الرؤية القيادية للرئیس مسعود بارزاني والفلسفة الوطنية في توحيد البيشمرگة

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا

تكمن الفلسفة الجوهرية لتوحيد قوات البيشمرگة في الارتقاء بمفهوم القوة العسكرية من إطارها التاريخي الاستثنائي باعتبارها رد فعل اضطرارياً لحماية الوجود، إلى مقامها الفلسفي والمؤسسي الأسمى المتجلي في تجسيد الإرادة الوطنية الجامعة والعقد الاجتماعي المستقر. إن أية قوة مسلحة تدافع عن كينونة شعبها وكرامته لا تتكامل شرعيتها الأخلاقية والفلسفية إلا حين يتطابق بناء التنظيم مع وحدة التضحية التي بذلها أبناؤها.
ففي خنادق المواجهة والذود عن الأرض، امتزجت دماء البیشمرگة دون سؤال عن انتماء حزبي أو جغرافيا مناطقية، ليتردد في أرجاء الوطن صوت الحقيقة الأزلية، إن الدم الكوردستاني يعلن بعفويته النضالية أن الأرض واحدة والغاية واحدة.
ومن هذا المنطق الإنساني والوطني، ينبثق توحيد البيشمرگة لا كعملية إعادة هيكلة إدارية أو نقل للوحدات والتشكيلات، بل كضرورة وجودية وتحول فلسفي يعيد صياغة الهوية العسكرية الكوردستانية وفق مبدأ قوة واحدة، ووزارة واحدة، وقائد واحد، مجسداً تطلعات أجيال تعاقبت على النضال الحثيث.
ولم يكن هذا التحول الفلسفي ليتشكل لولا الحكمة الاستراتيجية والقيادة التاريخية للرئيس مسعود بارزاني، الذي أدرك بوعيه القومي العميق أن الانتصار الحقيقي على التهديدات لا يكتمل إلا ببناء مؤسسة صلبة تحمي مكاسب الشعب وتصون مستقبله.
ففي عام 2016، وفي الذروة التي كانت فيها قوات البيشمرگة تحت قيادته المباشرة تسحق أسطورة تنظيم “داعش” الإرهابي وتدافع عن القيم الإنسانية والديمقراطية، وضع سيادته اللبنة الأولى لمشروع الإصلاح الشامل في وزارة البيشمركة.
ولم تكن تلك الخطوة معزولة عن نسق فكري ممتد، فقد تجلت الفلسفة الوطنية للرئيس بارزاني بوضوح جلي عام 2014 حين أصدر أمره التاريخي بتوجه قوات البيشمرگة إلى كوباني للدفاع عن أشقائهم، في ملحمة عابرة للحدود أثبتت أن البيشمركة هي الذراع الضارب لحماية شعب كوردستان وقضاياه العادلة، وأن القوة حين تبنى على عقيدة وطنية مجردة تصبح درعاً للأمة برمتها وقوة سلام لا تقهر.
إن الانتقال بالفكرة من الرمزية التاريخية إلى الواقع المؤسسي تطلب رؤية فلسفية استشرافية عبر عنها رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، بالتشديد على أن توحيد البيشمرگة هو صهر تاريخي للتضحيات والبطولات داخل بوثقة وطنية واحدة تعلو فوق كل المصالح الحزبية والصراعات الضيقة.
إن الفلسفة القيادية لرئاسة الإقليم رأت في التوحيد بداية لعهد جديد أكثر مسؤولية وتحدياً، حيث ينبغي أن ينعكس هذا التحول المؤسسي في الممارسة اليومية الشاملة من تراتبية القيادة والسيطرة وإصدار الأوامر، إلى الإدارة المالية، وتوحيد مناهج التدريب، وترسيخ العقيدة العسكرية الموحدة، وضمان الحقوق والواجبات والانضباط على قدم المساواة. فالتوحيد وفق هذا المنظور ليس مجرد نهاية لمرحلة الانقسام، بل هو الشرط الاساسي لبناء الدولة المؤسسية وتأمين مستقبل الأجيال القادمة أمام تقلبات الجغرافيا وحسابات السياسة.
وفي هذا السياق التكاملي، تجسدت الإرادة السياسية في خطة عمل استراتيجية أطرها البرنامج الوزاري للتشكيلة الحكومية التاسعة برئاسة رئيس الحكومة مسرور بارزاني، الذي أخذ على عاتقه تحويل هذا الحلم القومي إلى واقع ملموس عبر أكثر من خمس سنوات من العمل المكثف والاجتماعات المتواصلة.
وبإشراف مباشر ودعم فاعل بالتنسيق مع الفاعلین في الاتحاد الوطني الکوردستاني، وبجهود حثيثة من وزارة شؤون البيشمرگة بجميع قياداتها وكوادرها، اكتملت عملية التوحيد الشاملة بناءً على مذكرة التفاهم بين حكومة الإقليم ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وبالتعاون مع قوات التحالف الدولي.
وقد أثمر هذا الجهد المؤسسي عن إنهاء الحزبوية العسكرية عبر دمج الوحدتين 70 و80 بالكامل وتحويل مقارهما وتشكيلاتهما لتكون تحت سلطة وزارة البيشمرگة حصراً ضمن “المنطقة 1″ و”المنطقة 2” وتوزيعها على 11 فرقة عسكرية وألوية مشاة، مع التأكيد الحاسم على أن الولاء الوطني والكوردستاني هو المعيار الحصري والوحيد المسموح به داخل المنظومة العسكرية.

تتجلى الأهمية الاستراتيجية والخطورة الإيجابية لهذا الإنجاز للمستقبل في كون البيشمرگة الموحدة تشكل اليوم ركيزة أساسية للأمن القومي والإقليمي، وقوة دستورية مكفولة ضمن منظومة الدفاع الوطنية العراقية.
إن الارتقاء بالقدرات البشرية، وتطوير التدريب البدني والوعي العسكري وفق أحدث المعايير الدولية، يمنح الإقليم قدرة أعلى على مواجهة المخاطر المستقبلية وحماية التعايش السلمي بين مكوناته.
كما أن تعزيز التنسيق والشراكة العسكرية مع الحكومة الاتحادية يرسخ وحدة القرار الدفاعي للبلاد ويفتح الباب واسعاً أمام نيل البيشمرگة لحقوقهم الدستورية المتمثلة في مساواة رواتبهم ومستحقاتهم بنظرائهم في الجيش العراقي.
إن هذا التوحيد التاريخي يظل التتويج الأسمى لوفاء كوردستان لأرواح شهدائها الأبرار، والرسالة الأكثر بلاغة بأن البيشمرگة ستبقى حصناً منيعاً للحرية والتنمية والاستقرار في المنطقة برمتها.

قد يعجبك ايضا