ملحمة سحيلا… بطولات البيشمركة دفاعًا عن كوردستان

شيركو حبيب

26 أكتوبر 2017… صمود البيشمركة ودور الزعيم مسعود بارزاني في حماية التجربة الديمقراطية لإقليم كوردستان
ملحمة سحيلا… بطولات البيشمركة دفاعًا عن كوردستانملحمة سحيلا… بطولات البيشمركة دفاعًا عن كوردستان
ليست كل المعارك التي يخوضها شعب من أجل أرضه وحقوقه مجرد مواجهات عسكرية تُقاس نتائجها بما تحققه في الميدان؛ فهناك معارك تتحول إلى محطات تاريخية تكشف حقيقة المواقف، وتختبر إرادة الشعوب، وتحدد قدرتها على حماية مكتسباتها. وتأتي ملحمة سحيلا، في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2017، في مقدمة المحطات التي تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة كوردستان.
جاءت تلك المواجهة في مرحلة بالغة الحساسية، أعقبت أحداث السادس عشر من أكتوبر، حين تغيرت السيطرة على كركوك ومناطق متنازع عليها، وتصاعدت المخاوف من امتداد العمليات العسكرية نحو إقليم كوردستان. وفي ظل تلك الظروف، وجدت قوات البيشمركة نفسها أمام اختبار صعب؛ إذ لم يكن الأمر متعلقًا بالدفاع عن موقع جغرافي فحسب، بل بحماية أمن الإقليم وكيانه الدستوري وتجربته السياسية التي تشكلت عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات.
سحيلا… حين وقفت البيشمركة دفاعًا عن الأرض
في السادس والعشرين من أكتوبر 2017، واجهت قوات البيشمركة محاولة للتقدم نحو إقليم كوردستان في منطقة سحيلا، وسط أجواء سياسية وأمنية شديدة التوتر. وشكلت معارك سحيلا والمحمودية امتدادًا للمواجهات التي شهدتها المنطقة في أعقاب أحداث 16 أكتوبر، حين تصدت البيشمركة لمحاولات التقدم، وأثبت مقاتلوها قدرتهم على الدفاع عن مواقعهم في ظروف بالغة الصعوبة.
لم تكن المهمة سهلة فالمقاتلون كانوا يدركون أن المرحلة تتطلب صمودًا وانضباطًا واستعدادًا للتضحية. ولم يكن الدفاع عن الأرض مجرد واجب عسكري، بل مسؤولية وطنية ترتبط بمستقبل شعب بأكمله، وبحقه في الأمن والاستقرار وإدارة شؤونه ضمن إطار دستوري يحفظ حقوقه ومكتسباته.
لقد جسدت البيشمركة في سحيلا معنى الالتزام بالقضية التي نشأت من أجلها. فهي ليست مجرد قوة عسكرية، بل تمثل جزءًا من تاريخ طويل لنضال الشعب الكوردي، وذاكرة أجيال واجهت الحروب والتهجير ومحاولات طمس الهوية والحقوق.
وتكمن أهمية هذه الملحمة في الظروف التي وقعت فيها، وحجم المخاوف التي أحاطت بمستقبل الإقليم، وما أظهرته من أن حماية المكتسبات السياسية والدستورية تتطلب الاستعداد للدفاع عنها، إلى جانب التمسك بالحوار والحلول السياسية.
البيشمركة… بطولة الميدان وتضحيات الرجال
عندما نستذكر ملحمة سحيلا، فإننا نستذكر المقاتلين الذين وقفوا في الميدان وتحملوا مسؤولية الدفاع عن أرضهم في لحظة دقيقة من تاريخ كوردستان. فالبطولة لا تُختصر في المواجهة المسلحة وحدها، بل تتجلى أيضًا في الثبات والانضباط وتحمل المسؤولية والاستعداد للتضحية من أجل حماية الناس وأمنهم.
ارتبط اسم البيشمركة بتاريخ الحركة التحررية الكوردية، وبمسيرة طويلة من النضال من أجل الحقوق القومية والسياسية. ومع تغير الظروف والمهام عبر العقود، ظلت مسؤولية الدفاع عن كوردستان وشعبها جزءًا أساسيًا من هويتها الوطنية.
وفي سحيلا، كما في محطات أخرى من تاريخ الإقليم، واجهت البيشمركة مسؤولية تتجاوز حدود المواقع العسكرية؛ فقد كان المطلوب حماية أمن كوردستان، ومنع اتساع المواجهات، والتصدي لمحاولات فرض واقع جديد بالقوة.
ولا تكتمل رواية هذه الملحمة من دون استذكار الشهداء الذين فقدوا حياتهم دفاعًا عن أرضهم، وتقدير تضحيات عائلاتهم، والاعتراف بالأعباء التي تحملها المقاتلون في تلك المرحلة. فالتاريخ لا تصنعه القرارات السياسية وحدها، ولا تُكتب صفحاته بأسماء القادة فقط؛ بل يصنعه أيضًا أولئك الذين يقفون في الميدان، ويقدمون التضحيات، وعائلاتهم التي تتحمل قسوة الفقد.
إن الوفاء للبيشمركة لا يكون بإحياء الذكرى وإلقاء الكلمات فحسب، بل بصون حقوق المقاتلين وعائلات الشهداء، والاهتمام باحتياجاتهم، والعمل على بناء مؤسسة عسكرية مهنية وموحدة، تؤدي واجبها في حماية الإقليم ومواطنيه ضمن إطار المؤسسات الدستورية والقانونية.
الزعيم مسعود بارزاني… القيادة في زمن الأزمة
لا يمكن استذكار ملحمة سحيلا من دون التوقف عند دور الزعيم مسعود بارزاني في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ إقليم كوردستان، حين تداخلت التحديات السياسية والأمنية، وأصبح مستقبل التجربة الدستورية للإقليم موضع قلق واسع.
لقد واجهت القيادة الكوردستانية آنذاك مرحلة معقدة، فرضت عليها التعامل مع تداعيات أحداث السادس عشر من أكتوبر، وما رافقها من تغيرات ميدانية وسياسية ومخاوف من امتداد المواجهات. وفي مثل هذه الظروف، لا تقتصر مسؤولية القيادة على متابعة التطورات، بل تشمل حماية كيان الإقليم، وصون حقوق شعبه، والحفاظ على تماسك الموقف الكوردستاني، ودعم القوات التي تتحمل مسؤولية الدفاع عنه.
ومن هذا المنطلق، يبرز دور الزعيم مسعود بارزاني في الدفاع عن إقليم كوردستان ومكتسباته السياسية والدستورية، والتأكيد على أن ما تحقق للشعب الكوردي عبر عقود من النضال لا ينبغي أن يصبح عرضة للتهديد أو أن يُحسم مصيره باستخدام القوة.
إن القيادة في الأوقات الصعبة تُختبر بقدرتها على تحديد الأولويات، وقراءة المخاطر، والحفاظ على وحدة الموقف، وتحمل مسؤولية القرارات. وفي المقابل، يتحمل المقاتلون مسؤولية الدفاع والصمود في الميدان، فيما يبقى الشعب صاحب القضية والغاية التي من أجلها تُبذل التضحيات.
ومن الإنصاف، عند الحديث عن سحيلا، أن نضع دور القيادة في سياقه التاريخي، من دون اختزال الملحمة في شخص واحد أو التقليل من بطولة البيشمركة. فالتاريخ الوطني تصنعه أدوار متكاملة، ويصبح أكثر وضوحًا حين نميز بين مسؤولية القرار السياسي وتضحيات المقاتلين الذين يواجهون المخاطر مباشرة.
الدفاع عن التجربة الديمقراطية… دفاع عن الحقوق الدستورية
لم تتشكل تجربة إقليم كوردستان في مؤسساته وحياته السياسية من فراغ، بل جاءت ثمرة مسار طويل من التضحيات والتحديات. ولذلك، فإن أحداث أكتوبر 2017 لم تكن مجرد خلاف على مواقع جغرافية، بل كشفت عمق الأزمة بين بغداد وأربيل، وطرحت أسئلة جوهرية بشأن مستقبل العلاقة بين الطرفين، واحترام الدستور، وحدود استخدام القوة في معالجة الخلافات السياسية.
وفي الذاكرة الكوردية، ارتبطت معركة سحيلا بالدفاع عن كيان الإقليم الدستوري، وبالتصدي لمحاولات التقدم نحو أراضيه في مرحلة كانت تنذر بمزيد من التصعيد. ولهذا، تجاوزت دلالات المواجهة حدودها الجغرافية، لتصبح جزءًا من النقاش الأوسع حول حماية التجربة السياسية لإقليم كوردستان وحقوق شعبه.
لكن التجربة الديمقراطية لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها، مهما بلغت أهمية الدفاع عن الأرض. فهي تحتاج إلى مؤسسات راسخة، ووحدة في الموقف، واحترام للقانون، وحوار سياسي مسؤول، وحماية للتعددية، وعلاقة متينة بين المواطن ومؤسسات الحكم. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لهذه المؤسسات أن تؤدي دورها على النحو المطلوب إذا ظلت المكتسبات الدستورية عرضة للتهديد أو حاول أي طرف فرض إرادته بالقوة.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل سحيلا: الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن ضرورة صونها سياسيًا وقانونيًا، كما أن تجنب المواجهات المستقبلية يتطلب معالجة الخلافات بين بغداد وأربيل على أساس الدستور والاتفاقات المتبادلة، لا من خلال التهديد أو التصعيد العسكري.
فالعراق الذي ينشد الاستقرار لا يمكنه بناء شراكة حقيقية بين مكوناته ما لم تُحترم حقوق الجميع، ويُنظر إلى إقليم كوردستان بوصفه كيانًا دستوريًا له صلاحياته واستحقاقاته، لا طرفًا ينبغي أن يلجأ في كل أزمة إلى الدفاع عن مكتسباته من جديد.
سحيلا في الذاكرة… ومسؤولية الأجيال القادمة
بعد مرور السنوات، تبقى ملحمة سحيلا مناسبة لاستذكار بطولة البيشمركة وتضحياتهم، وتقدير كل من تحمل المسؤولية في تلك المرحلة الصعبة. لكنها أيضًا فرصة للتأمل في الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تتصاعد الخلافات السياسية وتتحول إلى مواجهات عسكرية تهدد أمنها ومستقبلها.
إن الوفاء لهذه الذكرى يقتضي ألا تتحول إلى مناسبة عابرة تُلقى فيها الكلمات ثم تُنسى الدروس. المطلوب أن تكون حافزًا لتعزيز وحدة الصف الكوردي، وترسيخ المؤسسات، وحماية الحقوق الدستورية، والعمل من أجل مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لأبناء الإقليم.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف ما جرى في تلك الأيام، وأن تفهم الظروف التي دفعت البيشمركة إلى الدفاع عن مواقعهم، وأن تدرك أهمية تلك المواجهة في الذاكرة السياسية الكوردية. فالشعوب التي تعرف تاريخها تستطيع أن تستخلص منه الدروس، وأن تحافظ على مكتسباتها، وأن تواجه التحديات بوعي ومسؤولية.
إن كوردستان لا تحتاج إلى الحروب كي تثبت وجودها، ولا ينبغي أن يكون مستقبلها رهين المواجهات العسكرية. ما تحتاج إليه هو سلام قائم على الحقوق، وشراكة تحترم الدستور، ومؤسسات قوية قادرة على حماية التجربة السياسية وصون مكتسباتها، وإرادة جادة تحول دون تكرار الأزمات التي تهدد أمن المواطنين واستقرارهم.
سحيلا… عهد وفاء للبيشمركة وكوردستان
ستبقى ملحمة سحيلا، في السادس والعشرين من أكتوبر 2017، محطة حاضرة في ذاكرة الشعب الكوردي، بما ارتبط بها من صمود لقوات البيشمركة ودفاع عن إقليم كوردستان في مرحلة بالغة الحساسية. وستظل هذه الذكرى مناسبة لتكريم المقاتلين الذين وقفوا في الميدان، واستذكار الشهداء الذين قدموا حياتهم دفاعًا عن أرضهم وحقوق شعبهم.
وفي هذه المناسبة، نستحضر أيضًا دور الزعيم مسعود بارزاني ومسؤولية القيادة في الدفاع عن كيان الإقليم الدستوري ومكتسباته السياسية، مؤكدين أن حماية التجربة الكوردستانية مسؤولية مشتركة تتطلب وحدة الصف، وقوة المؤسسات، والتمسك بالحقوق، والقدرة على مواجهة التحديات بحكمة وثبات.
لم تكن سحيلا مجرد اسم على خارطة المعارك؛ فقد أصبحت محطة في الذاكرة الكوردية تختصر معنى التمسك بالأرض والحقوق، وتذكّر بأن المكتسبات الوطنية تحتاج إلى من يدافع عنها، ومؤسسات تصونها، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، وشعب يؤمن بمستقبله.
المجد لتضحيات البيشمركة، والوفاء لشهداء كوردستان، والتحية لكل من أسهم في حماية أمن الإقليم وحقوق شعبه. ولتكن ذكرى سحيلا عهدًا متجددًا بأن تبقى كوردستان أرضًا للسلام والحرية والكرامة، وأن تُصان تجربتها الديمقراطية بوحدة الصف، وقوة المؤسسات، والالتزام بالدستور.

قد يعجبك ايضا
∧