كرميان صلاح الدين
إنها بداية عميقة وتأمل سياسي دقيق للغاية عندما ينظر المرء إلى التحركات السياسية والأمنية والدبلوماسية في المنطقة، حيث يرى كيف تغيرت السرديات و”الذرائع” التي تعتمدها الجهات الحاكمة في إيران تجاه إقليم كوردستان؛ إذ تحولت من مرحلة إلى أخرى وشهدت تصاعداً أو تراجعاً حاداً وفقاً لتغير المعادلات الدولية. ولتقييم هذا المنظور من زاويية التحليل الاستراتيجي والعسكري، يمكن تصنيف أبعاد هذا الوضع على النحو التالي:
المرحلة السابقة: «ذريعة الوجود الأمريكي والقواعد»
خلال السنوات الماضية، ولا سيما عقب التوترات بين طهران وواشنطن، ومن ثم تصاعد المواجهات بين إيران وحلفائها من جهة، والقوات الأمريكية في المنطقة من جهة أخرى، كانت طهران والأوساط المقربة من سلطة جمهوریة إيران الإسلامية تصف إقليم كوردستان بأنه «منفذ أمني أو إستخباري لأمريكا وإسرائيل». وكلما حدث توتر في المنطقة، كانت تهمة وجود قواعد عسكرية سرية، أو مراكز إستخباراتية (الموساد)، أو اجتماعات للمسؤولين الأمريكيين في الإقليم، تُتخذ كذريعة للقصف الصاروخي وبالطائرات المسيرة (الدرون) على مدن الإقليم ومناطقها الحدودية.
إن الهدف من هذه الذريعة، فضلاً عن الضغط السياسي، لم يكن سوى شرعنة انتهاك سيادة العراق وأجواء وأراضي إقليم كوردستان. وبعد تغير المعادلات وتلاشي الذريعة الأمريكية، وعندما يشهد الوضع العسكري والسياسي لأمريكا في المنطقة وطريقة تعاملها تغيراً، أو عندما يتخذ موقع القوات الأمريكية ومشهد الصراع مع إيران شكلاً آخر (يتجه نحو الحوار الموجه، أو الاتفاقيات المحدودة، أو إعادة انتشار القوات من بعض المواقع الخطرة)، فإن الذريعة الكلاسيكية للوجود العسكري الأمريكي كسبب يومي للاستهداف والضغط تبدأ بالضمور والبهتان، لا سيما وأن أمريكا لم تعد موجودة في تلك الجغرافيا بنفس الزخم.
المرحلة الجديدة: «ملف أوكرانيا» — انتقال الصراع الدولي إلى داخل الأراضي الكردستانية. عندما نقول «الآن هي أوكرانيا»، فهذا إشارة ذكية جداً لنقل جبهة الصراع الجيوسياسي الدولي إلى الساحة الداخلية والإقليمية في الشرق الأوسط. فما الغرض من هذه الذريعة؟
في الواقع، ومع تورط الجبهة الروسية-الإيرانية في حرب أوكرانيا، أصبحت إيران أحد الشركاء الاستراتيجيين والعسكريين الأساسيين لروسيا (خاصة في تزويدها بالطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية). وفي المقابل، تعمقت العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران.
لذلك، فإن الخيار الإيراني يتجه نحو نقل التنافس الاستخباري والأمني؛ إذ إن إقليم كوردستان، بصفته منطقة مفتوحة ومهمة في الوقت ذاته من الناحية التجارية والسياسية، كان دوماً ساحة للتلاقي والتنافس الدبلوماسي بين الدول الغربية (أمريكا وأوروبا) من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. وعندما بلغت العلاقات بين الغرب وروسيا ذروة العداء بشأن الملف الأوكراني، ينعكس هذا الصراع بشكل مباشر على منطقة الشرق الأوسط ودولها.
العملاق الحديدي الروسي والطاقة:
لقد كان ولا يزال لقطاع النفط والغاز والاستثمارات الروسية (مثل شركتي روزنفت وغازبروم) دورٌ ملموس في إقليم كوردستان، وهو ما يُنظر إليه من المنظور الإيراني كفرصة للعمل المشترك وتنافس جيوسياسي حاد في آن واحد.
وفي الوقت الذي تظهر فيه الذرائع الاستخباراتية الجديدة اليوم، فإن أي تحرك دبلوماسي، أو تنظيمي، أو علاقات دولية لإقليم كوردستان، إذا لم يتوافق مع المصالح الإيرانية أو حلفائها الدوليين (مثل روسيا في إطار الملف الأوكراني)، فإنه قد يُستهدف أو يُسجل كبؤرة لعدم الاستقرار.
الخلاصة
باختصار، يخوض العالم في أوكرانيا حرباً بالوكالة أو مواجهة مباشرة، وتتحول المناطق الحساسة مثل إقليم كوردستان إلى ساحة لتصفية الحسابات النفسية والسياسية لهذه الأطراف. ومع ذلك، لن يتحول الإقليم أبداً -كما ترغب إيران- إلى ورقة مساومة دولية، رغم أن بعض الدول الأخرى تشاطرها نفس الهدف والغرض.
ومن هنا، عندما فقدت الذريعة القديمة (الوجود الأمريكي) قدرتها على إضفاء الشرعية على أفعال طهران، أو أصبحت بحاجة إلى تحديث، فإن خلط الأوراق بملفات القوى العظمى وظلال الصراعات الدولية (التي تشكل أوكرانيا ذروتها) يصبح ورقة جديدة بيد الأطراف التي تسعى دوماً لإبقاء إقليم كوردستان تحت وطأة الضغط والتهديد المستمرين.