إعداد ـ التآخي
موضوع الاستقطاب المجتمعي والسياسي يعد من أكثر القضايا حيوية وخطورة في العلوم السياسية والاجتماعية المعاصرة، إذ يمس استقرار المجتمعات وسلمها الأهلي بشكل مباشر. و الاستقطاب السياسي (Political Polarization)، انقسام الرأي العام أو القوى السياسية إلى أقصى أطراف الطيف السياسي يمين متطرف/ يسار متطرف، دين سياسي، سلطة/معارضة راديكالية مع انعدام المساحة الوسطى للحوار.
ان الاستقطاب الشعوري/الوجداني لا يقتصر فيه الاختلاف على الآراء والأفكار فقط، بل يتحول إلى مشاعر كراهية وعداء شخصي بين أبناء المجتمع الواحد لمجرد انتمائهم لفئات أو أحزاب مختلفة. وتعتمد الخطابات السياسية المستقطبة على أساليب نفسية ولغوية محددة لإحداث الشقاق، أبرزها، استراتيجية “نحن” ضد “هم” بخلق ثنائية صلبة تقسم المجتمع إلى فريقين: الفريق الصالح (نحن) الذي يمثل الاتجاه الحق، والفريق السيئ (هم) الذي يمثل الخيانة أو الخطر، وبذلك يجري إلغاء التنوع الانساني في داخل المجتمع، واختزال الأفراد في انتماءات ضيقة.
وتجري عملية شيطنة الآخر وتجريده من الإنسانية و عدم الاكتفاء بنقد رأي الخصم السياسي، بل التشكيك في أخلاقه، ووطنيته، وإنسانيته وحتى اسرته،واستغلال أوصاف ووسوم تحريضية تشرعن إقصاء الآخر أو كراهيته، و شحن المشاعر عبر خطاب الخوف والتهديد (Fear-mongering)، و إيهام الجمهور بأن وجود الفئة الأخرى يشكل تهديدا وجوديا لقيمهم، أو أمنهم، أو مكاسبهم الاقتصادية، و استغلال مشاعر الخوف لتمرير سياسات عنيفة وضمان ولاء القاعدة الجماهيرية المفترضة.
كما يجري استبدال الحجج المنطقية والأرقام باللغة العاطفية الحماسية بتقديم حلول سطحية وخطابية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية المعقدة عبر إلقاء اللوم كاملا على “الفئة الأخرى” (كبش الفداء).
ان أدوات تسريع الاستقطاب في العصر الحديث تتضمن خوارزميات التواصل الاجتماعي (غرف الصدى) اذ تبرز للمستخدم المحتوى الذي يوافق أفكاره فقط، مما يعزز التعصب ويجعله يرى الطرف الآخر كغريب أو عدو، ويجري التحول من الإعلام الناقل للخبر إلى الإعلام الموجه الذي يغذي الأحقاد ويعتمد على الإثارة (Sensationalism).
وكل ذلك يولد آثارا تترتب على المجتمع (التفاعل السلبي) بتآكل الثقة المجتمعية، اذ يقل التواصل والتزاور وحتى التعامل الاقتصادي بين أبناء الفئات المتنوعة، وترتفع الجدران فيما بينها، وتشل المؤسسات السياسية وتتجلى صعوبة التوصل إلى تسويات أو حلول وسط في داخل البرلمانات أو الحكومات نتيجة تحريض القواعد الشعبية المفترضة لرفض أي تنازل. و يتحول الخطاب الكلامي إلى اعتداءات جسدية أو اضطرابات أمنية في الحالات الحادة و تتراجع حرية التعبير نتيجة خوف الأفراد المعتدلين من إبداء آرائهم تجنبا لتخوينهم أو تنمر الطرفين عليهم.
وتتمثل سبل المواجهة والحد من الاستقطاب بترشيد الخطاب السياسي وذلك بفرض معايير أخلاقية وقانونية تمنع خطاب الكراهية والتحريض وتعزيز التفكير النقدي والثقافة الإعلامية بتدريب المجتمع على كشف المغالطات المنطقية والتضليل الإعلامي و دعم المساحات المشتركة والمبادرات الحوارية بتشجيع المبادرات المجتمعية التي تجمع الفرقاء للبحث عن نقاط الالتقاء.

الصراع الآيرلندي في تجربة البحث
صراع أيرلندا الشمالية (المعروف تاريخيا بـ “المشكلات” / The Troubles) التي امتدت من أواخر ستينات القرن الماضي حتى عام 1998) يعد من أبرز وأعقد الأمثلة المعاصرة على كيفية تحول الانقسام السياسي والمجتمعي المتغذي على الخطاب الطائفي وتراكمات التاريخ إلى صراع دموي مسلح، وكيف أمكن في النهاية التوصل إلى تسوية سياسية تاريخية أنهت هذا نزيف الدم.
وبرغم الانقسام الظاهر بين الكاثوليك والبروتستانت وهما طرفا المعادلة في ايرلندا، إلا أن الصراع في جوهره لم يكن على العقيدة الدينية أو نصوص الإنجيل، بل كان صراعاً سياسيا ووطنيا وهوياتيا استغل فيه الدين كرمز ووسيلة للفرز الاجتماعي: المعسكر الجمهوري / القومي (معظمه من الكاثوليك)، الهدف: انفصال أيرلندا الشمالية عن المملكة المتحدة وإعادة إلحاقها بجمهورية أيرلندا لتشكيل “أيرلندا الموحدة”.
لقد كان اساس التوجه هو الشعور العام بمعاناة تاريخية من التهميش، والتمييز في توزيع الوظائف والسكن، والتهميش السياسي من قبل الأغلبية البروتستانتية، وبرز الذراع العسكري، اي الجيش الجمهوري الأيرلندي (IRA). اما المعسكر الاتحادي الموالي (معظمه من البروتستانت) فكان هدفه البقاء ضمن التاج البريطاني والمملكة المتحدة، وكان الشعور العام هو الخوف الوجودي من الضياع وفقدان الهوية والسيادة في حال الاندماج مع جمهورية أيرلندا ذات الأغلبية الكاثوليكية.
فبرزت المجموعات المسلحة: قوة متطوعي أولستر (UVF) ورابطة دفاع أولستر (UDA) وجرى انشاء مايسمى “خطوط السلام” وهي الجدران الكونكريتية العازلة في داخل المدن، فمع تصاعد العنف في سبعينات القرن الماضي (تفجيرات، اغتيالات، واشتباكات أحياء)، لجأت السلطات البريطانية إلى بناء جدران وأسيجة عازلة تعرف بـ خطوط السلام، بخاصة في العاصمة بلفاست (مثل الخط الفاصل بين حي “فالس” الكاثوليكي وحي “شانكيل” البروتستانتي)، الهدف الفوري كان فصل الأحياء المتجاورة المتصارعة ماديا لمنع الاشتباكات المباشرة واعتداءات الميليشيات. النتيجة النفسية والمجتمعية: برغم أنها قللت من حدة القتل المباشر، إلا أنها كرست الاغتراب والاستقطاب المجتمعي، حيث نشأت أجيال كاملة لا ترى الطرف الآخر ولا تتفاعل معه إلا عبر الشحن الإعلامي والسياسي، وتحولت الجدران إلى رمز جسدي صارخ للفشل في التعايش.
لم يأت السلام بضربة قاضية أو بانتصار عسكري لخير طرف على آخر، بل عبر عملية سياسية شاقة ومحسوبة توجت بتوقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998. تلخصت آليات الحل في المحاور الآتية:
اولا، الإدراك المتأخر بـ “استحالة الحسم العسكري” فبعد عقود من إراقة الدماء (أكثر من 3500 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى)، أدركت الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الايرلندي والميليشيات البروتستانتية أن أحدا لن يستطيع محو الطرف الآخر بالكامل، وأن الخيار الوحيد هو المفاوضات.

ثانيا، جرت هندسة التسوية السياسية (اتفاق 1998)، اذ قام الاتفاق على أربعة أركان رئيسة صممت لتهدئة مخاوف الجميع: مبدأ تقرير المصير المزدوج بتبنى الاتفاق على أن أيرلندا الشمالية ستظل جزءا من المملكة المتحدة طالما رغبت أغلبية سكانها في ذلك، ولكن إذا قررت الأغلبية عبر استفتاء مستقبلي الانفصال و التوحد مع جمهورية أيرلندا، فسوف يحترم ذلك. وتحققت أرضية مشتركة أزالت الخوف الوجودي لدى الطرفين بتقاسم السلطة و صياغة نظام حكم إقليمي تشاركي يضمن تمثيل الكاثوليك والبروتستانت معا في الحكومة المحلية والمجلس التشريعي، بحيث لا تستأثر أغلبية بالحكم، و جرى نزع السلاح والإفراج عن المعتقلين اذ التزمت الجماعات المسلحة بتسليم سلاحها بالتدريج تحت إشراف دولي، مقابل الإفراج المشروط عن السجناء السياسيين من الطرفين.
وجرت عملية إصلاح أجهزة الشرطة والأمن بإعادة هيكلة جهاز الشرطة ليصبح جهازا مدنيا يمثل جميع مكونات المجتمع بإنصاف، بدلا من انحيازه التاريخي لطرف واحد. وادت الأطراف الدولية دورا حاسما في بناء الثقة؛ حيث قادت الولايات المتحدة عبر المبعوث الخاص جورج ميتشل جهود التيسير والمفاوضات، بمساندة من الاتحاد الأوروبي الذي ضخ استثمارات ومساعدات لدعم الاقتصاد المحلي وتنمية المناطق المتضررة وخدمة السكان. لقد قدم القادة من شتى الأطراف مثل جون هوم وجيري أدامز عن القوميين، ودافيد تريمبل عن الاتحاديين، ورؤساء الوزراء البريطانيين والأيرلنديين تنازلات تاريخية وضعت المصلحة العامة وفكرة حماية الأرواح فوق الشعارات المتطرفة.
ان الدروس المستفادة من التجربة الأيرلندية تتمثل في ان الخطاب السياسي المستقطب هو الوقود الأول للدم بانبثاق الصراعات التي تغلف بغلاف طائفي أو هوياتي هي الأكثر دموية واستدامة ما لم يفكك الخطاب المحرض، وان الجدران حلول أمنية مؤقتة وليست حلولا مجتمعية فالفصل الجسدي العنصري يمنع القتل العاجل لكنه يستنسخ الكراهية في أجيال جديدة؛ والسلام الحقيقي يبدأ بتفكيك “الجدران النفسية”؛ و لا سلام من دون عدالة وتقاسم سلطة وان التجاهل أو إقصاء مكون أساسي من مكونات المجتمع يخلق بيئة خصبة للعنف والتطرف.
العراق ولبنان: استقطاب من دون عدالة
تطبيق درس أيرلندا الشمالية على العراق ولبنان يقدم انموذجا صارخا لخطورة “المحاصصة الطائفية والإثنية” عندما تتحول من مجرد آلية مؤقتة لتقاسم السلطة إلى نظام حكم جامد و”هندسة سياسية” ترسخ الانقسام المجتمعي.
في كلا البلدين، جرى تبني صيغ لتقاسم السلطة بعد حروب مدمرة (اتفاق الطائف في لبنان عام 1989، والنظام السياسي بتدخل اميركي ما بعد 2003 في العراق)، وبهدف رئيس هو طمأنة المكونات المتنوعة وإيقاف نزيف الدماء. وبرغم أن هذه الصيغ نجحت مبدئيا في إخماد الحرب المباشرة، إلا أنها تحولت تدريجيا إلى “أقفاص سياسية” أدت إلى تداعيات كارثية على بنية الدولة والمجتمع.
فيما يلي تحليل لآليات وتداعيات هذا النظام في العراق ولبنان: أولا: هندسة الانقسام.. كرست المحاصصة الطائفية الصراع، اذ جرت مأسسة الهويات الفرعية على حساب “المواطنة”؛ في لبنان، جرى توزيع الرئاسات والمناصب والوظائف الكبرى بناء على الطوائف (ماروني، سني، شيعي، درزي، إلخ). و في العراق، ترسخ عرف غير مكتوب (وأحيانا إداري) يوزع الرئاسات والوزارات الحساسة على أساس إثني وطائفي (شيعي، سني، كوردي).
النتيجة: أصبح الولاء الأول للفرد موجها نحو طائفته وزعيمها الطائفي أو الحزبي، لا إلى الدولة أو الوطن الجامع. وجرى تكريس “فوبيا الخوف الوجودي” كأداة انتخابية، اذ تعتمد النخب الحاكمة في النظام المحاصصاتي على خطاب “تخويف المكون”: (الشيعي يجب أن يحتمي بزعمائه خوفا من عودة التهميش، السني خوفا من الهيمنة، والكوردي خوفا من إنكار حقوقه القومية). هذا الخطاب يمنع أي محاسبة سياسية؛ فمهما بلغ حجم الفشل أو الفساد، يضطر الناخب للتصويت لزعيم طائفته تحت مسوغ حماية “الوجود والمكتسبات”.
ان تداعيات المحاصصة اثر على الاستقرار وتعثر بناء الدولة تمثل في الإخفاق الاقتصادي والفساد المؤسسي (اقتصاد الغنيمة) فعندما يوزع جهاز الدولة ومؤسساتها كـ “حصص ومغانم” بين الأحزاب الطائفية، تفقد الكفاءة والنزاهة معيارها.
ويعاني العراق برغم ثرواته النفطية الهائلة، ولبنان الذي انهار نظامه المصرفي من الفساد الممنهج (Kleptocracy)؛ اذ تستغل وزارات الدولة كمصادر لتمويل الأحزاب وشراء الولاءات الشعبية عبر التوظيف الوهمي والهدر المالي، مما أدى إلى تدمير البنى التحتية وانهيار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، والصحة، والتعليم. ادى ذلك، الى شلل المؤسسات وغياب المحاسبة اذ ان القرار في نظام المحاصصة لا يتخذ بناء على المصلحة العامة، بل عبر التوافقات والمساومات بين الزعماء، وإذا اختلفوا، تدخل الدولة في حالة “شلل سياسي تام” بتعطل تشكيل الحكومات، وشلل البرلمان، وتعطيل القضاء.
كما تغيب المعارضة الحقيقية؛ فجميع الأحزاب الكبرى تشارك في الحكومة (حكومة توافق أو محاصصة شاملة)، مما يعني عدم تواجد جهة رقابية تحاسب المقصرين، لأن الجميع شركاء في السلطة والمسؤولية، ولقد ادى ذلك في العراق الى التوترات الأمنية وغياب احتكار السلاح من قبل الدولة و فوضى وتفكك مؤسسات الدولة الأمنية أحيانا، وغياب السيادة الموحدة، وصعود جماعات مسلحة وفصائل تدين بالولاء لأجندات طائفية أو خارجية، مما جعل السلاح خارج إطار الدولة، وهو عكس ما حدث في أيرلندا الشمالية اذ كان نزع سلاح الميليشيات شرطا أساسيا للسلام.
في لبنان، أدى بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة بشكل كامل بذريعة المقاومة أو الحماية الطائفية، إلى جعل القرار الأمني والعسكري رهينة لتوازنات إقليمية ومحلية، مما عرض البلد لهزات وحروب مدمرة وانهار وضعه المالي والاقتصادي.
أمام هذا الانسداد التاريخي، لجأ المواطنون في البلدين إلى التمرد على هذه المنظومة بأشكال مختلفة، أبرزها، انتفاضة تشرين (العراق 2019) وثورة 17 تشرين (لبنان 2019)، اذ خرج مئات الآلاف من الشباب الذين ولدوا وتربوا في ظل نظام المحاصصة، ليرفعوا شعارا موحدا عابرا للطوائف: “رايد وطن” و”كلن يعني كلن”.
كانت هذه الاحتجاجات صرخة مجتمعية كبرى ترفض الاختزال الطائفي، وتطالب بدولة مواطنة مدنية، وقانون انتخابي عادل، ومحاسبة الفاسدين. وبرغم نجاح هذه الاحتجاجات في هز شرعية المنظومة الحاكمة “وسقوط الحكومة العراقية”، إلا أنها واجهت قمعا شديدا وعنفا سياسيا ومماطلة من أحزاب السلطة التي تستميت لحماية امتيازاتها.
ان الخلاصة والمقارنة مع التجربة الأيرلندية تتمثل في: بأيرلندا الشمالية، كان “تقاسم السلطة” خطوة نحو إلغاء الحواجز النفسية والمادية تدريجيا نحو مستقبل ديمقراطي مرن، فيما تحولت المحاصصة في العراق ولبنان إلى سجون طائفية وإثنية دائمة توزع فيها الغنائم وتقسم فيها الدولة.
الدرس المستفاد: لا يمكن لأي بلد أن يبني استقرارا حقيقيا أو نهضة اقتصادية طالما ظلت الشرعية السياسية مبنية على “الانتماء الطائفي أو الإثني” وليس على الكفاءة، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية. إن الإصلاح الحقيقي يتطلب تفكيك هذه المنظومة عبر قوانين انتخابية عادلة، وقضاء مستقل، ودولة تحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية وحدها، يصحب ذلك اقامة عدالة اجتماعية راسخة بالقضاء على الفقر وتشغيل الايدي العاطلة و تنفيذ الضمان الاجتماعي للعاطل وتحسين الخدمات وصيانة الحريات وغير ذلك من متطلبات الاستقرار والتعافي.