مليحة رحمة الله.. رائدة التاريخ الاجتماعي

محمد علي محيي الدين

مليحة رحمة الله، مؤرخة وباحثة عراقية رائدة في دراسة التاريخ الاجتماعي والحضارة العربية الإسلامية، ولدت في بغداد سنة 1925، ونشأت في بيئة بغدادية كان التعليم فيها يتسع تدريجياً أمام المرأة، فكانت من الجيل النسوي المبكر الذي اختار المعرفة طريقاً إلى الحضور العلمي والثقافي. عاشت قرابة عقود من القرن العشرين، وكرست جانباً مهماً من حياتها الأكاديمية لدراسة المجتمع العراقي في العصور الإسلامية، ولا سيما العصر العباسي، حين كانت الدراسات التاريخية العربية تنصرف في معظمها إلى السياسة والحروب وصراعات السلطة، بينما ظلت حياة الناس اليومية، وعاداتهم، وطبقاتهم، ومهنهم، ومكانة المرأة في المجتمع، موضوعات أقل حضوراً في البحث التاريخي.

تلقت تعليمها الأولي والمتوسط والثانوي في بغداد، فدرست الابتدائية في مدرسة الدهانة، والمتوسطة في البتاوين، ثم أكملت دراستها في الثانوية المركزية. والتحقت بعد ذلك بكلية الملكة عالية، التي أصبحت تُعرف لاحقاً بكلية التحرير للبنات بعد ثورة 14 تموز 1958، وحصلت منها على ليسانس التاريخ. وتختلف المصادر في تحديد سنة التخرج؛ إذ يذكر بعضها سنة 1949، بينما يورد الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقاله «مليحة رحمة الله والريادة في دراسة التاريخ الاجتماعي العربي» المنشور في «الحوار المتمدن» سنة 2009 أنها حصلت على الليسانس سنة 1950. غير أن هذه الفروق الزمنية لا تغير من حقيقة أنها كانت من أوائل العراقيات اللواتي اتجهن إلى التخصص الأكاديمي في التاريخ ومواصلة الدراسة العليا في الخارج.

انتقلت إلى الولايات المتحدة والتحقت بجامعة بنسلفانيا، حيث نالت درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي في أوائل خمسينيات القرن العشرين، عن دراسة تناولت المرأة في بغداد خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، من خلال ما ورد في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. وكان اختيار المرأة موضوعاً لرسالتها في ذلك الوقت دالاً على اتجاه علمي مبكر نحو البحث في التاريخ من زاوية مختلفة عن السرد السياسي التقليدي. فالمرأة التي كانت غالباً هامشاً في كتب التاريخ السياسي أصبحت عند مليحة رحمة الله مدخلاً لفهم المجتمع نفسه، وعلاقاته وقيمه وموقع أفراده ومؤسساته.

وبعد عودتها إلى بغداد عملت أستاذة في كلية الملكة عالية، وبدأت في تلك المرحلة تنشر أبحاثها وكتبها، وكان من أوائل أعمالها باللغة الإنكليزية كتاب «المتصوفات في بغداد»، الذي يكشف عن استمرار اهتمامها بتاريخ المرأة ودورها في الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية. ولم تكن عنايتها بالمرأة منفصلة عن اهتمامها العام بالمجتمع، بل كانت ترى أن دراسة الفئات التي لا تظهر كثيراً في الرواية السياسية تساعد على استعادة صورة أكثر اكتمالاً للماضي.

ثم غادرت إلى مصر والتحقت بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وهناك حصلت سنة 1968 على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي، بإشراف الدكتور محمد جمال الدين سرور، عن أطروحتها «الحالة الاجتماعية في العراق في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة». وقد طبعت هذه الدراسة في بغداد بمطبعة الزهراء سنة 1970 في كتاب يقع في نحو 180 صفحة من القطع الكبير، وأصبحت من أبرز أعمالها وأهم ما عُرف به اسمها في مجال دراسة المجتمع العراقي في العصر العباسي.

وكانت قيمة هذه الدراسة أنها لم تتعامل مع المجتمع بوصفه خلفية للأحداث السياسية، وإنما جعلته موضوعاً قائماً بذاته. فقد بحثت في تركيبة السكان والعناصر التي أسهمت في تشكيل المجتمع العراقي، فتناولت الأتراك والفرس والعرب والروم والزنج، وما أحدثته تحركات هذه الجماعات وتزايد نفوذ بعضها في بنية المجتمع. كما توقفت عند الرقيق والطوائف الدينية، والأشراف وأهل الذمة، وما نتج عن تعدد هذه الفئات من علاقات وتغيرات اجتماعية.

وفي تقديمه لكتابها، الذي كتبه الدكتور محمد جمال الدين سرور في 12 نيسان 1969، أشار إلى اتساع الموضوعات التي تناولتها، موضحاً أنها لم تكتفِ برصد العناصر السكانية، بل درست التنظيمات الاجتماعية والمهنية والحرفية، وتتبعت أحوال العلماء والتجار وأرباب الحرف والعامة، وحاولت تحديد مستوى معيشة كل فئة ومكانتها في المجتمع. وهذا المنهج كان مهماً لأنه نقل البحث التاريخي من مراكز السلطة إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية، ومن أخبار الخلفاء والولاة إلى حياة الناس الذين كانوا يشكلون القاعدة الفعلية للمجتمع والدولة.

كما أولت اهتماماً واضحاً بمظاهر الثراء والترف في قصور الخلفاء وكبار رجال الدولة، وما رافق ذلك من انتشار القصور والمباني الفخمة في بغداد وسامراء. ولم تنظر إلى الترف باعتباره ظاهرة جمالية أو حضارية فحسب، بل بحثت في نتائجه الاجتماعية والاقتصادية، وربطته بالتفاوت الطبقي واتساع الفجوة بين أصحاب السلطة والمال وبين عامة الناس. ومن هذا المنظور فسرت جانباً من الاضطرابات والثورات التي عرفها العصر العباسي، وربطت بينها وبين الاختلالات التي أصابت البنية الاجتماعية والاقتصادية، مشيرة إلى ثورات الزنج والزط والعيارين والشطار وغيرها.

وكان هذا التصور جزءاً من رؤية أوسع لديها للتاريخ؛ فهي لم تكن ترى أن السياسة وحدها تصنع التاريخ، بل كانت تؤمن بأن الاقتصاد والمجتمع والثقافة والعادات وأنماط الحياة تشكل جميعها عناصر أساسية في صناعة التحولات التاريخية. وقد عبّرت عن ذلك بوضوح في رؤيتها التي نقلها عنها الدكتور إبراهيم خليل العلاف، ومفادها أن دراسة الحياة الاجتماعية لأي مجتمع تكشف مقدار نهضته ومكانته بين المجتمعات الأخرى. ومن هنا جاءت محاولتها لجمع المعلومات المتناثرة في المصادر القديمة وإعادة تركيبها لتقديم صورة أقرب إلى واقع المجتمع العراقي في العصور الإسلامية.

ولم تغفل في هذا السياق المجالس الاجتماعية والغناء والموسيقى، فدرست تطورها وعلاقتها بالتحولات التي عرفها المجتمع العباسي، وتناولت تأثير العناصر الفارسية والرومية، وانتشار الجواري، والتغيرات التي طرأت على أنماط الحياة. كما اهتمت بالعادات والتقاليد والأخلاق والملابس وغيرها من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في نظر المؤرخ الاجتماعي مفاتيح لفهم بنية المجتمع وروحه.

وكانت المرأة تحتل موقعاً مركزياً في مشروعها البحثي. فقد عادت إليها في أكثر من دراسة، وتتبعت حضورها في المجتمع العربي الإسلامي، وأشارت إلى نساء برزن في الحديث والعلوم، وأخريات اتجهن إلى الزهد والتصوف. وفي الوقت نفسه درست الظروف الاجتماعية التي حدت من مكانة المرأة، ولا سيما في البيئات التي ازداد فيها نفوذ الجواري داخل القصور والدور. وهكذا لم تقدم صورة أحادية للمرأة، بل حاولت قراءة موقعها ضمن شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والدينية والاقتصادية.

وامتد اهتمامها إلى تاريخ التعليم في الدول العربية والإسلامية، فنشرت بحوثاً في هذا المجال، من بينها دراسة باللغة الإنكليزية عن التعليم عند أبي الحسن القابسي، تناولت فيها أفكاره التربوية في القرن الرابع الهجري، كما نشرت بحثاً آخر باللغة الإنكليزية عن معاملة أهل الذمة في العصرين الأموي والعباسي. وتكشف هذه الأعمال عن اتساع دائرة اهتماماتها، إذ لم تكن محصورة في موضوع واحد، وإنما كانت تنظر إلى الحضارة الإسلامية باعتبارها منظومة مترابطة من التعليم والدين والمجتمع والثقافة.

ومن بحوثها البارزة أيضاً «الملابس في العراق خلال العصور العباسية»، المنشور في «المجلة التاريخية المصرية»، و«الغناء والموسيقى والمجالس الاجتماعية في العصر العباسي»، المنشور في المجلة نفسها. وقد نشرت أكثر من ثلاثين بحثاً في المجلات العراقية والعربية، دارت نسبة كبيرة منها حول المجتمع العباسي، ودور المرأة، والغناء والموسيقى، والمجالس، وبعض مظاهر الحياة اليومية. وبهذا أسهمت في توسيع موضوعات البحث التاريخي، وإثبات أن تفاصيل الحياة اليومية ليست هامشاً على التاريخ، بل جزء من جوهره.

وعادت مليحة رحمة الله إلى العراق بعد حصولها على الدكتوراه، وعملت مدرسة في قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة بغداد، ثم أصبحت أستاذة فيها خلال الفترة الممتدة، بحسب المصادر، من 1973 إلى 1990. ويشهد تلامذتها على حضورها التربوي إلى جانب حضورها العلمي. وقد نقل الدكتور إبراهيم خليل العلاف عن الدكتور خليل علي مراد، الذي درس عليها في أوائل السبعينيات، أنها كانت تتميز بحسن التعامل والأسلوب التربوي، وكانت تشجع الطلبة المتميزين على البحث والقراءة وتكلفهم بكتابة البحوث، إدراكاً منها بأن مهمة الأستاذ الجامعي لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تمتد إلى تدريب الطالب على التفكير والاستقصاء.

وكان نشاطها يتجاوز الجامعة إلى المجال الثقافي والمهني والاجتماعي، فكانت عضوة في اتحاد المؤرخين العرب، وعضوة في جمعية حقوق الإنسان في العراق. وقد منحها اتحاد المؤرخين العرب «وسام المؤرخ العربي» سنة 1985 تقديراً لإسهاماتها في خدمة الدراسات التاريخية، وهو تكريم ينسجم مع المكانة التي احتلتها في مسار دراسة التاريخ الاجتماعي العربي.

وفي سنة 1990 غادرت العراق إلى الولايات المتحدة، حيث أقامت مع أسرتها. ومع ذلك لم تنقطع صلتها بالبحث والذاكرة العلمية، وظل اسمها مرتبطاً بمرحلة مهمة من تطور الدراسات التاريخية العراقية، ولا سيما الدراسات التي أعادت الاعتبار للمجتمع والناس والحياة اليومية بوصفها موضوعات جديرة بالبحث والتوثيق. وتشير المادة المنشورة في صفحة «العراق أيام زمان» سنة 2015 إلى مسيرتها التعليمية والأكاديمية، فيما يقدم مقال الدكتور إبراهيم خليل العلاف صورة أكثر تفصيلاً عن منهجها العلمي ومكانتها بين المؤرخات العراقيات المعاصرات.

إن أهمية مليحة رحمة الله لا تتحدد بعدد البحوث أو المناصب الأكاديمية التي شغلتها، وإنما في طبيعة السؤال الذي حملته إلى كتب التاريخ. فقد جاءت في زمن كان فيه المؤرخ كثيراً ما ينظر إلى الدولة من أعلى، إلى الخليفة والوزير والجيش والحرب، بينما اختارت هي أن تنظر إلى المجتمع من داخله: إلى المرأة، والحرفي، والتاجر، والعالم، والعامة، والجواري، وأهل الذمة، وإلى المجالس والملابس والغناء والتعليم والعادات. وبذلك جعلت من التاريخ الاجتماعي وسيلة لفهم حركة المجتمع لا مجرد إضافة موضوعات جديدة إلى كتب التاريخ.

وإذا كانت الدراسات السياسية تروي كيف قامت الدول وسقطت، فإن الدراسات التي تبنتها مليحة رحمة الله حاولت أن تجيب عن سؤال آخر: كيف كان الناس يعيشون داخل تلك الدول، وكيف أسهمت أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في استمرارها أو اضطرابها؟ وهذه الرؤية هي التي منحت أعمالها قيمتها، وجعلتها واحدة من الرائدات في دراسة التاريخ الاجتماعي العربي في العراق.

وقد كرمتها دار الحكمة سنة 2025، وفق ما تذكره المادة التي استندت إليها هذه السيرة، كما تشير المصادر المتاحة إلى أنها تقيم في الولايات المتحدة، مع اختلاف بعض الروايات في بعض التفاصيل الزمنية من دون أن يؤثر ذلك في مجمل سيرتها العلمية. وتبقى مليحة رحمة الله اسماً بارزاً في تاريخ المؤرخات العراقيات؛ لأنها لم تكتفِ بقراءة الماضي كما رواه المؤرخون السابقون، بل حاولت أن ترى ما وراء الأحداث، وأن تمنح الحياة اليومية للناس مكانها الطبيعي في كتابة التاريخ.

قد يعجبك ايضا