نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست الجريمة التي تستهدف دور العبادة اعتداءً على أناسٍ آمنين فحسب، بل هي محاولة لضرب المعنى الإنساني الذي يجعل من الإيمان طريقًا إلى المحبة، ومن الاختلاف بابًا للتعارف، ومن الوطن مساحةً مشتركة تتسع للجميع.
في كنيسة مار جاورجيوس بحمّود، اجتمع الناس لتشييع ميتٍ ومواراته الثرى، فإذا بالرصاص يحول لحظة الوداع إلى مأساة جديدة، ويضيف إلى الحزن أحزانا أخرى. كان الحاضرون يودعون حياةً انقضت، فإذا بالموت يقتحم المكان، في مشهد يكشف عن وحشية الفكر الذي لا يرى في الإنسان إلا هدفًا، ولا في الاختلاف إلا ذريعةً للقتل.
لكنّ الكرك، بتاريخها وذاكرتها وتنوع أهلها، أكبر من أن تختصرها جريمة، وأعمق من أن تنال منها رصاصات الكراهية. هذه المدينة الأردنية ليست مجرد مكان على الخريطة؛ إنها صورة من صور التعايش الذي تشكل عبر السنين، حيث تعلم الناس أن الجيرة عهد، وأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن اختلاف المعتقد لا يلغي وحدة المصير.
إن استهداف كنيسة أو مسجد ليس انتصارا لعقيدة، بل اعتداء على جوهر الإيمان نفسه. فالأديان التي جاءت لتصون الحياة لا يمكن أن تكون غطاءً لإزهاقها، والعبادة التي تسمو بالإنسان لا تستقيم مع خطاب التحريض والإقصاء. وحين يتحول التطرف إلى رصاص، فإنه لا يقتل أجسادا فحسب، بل يحاول اغتيال الثقة بين أبناء المجتمع، وإشعال نار الفتنة في البيوت والشوارع والقلوب.
من هنا، فإن مواجهة الإرهاب لا تكون بالكلمات المنددة وحدها، على أهميتها، بل ببناء دولة القانون، وترسيخ ثقافة المواطنة، وتجفيف منابع التحريض، ومحاسبة كل من يحرض على العنف أو يمارسه، بعيدا عن الانتقام الجماعي أو تحميل جماعة دينية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد. فالعدالة الحقيقية تحمي المجتمع من الجريمة، وتحميه كذلك من أن يصبح ضحيةً للخوف والتعميم والكراهية.
لقد ظلت المملكة، على امتداد تاريخها، فضاءً لتجاور المآذن وأجراس الكنائس، ولتبادل التهاني في الأعياد، وللوقوف معا في الأفراح والأتراح. ولم يكن هذا التعايش منةً من أحد، بل حقيقة صنعتها حياة الناس اليومية، حين تقاسموا الخبز والماء، وتجاوروا في الأحياء والأسواق، وأدركوا أن ما يجمعهم من آمال وآلام أكبر مما يفرّقهم من اختلافات.
إن حماية هذا الإرث ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية المثقفين ورجال الدين والمؤسسات التعليمية والإعلامية وكل صوتٍ يؤمن بأن الإنسان قيمة عليا. فالصمت أمام خطاب الكراهية يترك له مساحةً للتمدد، والتساهل مع التحريض يمهّد الطريق أمام العنف، أما الكلمة المسؤولة والموقف الشجاع فيسهمان في حماية المجتمع من الانزلاق إلى هاوية الفتنة.
ليس المطلوب أن يتخلى الناس عن معتقداتهم أو أن يتشابهوا في أفكارهم، بل أن يتعلموا كيف يختلفون من دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وكيف يتمسكون بإيمانهم من دون أن ينتقصوا من إيمان الآخرين، وكيف يجعلون من المواطنة رابطةً جامعة لا تميّز بين إنسان وآخر بسبب دينه أو طائفته.
الكرك اليوم ليست وحدها في حزنها؛ إن الحزن الذي أصابها يمس كل قلب يؤمن بأن الحياة أقدس من أن تكون ساحةً لتصفية الحسابات باسم الدين. والوقوف إلى جانب أهل الضحايا ليس تعاطفا عابرا، بل إعلان واضح بأن الإرهاب لن ينجح في فرض منطقه على المجتمع، وأن دماء الأبرياء لا ينبغي أن تتحول إلى وقودٍ لصراعات جديدة.
ستبقى المئذنة إلى جوار جرس الكنيسة، لا بوصفهما علامتين على اختلافٍ يستدعي الخوف، بل شاهدين على وطن يتسع لأبنائه جميعا. وستبقى البيوت التي جمعتها الجيرة أقوى من محاولات التفريق، ما دام العقل حاضرا، والضمير يقظا، والقانون حاميا للحقوق، والإنسان في قلب كل موقف.
إن السلام ليس شعارا يُرفع بعد المآسي، بل مسؤولية تمارس قبلها وبعدها؛ في التربية، وفي الخطاب الديني، وفي السياسة، وفي تفاصيل الحياة اليومية. وهو ليس ضعفا أمام العنف، بل قوة المجتمع حين يرفض أن يشبه قاتليه، ويتمسك بالعدالة من دون أن يتنازل عن إنسانيته.
بردا وسلاما على الكرك، وعلى الأردن، وعلى كل أرضٍ أوجعها الإرهاب. ولتبقَ هذه المملكة، بما يحمله تاريخها من قيم التآخي والتعايش، وطنا يحتمي فيه الإنسان بإنسانيته، وتظل أبواب دور العبادة مفتوحةً للصلاة، لا لتكون ممرا إلى الموت. فالأوطان لا يحميها الخوف، ولا يصونها الانتقام، بل تحميها العدالة، ويصونها التعايش، وتمنحها الحياة معناها حين يكون الإنسان أخا للإنسان، مهما اختلفت الأسماء والمعتقدات.