أوجاعٌ رغم التَسامي إلى كلّ من احترق وسيحترق بنار العشق.. كعشق شمسي تبريز

حكيم نديم الداوودي

1. التّسامي باِلوجع
ها هو يقف في المحطة الأخيرة للذهول.. حاملاً بين ضلوعه مقبرة للكلام.. وأرضاً محروقة كانت بالأمس حديقة للأمنيات.. لا يهم الآن من غاب.. ولا كيف غاب.. ولا أي سهم هو الذي مزق شراع الروح.. فالفقد واحد وإن تعددت أسبابه.. والجرح غائر يستمد ملحه من نزيف الذكريات.إليه، ولمن عصف صدره بالحزن حتى كاد يقتلعه.. ولكل فراق كسر في النفس أجمل مراياها.. أنصت إلى دوي هذا الانكسار.. كيف للإنسان أن يحمل جبلاً من اللوعة ويمشي بين الناس مبتسماً؟ كيف للعقل أن يتماسك حين تهوي السماء فوق رأسه فور رحيل من كان يظنه الأبد؟
لكنني اليوم ومن قلب هذا الرماد العظيم.. أعلن العصيان على الانهيار.. لن أمنح الوجع شرف هزيمتي.. ولن أجعل الفراق قبراً لأيامي المقبلة.. إن كان الجسد يبكي.. فإن الروح تتعلم الطيران.. سآخذ هذه الشظايا النازفة بيدين مجروحتين، لا لأبكي عليها.. بل لأصنع من حوافها الحادة طريقاً صاعداً نحو السماء.

التسامي بالوجع ليس نسياناً.. بل هو أن تنظر إلى ندبتك العميقة وتطالع فيها نافذة للضوء.. هو أن تعلم أن الشمس التي غابت عن عينيك قد أشعلت في داخلك ناراً للتجديد والتطهير.. سأحول الدمعة إلى فكرة، والصرخة المكتومة إلى نص يهز أركان الوجود.. سأعيش هذا الفقد كما عاشه العظماء؛ ناراً تصهر الروح لتخرج منها أكثر نقاءً.. وأشد صلابة.. وأقرب إلى مولاي.. فليكن الفراق ما يكون، وليأت الحزن بأقصى ما لديه من جيوش العتمة.. فالروح التي عرفت كيف تتسامى فوق آلامها، لا يمكن لأي بشر، أو ظرف، أو رحيل أن يكسر منارتها المضيئة.. نحن لا نموت حين نفقد من نحب.. بل نولد من جديد، وبأجنحة خفيّة غزلتها خيوط الوجع.

2. تَسامَيْنا رغم كظم الغيظ
سلامٌ على الذين يمضغون جَمر الخيبة صمتاً.. وتفيض عيون الكبرياء من مآقيهم ترفعاً.. إلى سدنة البراكين المكبوتة، والواقفين بوقار الأنبياء فوق رماد جراحهم.. أنصت إلى دوي هذا الصمت العظيم.. ليس كظم الغيظ عجزاً، ولا هو قبول بالمهانة.. بل هو أعلى درجات السيادة على النفس.. إنه المعركة الشرسة التي تخوضها الروح ضد غريزة الثأر.. حيث يتأجج الغضب كبركان في الصّدر وتريد الكلمات أن تخرج كشظايا من نار.. فيأتي تسامينا ليلجمَ ذلك كله برداءٍ من الحِلم والترفع.

الوجع حقيقي.. والغصّة مريرة تكاد تخنق الحنجرة.. ورغم ذلك الجرح الذي ينزف في الخفاء، فإن المظهر الخارجي يظل كالبحر المستقر، لا تظهر على سطحه آثار المعركة الطاحنة في الأعماق… أنا اليومَ لا أمنح الخصوم أو الراحلين شرف رؤية انكساري.. ولا أسمح لغبار معاركهم الصغيرة أنْ يلوّث صفاء روحي.

شمس التبريزي غابَ غدراً وتجرّع الرّومي مرارة الفقد والظلم.. لكنه لم يقابل السكاكين بالسكاكين.. بل قابلها بـ “المثنوي” وعشق الذات الإلهية.. وهذا هو التسامي الحق.. أنْ تحّول طاقة الغيظ المكبوتة، ونار الظلم المستعرة إلى دفِق من النّور وصمود يصنع من المِحنة مِنحة.. ومِن الخذلان معراجاً يرتد بالروح إلى علياؤها.. فليظن الظّانون ما شاؤوا، وليفسروا الصمت ضعفاً والسكوت إكراهاً.. فالروح التي عرفت كيفَ تكظم غيظها وتتسامى فوق جِراحها، قد أعتقت نفسها مِن أسر البشر وأوهام الدنيا.. نحنُ نتألم وننزف.. ونكتم في صدورنا ما لو بحنا به لاهتزّت له القلوب.. لكننا نولد مع كلّ انكسار بملامح أكثر ُطهراً، وتجرّدنا من بوْح التذمر يرفعنا فوق سفاسف الأرض.. متمسكينَ بوجداننا المتوهج الذي لا تملكه يد البشر، ولا تطفئه عواصف الخذلان.. فسلام ٌعلينا يوم احترقنا.. ويوم كتمنا.. ويوم بُعثنا مِن بين الرّماد ملوكاً لا ينحنون لايّ صولجان.

3. أجسادُ يبتلعها النسيان
من سَديم البارود، ومن رحم الشظية التي شطرت النهار.. تنبعث الروح الشاهدة علياً، مكسوة بأنوار البسالة.. يا أم الضوء، ويا شقيقة النصر، لم يكن الموت خاتمة للراحلين في سبيل المبادئ المجيدة، بل كان خروجاً ظافراً من المجاز إلى الحقيقة المطلقة.. تلك الرفات المنثورة تحت لهيب المعدن العقيم، لم تكن أجساداً تذروها الرياح غياباً، بل كانت بذاراً لجنائن كونية لا تذوي، وقرابين تعيد صياغة الحرية.. لقد تربّع الأبرياء اليوم فوق سحابة الطهر الأول.. خلعوا عن كاهلهم غبار الأرض الدامية، وغسلوا ملامحهم من غدر المعارك، ليصبحوا فراديس معلقة في مدارات الكرامة.. حيث لا دوي يفزع الحلم، ولا قذيفة تقطع همس الياسمين.. يا سليلة المجد، ومحراب الصبر المقدس: لا تنظري إلى التراب كمقبرة باردة بلعت خيرة الأبناء، بل هو مشكاة أبدية تحرس الأمانة.. وتبث فيها روح الثورة والأمل.. كل ذرة غابت في الثرى من أجسادهم الطاهرة، صارت منارة تركل عتمة الظلم.. وتفتح للصباح المنتظر أبواباً من النصر المحتوم. لقد رحلوا ليكونوا رموزاً شامخة لا تصدأ، وإن التهمت المسافات نيران الحروب.. فإن الموعد مع العدل الكوني لم ينفد، بل هو حتم يلتئم في دار الخلود السرمدي التي لا تعرف المظالم..
4. نثيث الثلوج الساترة
يمدّ الغيم أصابعه الباردة.، ويهمز في أذن الأرض بأسرار الرماد.. فيبدأ النثيث مع تساقط الندف الأولى كأنها قصاصات من رسائل مغدورة.. تمزقها السماء وتذروها فوق خطايانا.. ألست تدري أي صمت هذا الذي يتدلى من سقوف الوقت.. سكون كثيف يرتدي بياضاً مطبقاً.. يغزل من الهباء كفناً لندوب الشوارع.. وضمادة لشهيق الأرصفة المتعبة.. الثلج هنا ليس برداً.. بل هو محو مقدّس..ينهمر النثيث في رقة الفواجع.. فيسند جدار الليل المتداعي.. ليواري سوءة الطين.. ويمسح آثار أقدام العابرين الذين طواهم الغياب.. الأشجار العارية التي وقفت طويلاً تشحذ الضوء، يكسوها النثيث بملاحف من وقار سحيق، فيصيرها تماثيل من ذهول أبيض.. تخبئ تحت معاطفها حنين البراعم المؤجل.. إنه بياض يرتكب الستر بامتياز.. يغلق أفواه الحفر الراعفة.. ويهدئ روع بيوت أكل القلق طلاء جدرانها..كلّ ذرة تهبط هي دمعة متجمدة ترفض السقوط عمودياً.. فتتأرجح في الهواء، وتختار بعناية أين تضع بلورتها لتداوي عيباً أو تستر عورة من عورات الخريف.. وفي عتمة الصقيع يضيء هذا النثيث من تلقاء نفسه.. كأنها أرواح هائمة عثرت أخيراً على جسدها.. كأن الكون كله يتواطأ ليرش الملح فوق جرح الذاكرة.. ليموت الألم خنقاً تحت ملاءات الطهر.. ويتركنا عراة إلا من حيرتنا.. نتلمس الدفء في حكايا قديمة.. طواها الستر وكفنها البياض.

قد يعجبك ايضا
∧