تشرين النهر الثالث الذي يأبى الجفاف

مصطفى طارق الدليمي

في ساحة التحرير وسط بغداد تستعيد تشرين صوتها من جديد وتعود الوجوه والشعارات لتذكّر العراقيين بانتفاضة ما كانت مجرد احتجاج مؤقت في خريف عام 2019 انما لحظة انفجر فيها غضب جيل كامل من واقع سياسي طال انتظاره للتغيير هناك تحت نصب الحرية تتجدد الأسئلة التي خرج من أجلها المتظاهرون عن الدولة التي يريدها العراقيون وعن معنى السيادة حين يصبح القرار الوطني موضع تجاذب وعن مصير بلد يمتلك من الثروات ما يكفي لبناء حياة كريمة لأبنائه فيما ما زالت أزمات الفساد والخدمات والبطالة تثقل يومياتهم لم تصبح تشرين مطالبة بتغيير الوجوه وحدها وإنما كانت احتجاجاً على طريقة إدارة البلاد وعلى نظام سياسي وجد كثير من الشباب أنفسهم خارجه لا تنقصهم الرغبة في العمل ولا القدرة على صناعة المستقبل وإنما تضيق أمامهم الفرص كلما اصطدمت أحلامهم بحواجز المحاصصة والولاءات الحزبية ولأن العراق لا يبدأ تاريخه الاحتجاجي من تشرين فإن ما جرى في ساحات بغداد ومدن الجنوب والوسط يستعيد في الذاكرة محطات أقدم من وثبة كانون عام 1948 إلى انتفاضة عام 1952 حين خرج العراقيون في مواجهة سياسات رأوا فيها انتقاصاً من إرادتهم الوطنية
تتغير الأجيال وتتبدل الظروف لكن العلاقة بين الشارع والسلطة ظلت تحمل ذلك التوتر الذي يظهر كلما اتسعت المسافة بين ما يطمح إليه الناس وما تقدمه لهم الدولة وفي تشرين كان لهذا التوتر وجه جديد شباب ولدوا بعد عقود من التحولات والحروب وعاشوا مرحلة ما بعد عام 2003 بوعودها الكبيرة وإخفاقاتها المتراكمة فوجدوا أنفسهم أمام واقع لا يشبه ما انتظروه وقرروا أن ينقلوا اعتراضهم من مواقع التواصل والمجالس الخاصة إلى الشوارع والساحات حيث يصبح الصوت الفردي جزءاً من صوت عام يصعب تجاهله
في ذلك المشهد ماكان العلم العراقي مجرد رمز يرفعه المتظاهرون وإنما تعبيراً عن رغبة في تجاوز الانقسامات التي حكمت الحياة السياسية واستعادة معنى الانتماء إلى وطن واحد كان مطلب الدولة الوطنية يتقدم على الشعارات الفئوية وكانت الدعوة إلى استقلال القرار العراقي مرتبطة بمطالب أخرى لا تقل أهمية من محاسبة الفاسدين إلى توفير فرص العمل وتحسين الخدمات وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت فهذه الملفات على اختلاف طبيعتها تلتقي عند سؤال واحد: من يدير العراق ولأي مصلحة تُدار موارده؟ وحين يشعر المواطن بأن مصالح القوى السياسية تتقدم على حاجاته وأن المال العام لا ينعكس على حياته كما ينبغي فإن الأزمة تتجاوز حدود الإدارة والخدمات لتصل إلى الثقة بالدولة نفسها وإلى قدرة مؤسساتها على حماية حقوقه وتحقيق العدالة بين أبنائها فإن الحديث عن السيادة لا يمكن أن يبقى محصوراً في الخطابات السياسية لأن استقلال القرار يبدأ من مؤسسات قادرة على اتخاذ مواقفها وفق المصلحة الوطنية ومن نظام قانوني لا يخضع لنفوذ الأحزاب أو الجماعات ومن إدارة للثروة العامة تضع احتياجات العراقيين في مقدمة أولوياتها لا يكفي أن ترفع القوى السياسية شعار رفض التدخل الخارجي إذا كانت مؤسسات الدولة عاجزة عن فرض القانون على الجميع ولا يمكن الحديث عن دولة قوية ما دامت المحاصصة تتحكم في توزيع المناصب وتضع الولاء السياسي في مواجهة الكفاءة لقد كشفت تشرين في جانب مهم من رسالتها أن أزمة العراق ليست في نقص الإمكانات وإنما في الطريقة التي تُدار بها هذه الإمكانات وفي المسافة التي تفصل بين ثروة البلد وحياة المواطن وبين الوعود التي تُطلقها الحكومات والنتائج التي يلمسها الناس
غير أن السنوات التي مرت على الانتفاضة تضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها بالاحتفاء بذكراها وحده فقد رحلت حكومة وجاءت أخرى وتبدلت التحالفات والوجوه لكن السؤال الذي خرج من أجله المتظاهرون ما زال حاضراً في الحوار المجتمعي : إلى أي مدى اقترب العراق من الدولة التي طالبوا بها؟ لا يمكن إنكار ما تركته تشرين من أثر في الوعي السياسي والاجتماعي كما لا يمكن اعتبار مجرد استمرار الحديث عنها دليلاً على تحقق أهدافها فبين التضحيات التي قدمها المتظاهرون والنتائج التي ينتظرها العراقيون مساحة تحتاج إلى مراجعة صريحة بعيداً عن المبالغة في تصوير ما تحقق أو التقليل من أهمية ما حدث لقد دفع شباب ثمناً باهظاً وبقيت أسماء الضحايا وجرحى الاحتجاجات جزءاً من ذاكرة البلاد الأمر الذي يجعل مسؤولية التعامل مع تلك التجربة أكبر من تحويلها إلى مناسبة تتكرر فيها الكلمات نفسها كل عام
ولعل ما يمنح تشرين حضورها المستمر هو أنها أعادت المواطن إلى قلب النقاش بشأن الدولة وكسرت، لدى قطاعات من الشباب حالة الصمت والابتعاد عن الشأن العام ماعادت المطالبة بالحقوق شأناً يخص النخب السياسية وحدها ولم يعد ممكناً تجاهل الأسئلة التي طرحها جيل رأى أن مستقبله لا ينبغي أن يبقى رهينة صراعات القوى ومصالحها لكن الوعي الذي صنعته الاحتجاجات يحتاج إلى ما يحميه ويطوره إلى مؤسسات تستجيب للمطالب وقضاء يضمن المساءلة وإدارة تضع الكفاءة فوق الانتماء وقوانين تحمي حرية التعبير وتتيح للمواطن المشاركة في مراقبة أداء السلطة ومن دون هذه التحولات ستبقى الفجوة قائمة بين ما تقوله السياسة وما ينتظره المجتمع وسيظل الاحتجاج احتمالاً يعود كلما تراكمت الأزمات من جديد
إن العراق يقف أمام استحقاق لا تحسمه الشعارات ولا تكفي فيه الوعود وإنما تحسمه قدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها وإثبات أن السيادة ليست موقفاً معلناً فحسب انما ممارسة تبدأ من استقلال المؤسسات وتنتهي عند ضمان حقوق الناس فالدولة الوطنية التي حلم بها المتظاهرون لا تُبنى بإقصاء طرف لمصلحة طرف آخر ولا باستبدال شعارات سياسية بأخرى وإنما بتأسيس علاقة واضحة بين المواطن ومؤسسات الحكم تقوم على القانون والمحاسبة وتكافؤ الفرص وعندما يجد الشاب أن مستقبله لا يتوقف على انتمائه وأن الوظيفة لا تُمنح على أساس الولاء وأن المال العام يخضع للرقابة وأن صوته لا يفقد قيمته بعد انتهاء الانتخابات عندها فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي في بنية الدولة لا عن تغيير محدود في واجهتها
لهذا تبدو تشرين أشبه بنهر ثالث في الذاكرة العراقية لا لأنه يجري بلا عوائق وإنما لأن ما حمله من مطالب لم ينتهِ بانتهاء أيام الاحتجاج ولم تجف مياهه بخروج المتظاهرين من الساحات قد تتراجع الأصوات وقد تنشغل البلاد بأزماتها المتلاحقة لكن الأسئلة التي فتحتها الانتفاضة تظل قائمة ما دامت أسبابها لم تُحسم فالنهر هنا هو ذاكرة جيل أراد أن يرى بلده مختلفاً وهو أيضاً اختبار مستمر للسياسة العراقية وقدرتها على الإصغاء إلى المجتمع بدلاً من الاكتفاء بإدارة أزماته وبين ساحة التحرير وما يجري خلف أبواب المؤسسات تبقى تشرين أكثر من ذكرى في التقويم إنها مرآة يرى العراق فيها المسافة بين الدولة التي يمتلكها اليوم والدولة التي يريدها أبناؤه وحلم لا يصبح واقعاً إلا حين يشعر العراقي بأن هذا الوطن له وأن قراره وثروته ومستقبله ليست ملكاً لفئة وإنما حق مشترك لجميع أبنائه.

قد يعجبك ايضا
∧