التأخي / حبيب السالم
عرف المشهد الإعلامي العربي تحولاً نوعياً في آليات التضامن المهني، مع إعلان ثماني مؤسسات صحفية مصرية وعربية إطلاق غرفة أخبار مشتركة لتدقيق الحقائق .
وتأتي هذه الخطوة الاستثنائية استجابةً مباشرة للهجمة الأمنية الأخيرة في مصر، والتي أسفرت عن اعتقال ستة من صحفيي منصة “متصدقش” المستقلة وحبسهم احتياطيا .
المبادرة التي انطلقت تحت شعار “لحد ما يرجعوا… التحقق مستمر”، لا تمثل مجرد بيان إدانة تقليدي، بل تؤسس لنموذج عملي وتضامني عابر للحدود يسعى إلى كسر الحصار المفروض على الكلمة الحرة، وإثبات أن قمع غرف الأخبار لا يعني بالضرورة إسكات صوت الحقيقة .
واجه الصحفيون الإخفاء القسري قبل ظهورهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، ليتم إدراجهم على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026 بتهم أبرزها “الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة”. هذا الاستهداف لم يكن عشوائياً، بل جاء بالتزامن مع استعدادات الحكومة المصرية لإطلاق “منتدى مصر 2026” لاستعراض ما تصفه بالإنجازات الحكومية، وهو الحدث الذي طالما مثّل مادة خصبة لعمل منصات تدقيق الحقائق التي تفكك الخطاب الرسمي وتكشف زيف الأرقام المضللة .
تكتسب هذه الخطوة التضامنية أهميتها من طبيعة التحالف وشكله التنفيذي؛ حيث التقت منصات مصرية بارزة مثل “مدى مصر”، و”المنصة”، و”صحيحمصر”، مع منصات عربية مستقلة من لبنان (“درج”، “ميغافون”، “صفر”)، وتونس (“نواة”)، وسوريا (“الجمهورية”).
ذا التنوع الجغرافي يعكس وعياً متقدماً بأن معركة حرية الصحافة في المنطقة العربية هي معركة واحدة لا تتجزأ. إن تشكيل غرفة أخبار تدقيقية مشتركة يتجاوز التضامن المعنوي إلى التضامن الهيكلي والعملي، وهو ما يحرم السلطات الأمنية من تحقيق هدفها الأساسي: محو الأثر المهني للمؤسسة المستهدفة وتخويف الآخرين.
ويمثل إطلاق الغرفة المشتركة رداً ذكياً يفشل استراتيجية “التصفية الصامتة” التي تتبعها الأجهزة الأمنية ضد الصحافة المستقلة. فبدلاً من الانكفاء والدخول في حالة من الرعب والرقابة الذاتية، اختارت المؤسسات المشاركة نقل المعركة إلى مربع “الاستمرارية المهنية ” .
الرسالة واضحة تماماً: إذا غُيب صحفيو “متصدقش” خلف القضبان، فإن عشرات الصحفيين في القاهرة، وبيروت، وتونس، وغازي عنتاب سيقومون بمهامهم، وسيتولون فحص وتدقيق كل رقم وبيان يصدر عن “منتدى مصر 2026” بالدقة والصرامة المعهودتين .
علاوة على ذلك، تكشف هذه المبادرة عن أزمة عميقة مع منصات تدقيق الحقائق. في السابق، كان الصراع يتركز حول الآراء والتحليلات السياسية، أما اليوم، فقد أصبحت “المعلومة المجردة” والرقمنة الإحصائية هي العدو الأول للخطاب الرسمي .
إن إصرار المنصات على ملاحقة التصريحات الرسمية ومقارنتها بالواقع على الأرض يعري السرديات الحكومية، ويحرم السلطة من احتكار الحقيقة وتوجيه الرأي العام، وهو ما يفسر الشراسة الأمنية في التعامل مع صحفيين شبان كل جريمتهم هي استخدام آليات البحث والتدقيق الأكاديمي والمهني.
تواجه هذه التجربة الفريدة تحديات هائلة، في مقدمتها التهديدات الأمنية المباشرة التي تلاحق الصحفيين داخل مصر، وصعوبة الوصول إلى المعلومات في بيئة تشريعية تفرض تعتيماً مطلقاً. ومع ذلك، فإن نجاح الغرفة المشتركة في تنسيق الجهود وتوزيع المهام عبر الحدود يمنحها مرونة وقدرة على المناورة تفوق بكثير قدرة الأجهزة الأمنية المحلية على الملاحقة. هذا النمط من “الصحافة التضامنية العابرة للحدود” قد يشكل نواة لنموذج مستقبلي لحماية الصحافة المستقلة في البيئات القمعية .
ويقول صحفيون إن تجربة الغرفة التضامنية لـ “متصدقش” تؤكد أن أدوات القمع التقليدية باتت عاجزة عن احتواء التدفق المعرفي والمهني في العصر الرقمي. إن تغييب الأجساد في السجون لم يعد كافياً لدفن الحقيقة، طالما أن هناك زملاء مهنة مؤمنين بأن الدفاع عن حرية أي صحفي هو دفاع عن بقائهم الشخصي. تظل الغرفة المشتركة اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الصحفي المستقل على الصمود، وخطوة شجاعة لضمان بقاء التدقيق مستمراً… حتى يعود الصحفيون إلى غرف أخبارهم بكامل حريتهم .