سمير ميراني
في كل جماعة لحظة تسبق الأصوات، يهدأ الكلام ويقف كل فرد أمام اختياره ويصغي إلى نفسه.
تضع بصمتك على ورقة الاقتراع، وتمنح السلطة صوتك وثقتك، قد تقودك إلى ذلك قناعة عقل، أو نبضة قلب أو اجتماعهما، وتبقى النتيجة واحدة : إرادة اختارت وأثر ظلّ على الورق شاهداً عليها.
من هذه البصمة يولد التفويض عقداً اجتماعياً : تخوّل جهة لتتولى شؤونكم، وتصون حقوقكم وتجسّد إرادتكم، والانتخاب يمنح هذا العقد وجهه العلني.
غير أن السلطة تحمل شأناً عاماً تتزاحم فيه الرغبات وتتصادم المصالح، فالقرار الذي ينفع جماعة قد يثقل كاهل أخرى، والباب الذي ينفتح أمام فرد قد ينغلق أمام آخر، السياسة موازنة دائمة بين مصالح متعارضة، ورضا الجميع عن كل قرار حلم بعيد.
ويبدأ الاعتراض الأناني عندما تصبح مصلحة المرء مقياساً للقرار ، يرى خسارته بوضوح، يتذمر من وكيل اختاره بيده ، كأن صوته كان عهداً بتحقيق رغبته وحدها، وينسى أن بصمات كثيرة تجاور بصمته على الورقة، ووراء كل بصمة رجاء مختلف من السلطة.
وبين النهج الذي آمنت به والقرار الذي لم يوافق مصلحتك ، قد تظهر مسافة تكشف عنك أكثر مما تكشف عن الجهة التي اخترتها.
ويكتمل هذا الاعتراض بوهم آخر : وكيل بحكمة لا تخطئ وفضيلة لا تتعثر ، ومعرفة تتجاوز حدود البشر ، مدينة فاضلة يبنيها الخيال، أما الواقع فسلطة يمارسها بشر، تحدّهم المعرفة وتحركهم الظروف، وتتجاذبهم المصالح.
ولأن الأهواء تسكن الحاكم والمحكوم معاً ، يحتاج الحكم إلى ميزان فوق الجميع، وقد وضعه أرسطو في عبارة ” القانون هو العقل مجرداً من الهوى “. وفي هذه العبارة أسمى تفويض ، تفويض للعدالة والمساواة قبل أن يكون تفويضاً لشخص.
يبقى الوكيل إنساناً مثل من اختاره ، يحمل عجز الناس وأنانيتهم وقصور علمهم، وأنت تلوم وكيلك، تنظر في مرآة وضعتها بيدك.
وتبقى بصمتك على الورقة أثراً صغيراً يحمل أسئلة كبيرة، تلوم وكيلك وتغفل عن الخطر الأقرب إليك : جهلك بنفسك، وعجزك عن رؤية مصالح الآخرين .