الأشكال، بل يتصل بما تثيره الأعمال من انطباعات وأسئلة، وما تتركه في المتلقي من أثر يتجاوز حدود المشاهدة العابرة.
وبوصفي متذوقاً للفن التشكيلي، وجدت في الأعمال المعروضة ما يدعو إلى الاهتمام والتشجيع، ولا سيما أن الفنانة تخوض تجربتها الشخصية الأولى في هذا المجال. فقد تنوعت اللوحات بين الواقعية والتجريد واتجاهات الفن الحديث، وكشفت عن رغبة في التجريب والخروج من إطار واحد، مع حضور واضح للجرأة في التعامل مع الخطوط والألوان وتكوين المشهد التشكيلي.
إن قيمة البدايات لا تقاس ببلوغ الكمال، وإنما بما تنطوي عليه من استعداد للمغامرة، وامتلاك لغة بصرية خاصة، والسعي إلى تطوير الأدوات الفنية. فالفنان لا يولد مكتملاً، بل يصنع تجربته بالمشاهدة والقراءة والممارسة، وبالانفتاح على المدارس الفنية المختلفة، والاستفادة من النقد الصادق الذي يضيء مواطن القوة ويفتح الطريق أمام تجاوز مواطن الضعف.
من الجميل أن تأتي هذه التجربة من صيدلانية موهوبة تجمع بين اختصاصها المهني واهتمامها بالفن؛ فالحياة لا تختصر الإنسان في مهنة واحدة، ولا تحصر طاقاته في مسار محدد. وقد يجد المرء في الفن مجالاً آخر لاكتشاف حساسيته الجمالية، والتعبير عن أسئلته ومشاعره، وإقامة صلة مختلفة مع الأشياء والناس والذاكرة.

إن تشجيع المواهب الشابة مسؤولية ثقافية مشتركة، تبدأ من الاحتفاء بمنجزها، ولا تنتهي عند التصفيق لها؛ بل تتطلب توفير المساحات المناسبة لعرض أعمالها، وإتاحة فرص الحوار بينها وبين الفنانين والنقاد والجمهور، بما يساعدها على ترسيخ تجربتها وتطويرها بعيداً عن المجاملة التي لا تصنع فناناً، أو الأحكام المتعجلة التي قد تحجب عن الموهبة فرصة النمو.
وفي معرض (فيض بصري)، تبدو الخطوة الأولى جديرة بالتهنئة، والأفق مفتوحاً أمام مسك المرعب لمواصلة البحث والتجريب وصقل أدواتها، وصولاً إلى بصمة تشكيلية تعبر عنها وتميزها. فالموهبة بذرة، أما الاستمرار والتعلم والوعي بالتجربة فهي ما يمنحها القدرة على النمو والإثمار.
إن تجربة (فيض بصري)، على ما تنطوي عليه من حماسة البدايات وجرأة التجريب، تظل بحاجة إلى مزيد من الاشتغال الواعي على البناء التشكيلي، وتعميق العلاقة بين الفكرة والتنفيذ، وتحقيق قدر أكبر من الانسجام بين عناصر اللوحة، بما يمنح العمل خصوصيته ويحرره من الاكتفاء بالتأثير البصري المباشر. فالتنوع بين الواقعية والتجريد واتجاهات الفن الحديث يمثل مساحة غنية للاكتشاف، لكنه يتطلب في الوقت ذاته وعياً بخصائص كل اتجاه وأدواته، كي لا يتحول التنوع إلى تشتت في الرؤية أو تباين غير محسوب في المعالجة.
ولعل ما يستحق المتابعة في تجربة مسك المرعب هو قدرتها على تحويل هذه المحاولات الأولى إلى مشروع فني متماسك، تتبلور فيه ملامح أسلوبها الخاص وتتضح رؤيتها الجمالية والفكرية. فالموهبة، مهما كانت واعدة، لا تعفي الفنان من مشقة البحث والتعلم والمراجعة، كما أن الجرأة لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا حين تستند إلى معرفة، ويصبح اللون ضرورة تعبيرية لا مجرد عنصر للزينة، والخط جزءاً من بناء دلالي متكامل.
إن الحكم على تجربة فنية ناشئة ينبغي أن يوازن بين ما أنجزته فعلاً وما تتيحه من إمكانات مستقبلية؛ فلا تُمنح صكوك الاكتمال لمجرد الاحتفاء بالبدايات، ولا تحجب عنها فرص التطور بسبب أحكام نهائية متعجلة. ومن هنا، فإن (فيض بصري) يمثل محطة أولى قابلة للنقاش والتأمل، وتبقى قيمة هذه المحطة مرهونة بما ستضيفه الفنانة إلى تجربتها من نضج ووعي وتراكم معرفي وتقني، وبقدرتها على الانتقال من مرحلة استكشاف الإمكانات إلى مرحلة امتلاك لغة تشكيلية ذات ملامح واضحة. فالفن الحقيقي لا يكتفي بأن يلفت النظر، بل يسعى إلى أن يترك أثراً في الوعي والوجدان، وأن يمنح المتلقي سبباً للعودة إلى العمل وتأمله من جديد.
نبارك للفنانة مسك محمد المرعب معرضها الشخصي الأول، مع خالص الأمنيات لها بمزيد من الإبداع والتألق في خطواتها المقبلة، ولجميع المشاركين والحاضرين دوام الصحة والعافية. والشكر لكل من أسهم في إنجاح هذه المناسبة التي تؤكد أن الفن ما زال قادراً على جمع الناس حول الجمال، وفتح نوافذ للأمل في حياة ثقافية تستحق أن تتسع وتزدهر.