أنا كوردستاني… هويتي تقرؤها الكتب ، وفكري يصونه الوعي.

تزرين يعقوب سولا

من بين المشاهد التي جلبت
انتباهي في معرض أربيل الدولي للكتاب،ليست كمية الكتب الهائلة المعروضة ، ولا إلى جمال ترتيبها وتنسيقها.
بل تلك الدوائر الملونة المعلّقة في فضاء المعرض، التي حملت كلمات تعبّر عن مختلف الانتماءات القومية والثقافية، ومنها: «كورديم»، «كلدانيم»، «سريانيم»، و«عەربیم».

قد تبدو للوهلة الأولى مجرد دوائر جميلة تتدلى من السقف، تحمل كلمات قصيرة، لكنها كلمات اشعرتني بفخر الانتماء إلى هذا البلد ،كلمات تعبر عن مشاعر عميقة، وعن هوية تسكن الوجدان.
توقفت عندها طويلًا، لا بسبب ألوانها وتناسقها فحسب، بل لما تحمله من دلالات إنسانية ووطنية.
أحيانًا، لا تحتاج المعاني الكبيرة إلى خطابات طويلة، تكفي دائرة صغيرة، وكلمة صادقة، كي تذكّرنا بأن الوطن يصبح أجمل حين يشعر كل إنسان فيه بأنه مرئي، ومحترم، وجزء أصيل من حكايته.
لقد رأيت في تلك الدوائر صورة مصغّرة عن كوردستان التي نحبها، أرضًا تتجاور فيها الهويات والثقافات، ويحمل أبناؤها انتماءاتهم باعتزاز.
من هنا، تكتسب معارض الكتب أهميتها، فهي ليست مناسبات ثقافية عابرة، بل رسائل حضارية تؤكد أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المدن، وأن الاستثمار في العقول هو أحد أهم الاستثمارات في مستقبل الأوطان
فالإنسان الذي يقرأ لا يصبح بالضرورة أكثر وعيًا بمجرد اقتناء الكتب، وإنما حين يحوّل ما يقرأه إلى أسئلة، وما يتعلمه إلى سلوك.

نحن بحاجة إلى ثقافة لا تكتفي بملئ المكتبات بالكتب ، بل تصل إلى البيوت والمدارس والجامعات، وإلى الأطفال والشباب والنساء، وإلى كل إنسان يبحث عن فرصة لفهم الحياة بصورة أعمق.

نحتاج إلى أن تصبح القراءة عادة يومية، ، وأن يتحول الكتاب من هدية في المناسبات إلى رفيق في الحياة، وأن يجد الطفل في محيطه من يشجعه على السؤال والاكتشاف، بدلًا من مطالبته بالحفظ والتلقين .

ومن أجمل ما يمكن أن يرافق هذه التظاهرة الثقافية أن تتحول أجواء المعرض إلى مبادرات مستدامة تشجع الناس على القراءة، وتقرّب الكتاب من مختلف فئات المجتمع.
وربما كانت تلك الدوائر الملوّنة المعلّقة في فضاء معرض أربيل للكتاب أكثر من مجرد زينة جميلة، فقد اختصرت في كلماتها القصيرة حكاية مجتمع تتعدد فيه الهويات، وتجمعه أرض واحدة.

لقد علّمتني تلك الدوائر أن الكلمات، مهما قصرت، قد تحمل معاني كبيرة، وأن الكتب، مهما صغرت أحجامها، قد تفتح أبوابًا واسعة في عقولنا. وبين دائرة تعلن اعتزاز الإنسان بهويته، وكتاب يوسّع أفقه ويهذّب فكره، تتشكل ملامح المجتمع الذي نطمح إليه.

قد يعجبك ايضا
∧