رسائل لم تصل إلى صندوق البريد

سرحان محمد علي الكاكئي

في قبو الفرز المظلم، حيث تفوح رائحة الحبر الجاف والورق الرطب، كان هناك رجل يجلس بصمت وسط أكوام من الرسائل التي حكم عليها الموظفون بالموت؛ لأن عناوينها شُطبت تحت المطر، أو لأن أصحابها نسوا وضع الطوابع. بالنسبة للحكومة، هذه الأوراق مجرد قمامة، لكن بالنسبة له، كانت هذه الكلمات هي الأنفاس الأخيرة لأناس يختنقون في مكان ما.
كان يسرق هذه الرسائل المرفوضة في نهاية كل نوبة، يدسها تحت معطفه ليعود بها إلى غرفته المعزولة، لا لشيء، فقط لكي لا تبيت تلك العواطف وحيدة في سلال المهملات.
في ليلة باردة، فتح ظرفاً مهترئاً كُتب عليه بخط مرتعش: “إلى المقعد الخشبي تحت شجرة الصفصاف”.
وفي الداخل، كانت الكلمات تقطر وجعاً:
“ذهبتُ هناك اليوم أيضاً. جلست على الحافة الضيقة، وتركت لك المساحة فارغة كما كنا نفعل دائماً. المطر غسل الخشب، لكنه لم يغسل الدفء الذي تركته في معطفي حين استندت إليّ للمرة الأخيرة. أكتب لك لأنني نسيت كيف أتحدث مع الفراغ الصامت من بعدك”.
أغلق الورقة بهدوء، ووضعها على الرف بجانب كوبه الدافئ، كأنه يمنح ذلك المقعد المنسي بعض الونس.
ثم التقط ورقة ممزقة من دفتر حسابات قديم، أرسلها أب يائس من مأوى العجزة. كان الحبر باهتاً والعنوان غامضاً: “إلى الابن الذي يشبهني”.
“أنا لا ألومك لأنك لم تعد تأتي، فالمكان هنا موحش ويشبه القبور. لكني أكتب لأخبرك أنني عثرت في جيبي على تلك القطعة المعدنية القديمة التي كنا نتقاسم بها قراراتنا؛ رميتها الليلة، فجاءت على الوجه الذي يعني أنك ستزورني غداً. سأنتظرك عند البوابة، حتى لو كذبت العملة هذه المرة”.
مسح الرجل دمعة حائرة من عينه. كان يعلم أن الابن لن يأتي أبداً، فترك الرسالة مفتوحة على طاولته، لعل طاقة الانتظار تخفف عن الأب ولو قليلاً.
أما الرسالة الأخيرة، فكانت بطاقة صغيرة أرسلها طفل إلى جاره الذي رحل فجأة: “إلى عمي الذي سافر وترك كلبه”.
“هو يرفض الأكل منذ ثلاثة أيام، ويجلس طوال الوقت عند عتبة بابك المقفل. ظننت أنك نسيت عنوانك الجديد، لذا أرسل لك لتقول له إنك قادم. إن كان بيتك الجديد ضيقاً، أخبرني، سأقنع عائلتي بأن نتقاسم معه غرفتنا”.
تأمل البطاقة ملياً. لم يكن يعرف أين ذهب الجار، لكنه كان يعرف ذلك البيت المهجور. في الصباح التالي، اشترى قطعة لحم صغيرة من ماله الخاص، ومشى في الزقاق البارد حتى وصل إلى الكلب الساهر، وضع له الطعام، وألصق البطاقة على الباب الخشبي المقفل. هو لم يصحح الخطأ البريدي، لكنه أصلح انكساراً حقيقياً في هذا العالم.
حين عثر الجيران عليه ميتاً في شقته بعد سنوات، لم يجدوا أموالاً ولا أثاثاً فاخراً. وجدوا فقط صندوقاً خشبياً قديماً مليئاً بمئات الرسائل المرتبة حسب “حجم الألم” لا حسب الحروف. وفوق الصندوق، ورقة بيضاء كتبها لنفسه بخط يده:
“الرسائل التي لم تصل، لم تته في الطريق؛ بل وصلت إليّ لأن أصحابها كانوا بحاجة إلى قلب يحمل عنهم ثقل كلمتهم الأخيرة. أنا لم أقرأ رسائلهم.. أنا فقط كنت أتنفس نيابة عنهم في غيابهم

قد يعجبك ايضا
∧