الأراضي السبع: طبقات داخل أرض واحدة، أم عوالم مستقلة؟ قراءة لغوية وكونية في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
د. نوري جاسم
ليست كل الأسئلة التي تثيرها النصوص القرآنية أسئلةً تبحث عن إجابات جاهزة، فبعضها يفتح أمام العقل أبوابًا واسعة للتأمل، ويدعوه إلى إعادة النظر في المسلّمات، والتمييز بين ما يقوله النص صراحةً، وما أضافته إليه اجتهادات البشر عبر العصور. ومن بين هذه الأسئلة سؤال يستحق التأمل: هل الأراضي السبع التي أشار إليها القرآن الكريم سبع طبقات داخل الأرض التي نعيش عليها، أم أنها سبعة عوالم مستقلة، لكل واحد منها كيانه الخاص؟ يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12]. والآية، في قصر عبارتها وعظمة دلالتها، تضع أمامنا مسألة تستحق البحث: فقد ذكرت سبع سماوات، ثم تحدثت عن الأرض بصيغة المفرد، وأتبعت ذلك بقوله تعالى «مثلهن»، وهي عبارة تشير إلى المماثلة بين الأرض والسموات السبع، وفق ما يقرره السياق وأوجه التفسير. وهنا يبدأ السؤال اللغوي: إذا كانت الآية تتحدث عن سبع سماوات، وتجعل من الأرض مثلهن، فهل يكفي هذا التعبير للقول إن المقصود سبع طبقات داخل جرم أرضي واحد؟ أم أن احتمال تعدد الأراضي، بحيث تكون كل أرض كيانًا مستقلًا، احتمال يستحق البحث أيضًا؟
إن التعبير القرآني لم يقل: «سبع طبقات من الأرض»، ولم يصف الأراضي بأنها أجزاء متراكبة داخل كوكب واحد، بل استخدم عبارة «ومن الأرض مثلهن». ولا يعني ذلك أن التفسير بالطبقات مستحيل من الناحية اللغوية، لكنه يعني أن نسبته إلى النص بوصفه المعنى القطعي تحتاج إلى دليل، وأنه لا ينبغي الخلط بين التفسير المحتمل والدلالة الصريحة. وقد يُعترض بأن القرآن قال «الأرض» بصيغة المفرد، لا «الأراضي» بصيغة الجمع. غير أن اللغة العربية تستخدم المفرد أحيانًا للدلالة على الجنس، ولا يلزم من ورود المفرد أن يكون المقصود شيئًا واحدًا بالمعنى العددي دائمًا. فاسم الجنس قد يتسع لأفراد متعددين، ويتحدد المراد منه بحسب السياق. ولذلك لا يحسم المفرد وحده المسألة، كما أن لفظ «مثلهن» يفتح باب البحث في طبيعة المماثلة المقصودة: أهي في العدد، أم في صفات أخرى، أم في وجوه متعددة لا يحددها النص تفصيلًا؟ ومن هنا تبرز فرضية تستحق المناقشة: ماذا لو كانت الأراضي السبع عوالم مستقلة، لا طبقات داخل الأرض الواحدة؟ ماذا لو كان المقصود سبعة أجرام أو كيانات أرضية متمايزة، لكل منها وجودها الخاص، بدلًا من سبع طبقات جيولوجية تتتابع من القشرة إلى اللب؟
إن هذه الفرضية لا ينبغي تقديمها باعتبارها اكتشافًا علميًا، ولا باعتبارها التفسير الوحيد للآية، وإنما باعتبارها سؤالًا تفسيريًا مفتوحًا يستحق الدراسة. فالعلم الحديث كشف عن كون بالغ الاتساع، وعن مجرات تضم أعدادًا هائلة من النجوم، وعن كواكب خارج مجموعتنا الشمسية تختلف في أحجامها وخصائصها وظروفها. وما زال كثير من أسرار الكون خارج نطاق المعرفة البشرية المباشرة.
لكن هل يثبت هذا الاتساع أن الأراضي السبع هي سبعة كواكب مستقلة؟ لا. فوجود الكواكب حقيقة فلكية مثبتة، أما تحديدها بوصفها الأراضي المذكورة في الآية، أو القول إن لكل أرض منها سماءها وغيومها ومطرها، فلا يزال بلا دليل علمي حاسم. ومن الضروري أن نحافظ على هذا التمييز؛ لأن احترام النص القرآني لا يقتضي تحميله نتائج لم يصرح بها، كما أن احترام العلم لا يقتضي تحويل ما لم يكتشفه بعد إلى حقيقة مؤكدة.
كذلك فإن وصف الأرض علميًا بأنها ذات طبقات داخلية لا يثبت أن هذه الطبقات هي الأراضي السبع. فالقشرة والوشاح واللب الخارجي واللب الداخلي أوصاف لبنية كوكبنا، وقد كشفتها الدراسات الجيولوجية بوسائل علمية متعددة. أما ربط هذه البنية تحديدًا بالأراضي السبع، فيحتاج إلى دليل تفسيري مستقل، لا إلى مجرد التشابه في العدد أو الترتيب.
إن المسألة، إذن، ليست رفضًا للعلم، ولا اعتراضًا على الموروث التفسيري لمجرد الاختلاف معه؛ بل هي دعوة إلى توسيع مجال السؤال، وإعادة فحص الافتراضات التي قد تتحول بمرور الزمن إلى حقائق متداولة من دون أن تكون مدلولًا قطعيًا للنص. فمن حق الباحث أن يسأل: هل حدد القرآن طبيعة الأراضي السبع تحديدًا ماديًا؟ وهل نص على أنها طبقات داخل الأرض؟ أم ترك حقيقتها وكيفية وجودها ضمن أمور لم يفصلها لنا؟
إن عظمة الكون تذكّر الإنسان بحدود معرفته، لكنها لا تمنحه حق الجزم بما لا دليل عليه. ومن ثم، فإن احتمال وجود أراضٍ مستقلة يظل موضوعًا للتأمل والبحث، لا حقيقة علمية مثبتة ولا تفسيرًا قطعيًا للآية. وقد تكون قيمة السؤال في ذاته أنه يدفعنا إلى التمييز بين النص وتأويله، وبين الحقيقة العلمية والفرضية، وبين الإيمان بالغيب والادعاء بمعرفة تفاصيله.
وفي نهاية المطاف، لا نحتاج إلى أن نزعم أننا اكتشفنا سر الأراضي السبع حتى يكون سؤالنا مشروعًا؛ يكفي أن نعيد طرحه على نحو منضبط: إذا كان القرآن قد أخبرنا بخلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، فهل نملك من الدليل ما يسمح لنا بحصر هذه الأراضي في طبقات كوكب واحد؟ أم أن الأمانة العلمية تقتضي الإقرار بأن طبيعتها لم تُحسم، وأن احتمال تعددها بوصفها عوالم مستقلة لا يزال سؤالًا مفتوحًا؟ وإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس كيف نُثبت ما لم نكتشفه، بل كيف نتجنب الجزم بما لم يثبته النص ولا العلم، ونمنح العقل حق البحث دون أن نحول الاحتمال إلى يقين. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .