غموض الترند يصنع لغة الجيل الجديد

 

 التأخي / ساجد الحلفي

لم يعد من الضروري أن يحمل الترند معنى واضحاً حتى ينجح. يكفي أحياناً أن تكون الكلمة غريبة، أو العبارة مبتورة، أو الحركة غير مفهومة، لكي تبدأ رحلتها عبر منصات التواصل، قبل أن يعيد آلاف المستخدمين إنتاجها في مقاطع وتعليقات وميمات. وفي عالم المنصات السريعة، أصبح الغموض نفسه جزءاً من جاذبية المحتوى، فيما تتشكل بين المستخدمين لغة مختصرة لا تحتاج دائماً إلى ترجمة أو تفسير خارج المجموعة التي تتداولها .

هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة أن جيلاً جديداً فقد اهتمامه بالمعنى، بقدر ما تكشف عن تغير في الطريقة التي يُصنع بها المعنى. فالعبارة التي تبدو بلا دلالة لمن يشاهدها للمرة الأولى قد تحمل بالنسبة إلى مستخدمي المنصة إشارة إلى مقطع سابق، أو نكتة داخلية، أو موقف متداول، أو شخصية رقمية. ومع تكرار استخدامها، تتحول من مادة غامضة إلى علامة يتعرف إليها أفراد المجموعة بسرعة .

وتساهم طبيعة المنصات في تسريع هذه العملية. فالمستخدم لا يتلقى المحتوى فقط، بل يشارك في إعادة تركيبه. تعليق قصير قد يتحول إلى ميم، وصورة في خانة التعليقات يمكن أن تصبح رداً متكرراً، ومقطع صوتي يمكن أن ينتقل من سياق إلى آخر حتى يفقد علاقته بالمادة التي ظهر فيها للمرة الأولى. ويشير تقرير TikTok Next لعام 2026 إلى أن التعليقات والتفاعلات والميمات باتت جزءاً من عملية صناعة المحتوى نفسها، وأن الردود بالصور تنشئ نوعاً من «اللغة المرئية» داخل المنصة .

 

وهنا يصبح الترند أشبه بلعبة جماعية. لا يحتاج المشارك إلى معرفة القصة الأصلية كاملة، بل يكفي أن يعرف كيف يستخدم الإشارة. وقد يكون هذا تحديداً أحد أسباب انتشار العبارات الغامضة بين المستخدمين الأصغر سناً؛ ففهمها يمنح صاحبها شعوراً بأنه ينتمي إلى دائرة تعرف ما لا يعرفه الآخرون .

وتتغير الكلمات بسرعة مماثلة. كلمة كانت رائجة قبل أشهر قد تبدو قديمة اليوم، بينما تظهر كلمة أخرى وتكتسب معنى جديداً في غضون أيام. ولا يتوقف الأمر عند المفردات؛ فالنبرة وطريقة النطق والحركة وتوقيت استخدامها يمكن أن تصبح جميعها جزءاً من القاموس الجديد. لذلك يصعب أحياناً فصل اللغة عن الصورة أو الصوت أو الميم، لأن المعنى أصبح موزعاً بين عناصر متعددة .

وتكشف دراسات لغوية حديثة أن الحديث عن «لغة تيك توك» أو «لغة الجيل الجديد» يحتاج إلى قدر من الحذر، إذ إن كثيراً من المفردات التي تبدو جديدة على مستخدمي الإنترنت لها جذور أقدم في لغات ولهجات وثقافات مختلفة. دراسة نشرت في «Journal of Sociolinguistics» عام 2026، وحللت 178 مقطعاً على TikTok، ناقشت تحديداً الطريقة التي يعاد بها تقديم بعض مفردات الإنجليزية العامية الأميركية بوصفها «لغة تيك توك» أو «لغة الجيل “.Z

وفي السياق العربي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالمنصات لا تنقل لغة واحدة، وإنما تخلط اللهجات العربية بالمفردات الأجنبية والاختصارات والرموز التعبيرية والكلمات التي تنتقل من مجتمع رقمي إلى آخر. وقد تبدأ كلمة في مصر مثلاً، فتصل إلى مستخدمين في الخليج أو المغرب العربي بمعنى مختلف قليلاً، أو تتحول إلى نكتة لا يفهمها إلا من تابع السياق الذي ولدت فيه .

والأهم أن هذه اللغة الجديدة لا تُصنع بالكامل من أعلى إلى أسفل. لم تعد المؤسسات الإعلامية أو صناعة الترفيه وحدها قادرة على تحديد الكلمات التي ستبقى في التداول. المستخدمون أنفسهم يختارون، ويكررون، ويسخرون، ويغيرون، ثم يتخلون عن الكلمة عندما تفقد قدرتها على إثارة الفضول. وفي هذا المعنى، يصبح الترند اختباراً سريعاً لقدرة كلمة أو صورة على صناعة الانتماء .

ويبدو أن هذا التحول يتجه إلى مزيد من السرعة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة المحتوى وتحليل سلوك المستخدمين. ويقول تقرير TikTok لعام 2026 إن المنصة تستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم التحولات الثقافية والبحث عن الإشارات التي يمكن أن تقود إلى الاتجاهات المقبلة، فيما يتزايد اعتماد المستخدمين أنفسهم على البحث والتعليقات والمجتمعات المتخصصة لاكتشاف المحتوى .

لكن سرعة ولادة اللغة الرقمية تعني أيضاً سرعة موتها. فما يجعل كلمة ما جذابة اليوم قد يجعلها مبتذلة غداً. ولذلك لا تبدو لغة الجيل الجديد مشروعاً لغوياً مستقراً بقدر ما هي عملية مستمرة من الاختراع والتعديل والتخلي وإعادة الاستخدام .

///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////

 

قد يعجبك ايضا