ثغرات البيت

سمير ميراني

أحياناً يرحل الخوف من أمام العين، ويبقى أثره في المكان.
في تلك الليلة وجدت ثلاثة ثعابين صغيرة عندة عتبة غرفة نومي، وقعت اثنتان منها في الفخ الذي وضعته عند الباب، وظهر الثالث عند عتبة غرفة صديقي في الجوار، تخلصنا منها معاً، وعاد الهدوء إلى المكان، لكن شيئاً من تلك الليلة بقي عالقاً في داخلي، فغبت عن الغرفة حتى اكتمل الترميم واستعاد المكان طمأنينته.
كان الترميم أكثر من إصلاح للجدران والأبواب، كان تأملاً في تلك الحدود الصغيرة التي تفصل البيت عن الخارج، وفي الثغرات التي تبدو عابرة حتى يأتي منها ما يبدد الأمان.
وهذه الحدود الصغيرة ليست جديدة على الإنسان : فقد تذكرت الثعبان في الحكاية القديمة، وصورة الوسوسة التي رافقت خروج آدام من الجنة، فالكائن الصغير يحمل في المخيلة معنى أكبر من حجمه، وقد تبدأ الخسارة من همسة تجد طريقها إلى النفس قبل أن تجد طريقها إلى المكان.
كأن الثعابين الثلاثة جاءت من جهة واحدة ، ثم تفرقت عند العتبات ، لكل منها طريقها وغايتها، وكأن كل واحد منها يكتفي بعتبته وحدها، لا يعنيه أمر العتبة المجاورة، وقد تلتقي الطرق حين تجمعها المصلحة، ثم يمضي كل واحد في طريقه عندما تقتضي الحسابات ذلك، وفي بيت تتعدد عتباته، وينشغل كل صاحب عتبة بعتبته وحدها، تصبح كل ثغرة منفذاً محتملاً.
لكن المنفذ لا يبقى مفتوحاً حين يكون على العتبة من يحرسها، كان صديقي في الغرفة المجاورة يواجه الخطر نفسه، اختلفنا في أشياء كثيرة، لكننا وقفنا جنباً إلى جنب حين بلغ الخطر عتبتنا، فاتسع معنى البيت حتى غمر الغرفتين معاً، هناك أدركت أن حفظ العتبات يبدأ من يدٍ تمتد إلى يدٍ عندما يقترب الخطر، رغم كل ما يفرّق بين صاحبيها.
وهذا بالذات ما تنساه الثغرات الحقيقية في البيوت الكبيرة : عندما تتقدم الشخصنة على المعنى الذي يجمع الغرف، يصبح كل صاحب غرفة معنياً بحدوده وحده، ويظن أن عتبته تكفيه، عندها يتسع الشرخ الداخلي بقدر ما تضيق الرؤية إلى البيت كله، وتتحول كل غرفة إلى بيت صغير يدافع عن نفسه بمعزل عن الغرف الأخرى، وتحل المصلحة الشخصية محل معنى العتبة المشتركة.
فكّر أنت، حين تطمئن لأن غرفتك وحدها في مأمن: من قال إن الثعبان الذي هدأ عند بابك لن يظهر غداً عند باب جارك ؟ ومن يمدّ يده إلى يدك حين يبلغ الخطر عتبتك، إن كنت أنت من ابتعد أولاً عن معنى البيت الواحد ؟
لهذا بدا لي الترميم أوسع من جدران رممتها ، فثمة عتبات تستحق المراجعة في الفكرة التي تجمع أهل البيت قبل أن تُراجَع في الجدار ، وثمة اتجاه للفكر حان له أن يستعيد مساره الوطني، قبل أن تتسع الثغرة أكثر مما تحتمل الجدران.
ومنذ تلك الليلة، صارت العتبة في ذاكرتي تذكيراً بأن الخطر يأتي صغيراً ، وأن أثره يكبر في النفس قبل أن يكبر في المكان، وأن البيت الذي يستعيد عافيته يبدأ من عتباته، حيث تمتد يدٌ إلى يدٍ أخرى، في اللحظة التي يدرك فيها أصحابها أن لا عتبة تنجو وحدها.

قد يعجبك ايضا