خالد السلطاني.. ذاكرة العمارة

محمد علي محيي الدين

خالد السلطاني، المعماري والأكاديمي والباحث العراقي، واحد من الأسماء التي جعلت العمارة أكثر من مجرد فن لتشييد الأبنية؛ فقد تعامل معها بوصفها ذاكرةً للحضارات، وسجلًا لحياة الإنسان، ونصًا بصريًا تختزن جدرانه ملامح التاريخ وتحولاته. ومن خلال دراساته وكتاباته ومشروعاته، سعى إلى قراءة المنجز المعماري العراقي والإسلامي قراءةً تتجاوز الشكل الخارجي، لتبحث في المعاني الثقافية والاجتماعية والفنية التي تمنحه قيمته ومكانته في مسيرة الحضارة.

ولد السلطاني في مدينة الصويرة بمحافظة واسط، في التاسع من أيار عام 1941، وبدأ رحلته العلمية في ميدان العمارة حتى تخرج في معهد موسكو المعماري عام 1966، موفدًا من الحكومة العراقية. ولم يتوقف طموحه عند حدود الشهادة الجامعية، بل واصل دراساته العليا في المعهد نفسه، ونال الدكتوراه في العمارة عام 1973. وقد أتاح له هذا المسار أن يجمع بين التأهيل الأكاديمي المتخصص والرؤية البحثية التي سترافقه لاحقًا في التدريس والتصميم والتأليف، وتجعله معنيًا ليس بالعمارة بوصفها ممارسة مهنية فحسب، بل باعتبارها حقلًا معرفيًا تتقاطع فيه الفنون والتاريخ والفكر.

عاد إلى العراق ليعمل في قسم العمارة بكلية الهندسة في جامعة بغداد، ابتداءً من عام 1974، واستمر في عمله الأكاديمي حتى عام 1996، حين غادر البلاد احتجاجًا على النظام البعثي الصدامي. ولم تكن مغادرته نهاية لمسيرته العلمية، بل انتقالًا إلى فضاءات أخرى واصل فيها التدريس والبحث وتبادل الخبرات. فقد عمل في الجامعات الأردنية بين عامي 1996 و2000، وتولى إدارة المعهد العالي للعمارة والفنون الإسلامية في جامعة آل البيت، كما عمل أستاذًا في إحدى الجامعات السودانية. وفي عام 2002 أقام في الدنمارك، حيث واصل نشاطه البحثي في مدرسة العمارة بالأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون في كوبنهاغن، واستمر في عمله هناك حتى عام 2012، بحسب النبذة المنشورة عن مسيرته في منشور «المحطة» بتاريخ 16 أيار 2020.

وتكشف هذه الرحلة بين بغداد وعمّان والسودان وكوبنهاغن عن مسار أكاديمي لم تحدّه الجغرافيا، ولم تمنعه التحولات السياسية من مواصلة البحث والإنتاج. فقد ظل السلطاني مرتبطًا بالعمارة العراقية، يتابع تاريخها وتحولاتها، ويكتب عن روادها ومنجزاتها، محاولًا أن يحفظ للذاكرة المعمارية مكانها في الوعي الثقافي. وإلى جانب التدريس، أشرف على رسائل جامعية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في العراق والأردن، ونشر بحوثًا عديدة في مجال اختصاصه، كما أنجز تصاميم معمارية مختلفة الوظائف في العراق والأردن، حازت بعض أعماله على مراتب متقدمة في المسابقات المعمارية.

غير أن جانبًا مهمًا من خصوصية تجربته يتجلى في طريقته في النظر إلى العمارة نفسها. فهو لا يكتفي بتتبع الأبنية بوصفها نماذج هندسية، بل يحاول استنطاق ما وراءها من أفكار وأنماط عيش وعلاقات اجتماعية. فالمبنى، في هذا المنظور، ليس كتلةً صامتة من الحجر والمواد، وإنما أثر إنساني يتصل بالمدينة والسلطة والمعتقد والذائقة الفنية، ويكشف عن طبيعة المجتمع الذي أنتجه. ومن هنا تبدو كتاباته محاولةً لإعادة وصل العمارة بسياقها الحضاري، بعدما قد تختزلها القراءات السطحية في التصميم والإنشاء وحدهما.

وقد تجسدت هذه الرؤية في عدد من مؤلفاته التي تنوعت موضوعاتها بين التأمل النظري والتاريخ المعماري ودراسة الحداثة. ففي كتابه «حوار في العمارة»، الصادر في بغداد عام 1982 ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة، فتح بابًا للتفكير في العمارة بوصفها موضوعًا للحوار والمعرفة. ثم جاء كتاب «رؤى معمارية»، الصادر عن المؤسسة العربية للأبحاث والنشر في بيروت وعمّان عام 2000، ليعكس اتساع اهتمامه بالقراءات المعمارية وأسئلتها. وفي عام 2006 نشر كتاب «العمارة في العهد الأموي: الإنجاز والتأويل»، وأتبعه عام 2007 بكتاب «تناص معماري: تنويع على تطبيقات المفهوم»، وكلاهما صدر عن دار المدى في دمشق. أما كتابه «مئة عام من عمارة الحداثة»، الصادر عن الدار نفسها عام 2009، فيندرج ضمن اهتمامه بتتبع تطور العمارة الحديثة وتحولاتها الفكرية والفنية.

ولم يقف اهتمامه عند دراسة المباني والمدارس المعمارية، بل امتد إلى توثيق تجارب المعماريين الذين أسهموا في تشكيل المشهد العراقي الحديث. وفي هذا السياق، أشار منشور «المحطة» إلى كتابه «محمد مكية: 100 عام من العمارة والحياة»، الصادر عام 2014، وإلى دوره في تنظيم احتفالية مئوية المعماري العراقي محمد مكية في بغداد. وقد جاء هذا الاهتمام امتدادًا لانشغاله بتوثيق الإرث المعماري المحلي، ولا سيما في بغداد، حيث تتجاور طبقات تاريخية متعددة، وتتقاطع العمارة مع تحولات المجتمع والمدينة والهوية.

وفي عام 2012، قدّم المعماري خالد السلطاني رؤيته في حوار أجراه محمود النمر ونُشر في 29 نيسان من العام نفسه، تحت عنوان «المعمار د. خالد السلطاني: وجدت في العمارة الإسلامية تأسيسًا لأجناس إبداعية كبرى». وقد أضاء الحوار جانبًا مهمًا من مشروعه البحثي، إذ أوضح أنه منشغل بدراسة الجانب المدني من العمارة الإسلامية، وهو جانب يرى أنه لم يحظ بما يستحقه من اهتمام مقارنةً بالعمارة الدينية، كالمساجد والتكايا والحسينيات.

ففي نظر السلطاني، لا يصح اختزال العمارة الإسلامية في المباني المرتبطة بالشعائر الدينية وحدها؛ إذ كانت المدن الإسلامية فضاءات للحياة اليومية، وللسكن والتفاعل الاجتماعي والتطلعات المدنية، كما كانت القصور جزءًا من هذا العالم الذي يستحق أن يُدرس بوصفه سجلًا لحياة الناس وثقافتهم. ومن هذا المنطلق اتجه إلى دراسة القصور الأموية، التي انتشرت في مناطق من بلاد الشام والأردن وفلسطين ولبنان، ورأى فيها شواهد مهمة على تطور العمارة الإسلامية وعلى تنوع الوظائف الفنية والاجتماعية التي أدتها.

ويشدد السلطاني في ذلك الحوار على أن دراسة العمارة الأموية ينبغي أن تنطلق من فهم تاريخي وفني، بعيدًا عن الأحكام المسبقة المتعلقة بالحكم الأموي أو تقييمه السياسي. فالمسألة، كما يطرحها، تتصل بمرحلة تأسيسية في تاريخ العمارة الإسلامية، شهدت ظهور منجزات كبرى، من بينها الجامع الأموي وقبة الصخرة والمسجد الأقصى، وهي آثار تركت بصمتها في تطور العمارة الدينية الإسلامية. لكنه يلفت الانتباه إلى أن القصور الأموية تمثل بدورها جانبًا مدنيًا بالغ الأهمية، لأنها تكشف عن أنماط الحياة والاهتمامات الفنية في ذلك العصر، وتقدم مادة غنية لإعادة قراءة التاريخ من خلال الآثار التي خلفها.

ومن أبرز ما يشغل السلطاني في هذا المجال حضور الرسم والتصوير والنحت في بعض الآثار الأموية، وما تكشفه هذه الأعمال من تنوع في التعبير الفني. ويستشهد في الحوار بما وجده من مشاهد تصويرية في قصر الحير الغربي، وبالرسوم الموجودة في قصر عمرة في الأردن، حيث تظهر شخصيات بشرية ومشاهد من الحياة والصيد والموسيقى. وقد أثارت هذه الشواهد، بحسب حديثه، أسئلة لدى المؤرخين بشأن تاريخ الفنون التصويرية والممارسات الفنية في الحضارة الإسلامية، ولا سيما عند مقارنتها بالأحكام التي شاعت لاحقًا حول تحريم الرسم والنحت.

ولا يتعامل السلطاني مع هذه المسألة بوصفها سجالًا دينيًا مجردًا، بل يطرحها من زاوية تاريخية ومعمارية وفنية، داعيًا إلى التمييز بين النصوص من جهة، والتفسيرات والتأويلات التي تراكمت حولها من جهة أخرى. ففي رأيه، ينبغي أن تستند دراسة الآثار إلى ما تكشفه الشواهد المادية نفسها، وأن تُقرأ الأعمال الفنية في سياقها التاريخي، بدل إخضاعها مسبقًا لأحكام قد لا تفسر تعقيد التجربة الحضارية. وهنا تبرز قيمة منهجه؛ فهو لا يكتفي بتسجيل وجود تلك الأعمال، بل يحاول أن يفتح بابًا لإعادة النظر في تاريخ الفن الإسلامي، وفي المساحات الإبداعية التي شهدتها مراحله المختلفة.

إن هذا الاهتمام بالجانب المدني والفني من العمارة الإسلامية يكشف عن رغبة في استعادة صورة أكثر اتساعًا للحضارة، صورة لا تحصرها في جانب واحد، ولا تتعامل مع تاريخها باعتباره مسارًا خاليًا من التنوع والتعدد. فالقصور والرسوم والزخارف ليست مجرد بقايا أثرية، وإنما شواهد على مجتمعات عرفت أنماطًا من الحياة والتعبير الفني، وعلى معماريين وفنانين تركوا آثارًا تستحق الدراسة والتحليل. ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة هذه المنجزات وفق أدوات النقد المعاصر، كما يدعو السلطاني، لأن التراث لا يظل حيًا بمجرد تمجيده، بل بفهمه وطرح الأسئلة عليه واكتشاف طبقاته غير المقروءة.

وقد انعكست هذه الرؤية على كتاباته التي تجمع بين البحث التاريخي والتأمل النقدي. فالعمارة عنده ليست ماضيًا مغلقًا، وإنما معرفة يمكن أن تساعد على فهم الحاضر، كما أن دراسة الحداثة لا تعني القطيعة مع التراث، بل تستدعي إدراك المسارات التي تشكلت من خلالها الهوية المعمارية المحلية. ومن خلال مقالاته وأبحاثه وكتبه، أسهم في توثيق جوانب من الذاكرة المعمارية العراقية، وفي إبقاء النقاش حولها حاضرًا في الصحافة والمجلات والمنابر الثقافية.

وتذكر النبذات المنشورة عن السلطاني أن عددًا من تصاميمه نال مراتب متقدمة في مسابقات معمارية، وأن اختياره للمشاركة في جلسة «العمارة في العراق بين الماضي والحاضر» جاء تقديرًا لأعماله وإنجازاته البحثية والثقافية. كما أشار منشور «المحطة» إلى اهتمامه بتوثيق إرث المعماريين العراقيين، وإلى ما قدمه من مقالات تساعد على تذكير القراء بتاريخ العمارة المحلية وتحولاتها. وهي جوانب تؤكد أن دوره لم يقتصر على قاعات التدريس أو الممارسة المهنية، بل امتد إلى المجال الثقافي العام، حيث تصبح الكتابة وسيلةً لحماية الذاكرة من النسيان.

لقد جعل خالد السلطاني من العمارة مدخلًا لفهم الإنسان وتاريخه، ومن البحث وسيلةً لإعادة اكتشاف ما قد تغفله القراءات السائدة. وبين التصميم والتدريس والتأليف، ظل مشغولًا بالسؤال عن معنى الأثر المعماري، وعن العلاقة التي تصل الفن بالمجتمع، والتراث بالحاضر، والشكل بالذاكرة. ولعل القيمة الأبرز في تجربته تكمن في إصراره على أن العمارة ليست مجرد أبنية تُرى، بل حضارة تُقرأ؛ وأن المدن لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، وإنما في شوارعها وبيوتها وقصورها ومعالمها، وفي كل أثر يختزن شيئًا من حياة الذين صنعوه وعاشوا فيه. ومن هذا المنطلق، تبدو مسيرته دعوةً إلى النظر بعين الباحث لا بعين العابر، وإلى التعامل مع الإرث المعماري بوصفه جزءًا أصيلًا من الوعي الثقافي والهوية العراقية.

قد يعجبك ايضا
∧