تعديل الدستور: الضرورات والممكنات والتجارب

 

إعداد ـ التآخي

إن إجراء التعديلات الدستورية في الدول الديمقراطية المستقرة هو أمر طبيعي ومألوف تماما بل ودليل على حيوية النظام السياسي ومرونته، وليست بالضرورة مؤشرا على أزمة أو هشاشة. الدستور في الفكر الديمقراطي ليس نصا مقدسا جامدا، بل هو “عقد اجتماعي حي” يُفترض أن يتطور ليواكب تحولات المجتمع واحتياجاته المتجددة مع الحفاظ على الثوابت الجوهرية كالحريات العامة وفصل السلطات.

يمكن إيجاز أبرز الظروف والدوافع التي تدفع الديمقراطيات المستقرة لإجراء تعديلات دستورية في الاستجابة للتطورات الاجتماعية والثقافية وتغير منظومة القيم المجتمعية، فعندما تتطور نظرة المجتمع تجاه حقوق الإنسان، المساواة، أو حماية البيئة، قد يتطلب الأمر تعديل الدستور ليعكس هذه التحولات. من الامثلة تعديل الدستور الأيرلندي عبر الاستفتاءات الشعبية في السنوات الأخيرة لإدخال إصلاحات اجتماعية تتعلق بحقوق الأسرة والمرأة والإجهاض والزواج.

ومن أسباب تعديل الدستور الإصلاح المؤسسي وتحسين كفاءة الحكم ومعالجة الاختناقات السياسية، فإذا أظهر التطبيق العملي للنظام السياسي وجود عيوب هيكلية تعوق عمل المؤسسات مثل أزمات تشكيل الحكومة، أو تداخل صلاحيات السلطات، تجرى تعديلات لإعادة ضبط التوازن.  مثال ذلك التعديلات الدستورية المتكررة في بعض النظام البرلمانية الأوروبية لتبسيط إجراءات سحب الثقة أو تعزيز استقلالية القضاء.

وتجري التعديلات أيضا في الأزمات الكبرى والصدمات التاريخية فقد تواجه الدولة تحديات جسيمة مثل أزمات مالية هيكلية، أو تهديدات أمنية غير تقليدية تتطلب إعادة هندسة بعض الصلاحيات المركزية أو اللامركزية وإدخال ضمانات جديدة، مثال ذلك تعديلات القواعد المالية والميزانيات في بعض الدول الأوروبية بعد الأزمات المالية العالمية لفرض قيود دستورية على العجز العام.

وتحصل التعديلات في اثناء الاندماج الإقليمي والدولي   عندما تنضم دولة ديمقراطية إلى منظمات إقليمية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي أو تقرر إعادة توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والأقاليم (الفيدرالية أو اللامركزية)، فإن ذلك يستلزم غالبا تعديلات دستورية لتنظيم تنازع الاختصاصات.  مثال، التعديلات التي أجرتها دول أوروبية عدة لتعديل المادة الخاصة بالسيادة الوطنية بما يتيح نقل جزء من الصلاحيات لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

ان ما يميز الدول الديمقراطية المستقرة في تعديل دساتيرها هو الآليات الصارمة والمعقدة (تسمى غالبا بالدستور الجامد أو الصلب) التي تمنع التلاعب العشوائي، وتضمن أن يكون التعديل نابعا من إجماع وطني واسع، ومنها، الأغلبية المعززة باشتراط أغلبية برلمانية عالية جدا (ثلثا أو ثلاثة أرباع الأعضاء)، والاستفتاء الشعبي بعرض التعديل مباشرة على المواطنين في صناديق الاقتراع، و   مرور التعديل عبر دورتين برلمانيتين أو انتظار مدة زمنية لمنع الانفعال السياسي اللحظي.

ولتوضيح كيف تتعامل الديمقراطيات المستقرة عمليا مع التعديلات الدستورية، سنستعرض ثلاثة نماذج عالمية متميزة: انموذج يمارس التعديل المستمر والمباشر (سويسرا)، ونموذج يتسم بالصلابة الشديدة والندرة (الولايات المتحدة)، وانموذج مرن يعتمد التطور القضائي والتوافق الفيدرالي (كندا).

 

تُعد سويسرا النموذج الأبرز عالميا في المشاركة الشعبية المباشرة لتعديل الدستور. الدستور السويسري ليس وثيقة صلبة نادرا ما تُلمس، بل هو وثيقة تتغير باستمرار لمواكبة رغبة الشارع.

كيف يجري التعديل؟ يجري ذلك بالمبادرة الشعبية (Initiative populaire)، اذ يحق لأي 100 ألف مواطن جمع تواقيع خلال 18 شهرا لاقتراح تعديل جزئي أو كلي على الدستور. يوضع الاقتراح للاستفتاء الشعبي العام، ويشترط لنجاحه الحصول على “الأغلبية المزدوجة”، اي أغلبية أصوات الناخبين على مستوى الدولة، وأغلبية المقاطعات (الكانتونات).  وتجري سويسرا استفتاءات دستورية عدة مرات في السنة. اذ جرى في بعض المرات تعديل الدستور لحظر بناء المآذن، وحظر تصدير الأسلحة لمناطق النزاع، وحماية البيانات الرقمية، وتعديل سن التقاعد ونظام التأمينات الاجتماعية.

وعلى العكس تماما من سويسرا، يُعد الدستور الأمريكي (المكتوب عام 1787) من أصلب الدساتير في العالم وأصعبها حركية. طوال أكثر من 230 عاما، لم يُعدّل الدستور الأمريكي سوى 27 مرة فقط، بآلية معقدة للغاية تشترط موافقة ثلثي الأعضاء في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ (أو بمبادرة من ثلثي مجالس الولايات).    يعقب ذلك شرط أصعب: مصادقة ثلاثة أرباع الولايات (38 ولاية من أصل 50).

ونظرا لصلابة النص المكتوب، تعتمد الولايات المتحدة على “التفسير القضائي” (Judicial Interpretation) عبر المحكمة العليا. تكيّف المحكمة معاني النصوص القديمة مثل، حرية التعبير، والحق في الخصوصية، والمعاملة المتساوية، لتناسب التطورات الحديثة من دون تغيير النص الأصلي، وهو ما يُعرف بـ الدستور الحي عبر القضاء.

وفي كندا يجري التعديل عبر “التوافق الفيدرالي والتوازن الثقافي”، اذ شهدت كندا نقطة تحول تاريخية عام 1982 فيما يعرف بـ “توطين الدستور” (Patriation of the Constitution)، اذ جرى قطع الارتباط القانوني الأخير بالمملكة المتحدة وإضافة “ميثاق الحقوق والحريات الكندي”.  جرى وضع صيغة مركبة تسمى “قاعدة الـ 7/50”: للتعديلات العامة، توجب موافقة مجلس العموم والشيوخ، فضلا عن موافقة مجالس 7 برلمانات إقليمية (ولايات) بشرط أن تمثل هذه الأقاليم ما لا يقل عن 50% من سكان كندا. التعديلات التي تمس اللغات الرسمية، أو تركيبة المحكمة العليا، أو الملكية تتطلب إجماع جميع الأقاليم العشرة. والهدف من هذه المعايير، ضمان ألا تفرض الأقاليم الكبيرة رأيها على الأقاليم الصغيرة، وحماية حقوق القوميات والأقليات الثقافية مثل إقليم كيبيك الناطق بالفرنسية والسكان الأصليين.

 

الظروف المحلية للتعديلات

 

ان استيراد آليات دستورية تتطلب إجماعا أو أغلبية معقدة كالنموذج الأمريكي ووضعه في بيئة سياسية تعاني من المحاصصة والتجاذبات الحزبية والطائفية، سيحول الدستور حتما إلى “وثيقة جامدة” تعجز عن مواكبة الحياة، أو قد تتحول إلى أداة لابتزاز العملية السياسية وتعطيل الإصلاحات. الأنموذج السويسري الذي يمنح الشعب صوتا مباشرا يكسر عادة هذا الاحتكار الحزبي والسياسي، لأنه يجعل القرار الأخير خارج أروقة المحاصصة والصفقات الضيقة، ويعيده إلى المواطن مباشرة.

 

 

إذا نظرنا إلى فكرة التعديل الشعبي المباشر أو تعزيز أدوات الديمقراطية التشاركية في دول تمر بانتقالات أو تعقيدات سياسية مثل العراق، فإن تطبيقها يواجه عادة تحديات هيكلية دقيقة تستوجب الحذر، ومنها، غياب الثقة المؤسسية والبيئة المحايدة، فلكي تنجح الاستفتاءات والمبادرات الشعبية، يجب أن توجد هيئات إدارة انتخابية مستقلة تماما تحظى بثقة شبه كاملة من الشارع. في بيئات المحاصصة، غالبا ما تكون الشكوك عالية بشأن نزاهة الإجراءات أو قدرة القوى النافذة على توجيه الرأي العام عبر المال السياسي والإعلام الموجه.  إذا لم تُضبط صياغة الأسئلة أو المقترحات المطروحة للاستفتاء بدقة، فقد تحترق القضايا الإصلاحية الكبرى كالحريات، النظام الإداري، أو توزيع الثروة في أتون الاستقطاب العرقي أو الطائفي، لتتحول الاستفتاءات إلى “معارك كسر عظم” بدلا من كونها أدوات لتطوير المجتمع.

الديمقراطية المباشرة تفترض واعيا مجتمعيا قادرا على تفكيك التعقيدات الدستورية. في بعض الأحيان، قد تُمرر عبر التعبئة الشعبية العاطفية تعديلات متسرعة تضر بالحقوق الفردية أو استقرار الدولة على المدى الطويل، لأن الناخب قد يعاقب الحكومة الحالية عبر التصويت برفض أو قبول مادة دستورية حساسة من دون دراسة لعواقبها.

ولتجنب عيوب “الجمود الأمريكي” وفي الوقت نفسه التحصن ضد “فوضى المحاصصة” في العراق أو الدول المشابهة، يميل خبراء القانون الدستوري إلى النموذج الهجين (المتوازن)، الذي يجمع بين صمام أمان مؤسسي، يمنع تمرير تعديلات عشوائية تهدد لحمة الدولة، ونافذة ضغط شعبي، تمنح القوى الحية والمجتمع المدني حق اقتراح التعديلات عبر عرائض شعبية واسعة النطاق، بحيث لا يبقى حق التعديل حكرا حصريا على الطبقة السياسية المستفيدة من الوضع القائم.

وأثيرت قضية تعديل الدستور العراقي مؤخرا من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان بعد التصويت على أربعة نواب لرئيس مجلس الوزراء، وهو في الحقيقة خرق دستوري، ونوه زيدان إلى مشكلة عدم حسم موضوع الكتلة الأكبر بعد كل انتخابات والالتباس في تحديدها وطالب بتعديل الدستور بهذا الشأن. ان دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى لم تأتِ من فراغ، بل جاءت متزامنة مع مخاضات سياسية وتعقيدات مستمرة في تفسير وتطبيق النصوص الدستورية في العراق مثل إشكالية الكتلة النيابية الأكثر عددا وآليات تشكيل السلطة وصلاحياتها.

ويمكن قراءة هذا التطور في ضوء ما يعرف بأزمة “الكتلة الأكبر” وهي الثغرة التي أرهقت النظام السياسي، اذ نصت المادة 76 من الدستور العراقي على تكليف مرشح “الكتلة النيابية الأكثر عددا”، لكن عدم تحديد ما إذا كانت هذه الكتلة هي الفائزة حصرا بالانتخابات أم تلك التي تُمطّ وتُشكل بالتحالفات اللاحقة في داخل قبة البرلمان فتح الباب واسعا أمام التجاذبات.

النتيجة العملية: تحولت كل دورة انتخابية إلى أزمة كسر عظم تشهدها أروقة المحكمة الاتحادية والكتل السياسية، مما يجعل تشكيل الحكومات رهنا لتسويات ومحاصصات معقدة تطول لأشهر ما اعاق إعادة اعمار وبناء البلد وتحقيق رغبات الناس. ودعوة رئيس القضاء الحالية لتعديل الدستور تأتي لحسم هذه النقطة بنص قاطع لا يحتمل التأويل أو التفسيرات الموسمية.

ان اللجوء المتكرر إلى صيغ ترضي شتى أطراف المحاصصة مثل استحداث مناصب كثر كنواب رئيس مجلس الوزراء أو وزارات غير مبررة هيكليا يعكس ضغط التوازنات السياسية على حساب رصانة المؤسسات وكفاءتها وطموحات اغلبية الشعب. وعندما تُدار الدولة بمنطق “ترضية الشركاء” بدلا من منطق الكفاءة والفصل السليم للصلاحيات، تظهر الخروقات الدستورية أو تتسع الفجوة بين النص الدستوري والواقع التنفيذي، وهو ما دفع رأس الهرم القضائي إلى دق ناقوس الخطر والمطالبة بتدخل تشريعي ودستوري حقيقي.

 

هل يفلح العراق في تعديل الدستور؟

التعديل الدستوري في العراق مرتهن بحسب المادة 142 من الدستور بآليات معقدة تتطلب توافقات سياسية واسعة وموافقة البرلمان ثم الاستفتاء الشعبي. وفي ظل بيئة يسيطر فيها منطق المحاصصة، قد تخشى بعض القوى السياسية المساس بنصوص تضمن لها مكاسب نفوذ أو محاصصة، مما يجعل أي دعوة لتعديل الدستور تصطدم بممانعة أو تسويف سياسي. القوى المستفيدة من نظام المحاصصة لا تملك أي دفع ذاتي أو رغبة حقيقية لتغيير قواعد اللعبة التي منحتها النفوذ والمكتسبات، والتعديل الدستوري بالنسبة لها يشكل “تهديدا” لامتيازاتها أكثر من كونه فرصة لإصلاح الدولة.

ومع الأسف هناك إحساس عام في العراق بعدم قدرة القوى السياسية على إجراء تعديل الدستور، بل هي لا ترغب أصلا في ذلك، ولكن الضغط الشعبي المتواصل يجبرها على القبول بذلك. وإذا لم تفعل فستستمر احوال البلد في التدهور في ظل نظام المحاصصة. ستستمر الازمات الاقتصادية والمالية والأمنية وغيرها.

من هنا، يصبح الرهان على الضغط الشعبي المتواصل هو المقاربة الأكثر صحة في علم الاجتماع السياسي ودراسات التحولات الديمقراطية. التاريخ الحديث يؤكد أن الطبقات الحاكمة المستفيدة من وضع هش لا تقدم تنازلات أو تقبل بإصلاحات هيكلية إلا إذا شعرت بان  “كلفة بقاء الوضع على حاله” أكبر بكثير من كلفة التغيير، بفعل ضغط الشارع والمجتمع. ولكن، لكيلا يبقى هذا الضغط الشعبي مجرد ردة فعل مؤقتة تخبو مع الوقت، يجب تحويله إلى قوة ضغط منظمة ومستدامة قادرة فعلا على فرض تعديلات دستورية حقيقية وتفكيك منظومة المحاصصة، في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الشارع العراقي.

الخلاصة، ان التعديلات الدستورية هي عملية تغيير أو مراجعة تحدث لنصوص الدستور، أي الوثيقة القانونية الأعلى في الدولة، وذلك بهدف تحديثه ومواكبة المتغيرات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية من دون الحاجة إلى إلغاء الدستور بالكامل أو كتابة وثيقة جديدة. وأشكال التعديل الدستوري تشمل إضافة نصوص جديدة اي وضع مواد أو أحكام لم تكن متواجدة من قبل في أصل الدستور، وحذف نصوص قائمة وذلك بإلغاء بعض المواد أو الفقرات التي لم تعد تناسب الواقع.

وتشمل التعديلات استبدال أو تعديل صياغة، اي تغيير مضمون مادة معينة أو تعديل أسلوب تطبيقها والملاحق التكميلية: إلحاق تعديلات على هيئة ملاحق منفصلة عن النص الأصلي.  والغاية من التعديلات الدستورية موازنة الاستقرار والتطور بتحقيق التوازن بين ثبات القانون الأساسي للدولة وضرورة التكيف مع تغيرات المجتمع، وتجديد الشرعية بتعزيز كفاءة المؤسسات العامة وتصحيح الثغرات التي تظهر مع مرور الوقت، و حماية الحقوق: ضمان استمرارية حماية الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنين. وتشترط أغلب الدساتير بخاصة ما يسمى (الدساتير الجامدة) إجراءات صارمة ومعقدة لإقرار التعديل، وتختلف عن تشريع القوانين العادية، ومنها الحصول على أغلبية برلمانية خاصة كأغلبية الثلثين مثلا، ويٌمهد للتعديلات أيضا بطرح التعديل على استفتاء شعبي للموافقة المباشرة من الناخبين، مع تواجد   قيود صريحة أو ضمنية تمنع المساس ببعض المبادئ الأساسية في الدولة كالهوية أو نظام الحكم في بعض التجارب.

 

قد يعجبك ايضا
∧