زيوا حسين السينو
إن مفهوم الوطن ليس مجرد فئة جغرافية أو حد إداري بأي حال من الأحوال؛ بل هو واقع نفسي وفسيولوجي عميق الجذور للوجود الإنساني. الوطن هو تلك الحالة الراسخة التي تتجلى في الجهاز العصبي للإنسان كأمان وانتماء وهويّة. عندما يسمع الإنسان كلمة وطن، لا يستجيب العقل فحسب، بل الكائن الحي بأكمله: إنه ظاهرة تسرّع ضربات القلب، وتشحذ الحواس، وتثير صدى عميق الجذور في الجسد. الوطن هو الذاكرة الجسدية (الصوماتية) لشعبٍ ما محفورة في النسيج العصبي والبنية العاطفية لكل فرد. إنه قوة وجودية تقرر ما إذا كان الإنسان يعيش في كرامة وثبات روحي، أم يهيم في العالم مغتربًا.
بالنسبة لشعب تاريخه مثل تاريخ الكرد، لم يكن الوطن أبدا حالة من الراحة الهادئة. إن الأثر الفسيولوجي لهذه الهوية يتسم بألم عابر للأجيال، وتهديد مستمر، ومقاومة جسدية وفكرية لا تهدأ ضد محو الذات. لم تُوهب الهوية والثقافة في مراحل الوفرة، بل أُخذت عنوةً تحت الظروف الفسيولوجية القاسية من الخوف والخسارة وصراع البقاء. كل كلمة من اللغة وكل عنصر من التقاليد يحمل في طياته آثار هذا الجهد الجسدي الحقيقي للأجداد.
وعند النظر من هذا المنظور إلى سلوك العديد من الشباب في وسائل الإعلام اليوم، ينكشف مغزى الانشطار والافتراق الأساسي عن هذا المستوى العميق من الإنسانية. ينكسب الكثير من الشباب اليوم ما يعنيه حقًا أن تحمل وطنًا في داخلك وأن تنبثق من مثل هذا التاريخ. إنهم يستسلمون لخدعة خطيرة ويثبطون القيمة النفسية لإرث شعبهم، من خلال اختزاله في مجرد محفزات سطحية. إنهم يستندون في كل فخرهم إلى أشياء لم يعملوا أنفسهم قط من أجل تحقيقها.
إنه لسمةٌ للطباع المثيرة للشفقة أن يستمد المرء الفخر من ظروف لم يرق فيها قطرة عرق واحدة من أجله. ترتدون ملابس كردية، ترقصون من أجلي رقصة كردية، أو تفتتحون حفل زفافكم بعلم كردي. هذا لا يعني أنك تقاتل من أجل هذا البلد. أنت لا تفعل شيئًا لهذا البلد. أنت مجرد تظهر للناس أنك تحاول فعل شيء لهذا الوطن. إذا كان شخص ما فخورًا بشيء لم يفعله بنفسه، فهو جاهل وعبد. وأنت تنتمي إلى هؤلاء العبيد. لقد ولدت هكذا، دون أن تختار هذا الأمر بنفسك، ثم تقول لي إنك فخور بشيء لم تفعله حتى بنفسك؟
إذا كنت تكرس نفسك لهذا البلد وتقدم شيئًا له، فحينئذٍ يمكنك أن تقول إنك فخور وأنك تفعل شيئًا لهذا البلد. لأن الفخر بشيء لم تفعله بنفسك ليس مجرد شكل من أشكال العبودية البشرية وأنت واحد منهم. إن ارتداءك لملابسك الكردية التقليدية، أو غنائك أغنية كردية من أجلي، أو رقصك بزيّك التقليدي، لا يعني أنك كردي وتقاتل من أجل هذا البلد. على العكس من ذلك: أنت عبد وليس لديك ما تظهره للناس. حتى الأجانب يستطيعون رقص رقصاتكم وارتداء ملابسكم.
من لا يملك أفعالاً خاصة به ليفخر بها، يهرب إلى الفخر بأصوله ولا يكشف بذلك إلا عن ضعفه الخاص. إن الفخر بمجرد مصادفة لم يخترها المرء بنفسه لهو علامة على وجود بائس. من لم يتعلم كيف يحكم نفسه ويخلق ما هو خاص به، يبحث في إنجازات الآخرين عن مخبأ يطلب الشفقة. من يظل فارغ المحتوى كشخصية، يهرب إلى مجد الماضي لكي يغطي على عجزه عن تشكيل ذاته وعلى فراغ حاضره. من يفخر بمجرد مصادفة، يظهر أنه لا يعرف كيف يحكم نفسه.
هذا الخلط بالتحديد هو ما نعيشه اليوم مع جزء كبير من شبابنا. إنهم يحتفلون بلا انقطاع بـ “من أين أتوا” يرتدون الملابس التقليدية، يرقصون رقصات أجدادنا، ويرفعون الرموز في شبكات التواصل الاجتماعي. ولكن بينما يخرجون الماضي في المشهد، ينسون تمامًا “إلى أين هم ذاهبون”.
إن أكبر مشكلة لدى هذا الجيل هي أنه يقف عند هذه النقطة. يعتقدون أنه بصورة أو رقصة أو أغنية قد أُدّيت واجباتهم تجاه الشعب. ولكن لا تتوقف عند الصورة. إن صورة على وسائل التواصل الاجتماعي لا تحمي شعبًا ولا تبني بلدًا. إنهم يظلون في جمود ذهني مريح، بدلاً من اتخاذ الخطوة التالية. ولكن الشعب لا يبقي لا نفسيًا ولا سياسيًا من خلال نظرة رومانسية إلى الخلف واستهلاك الرموز القديمة، بل حصريًا من خلال القوة الفاعلة لحاضره.
عندما أتحدث عن “القتال” من أجل كردستان، لا أعني الأسلحة ولا العنف. إن النضال الحقيقي لهذا الجيل يحدث في العقل. من يحب بلده حقًا ويشعر بالوطن في دمه، لا يتوقف عند الاحتفال بالماضي. من يفهم المسؤولية البيولوجية والتاريخية لإرثه، يمضي قُدمًا: بغض النظر عن المكان الذي تعيش فيه، انخرط في السياسة، احصل على التعليم، أسس شركات، كن قويًا قانونيًا وعلميًا واقتصاديًا. طوّر قوة ذهنية واستخدم طاقتك لجعل البلد يومًا بعد يوم أفضل وأكثر أمانًا وأكثر استقلالاً. اجعل من خلال نجاحك واضحًا من أنت وما الذي تحققه لوطنك.
فقط عندما يتوقف الشباب عن مجرد إظهار من أين أتوا، ويبدأون من خلال التميز الخاص بإثبات إلى أين هم ذاهبون، يتحول الكبرياء الأعمى إلى حرية حقيقية.