الباحث: رەنج باراوی
من تاريخ المقاومة والتضحية نحو جيش وطني موحد
في تاريخ الشعوب، ليست بعض العناوين والتعابير مجرد حروف وكلمات، بل هي حاملة لحجم عظيم من الدلالات الروحية، التاريخية والوطنية؛ وفي قاموس الحركة التحررية الكوردية، تُمثل «البیشمەرکە» ذروة ذلك الشموخ وفلسفة المقاومة. فكلمة بيشمەرگە، المُتكونة من مقطعين هما «پێش» (المتقدم) + «مەرگ» (الموت)، تُعريف في جوهرها ذلك الإنسان المؤمن الذي وضع روحه على كفه طوعاً في سبيل أرض وطنه وحريته، متحدياً الموت بكل إباء. وقد وُلد هذا التعبير في المراحل العصيبة من النضال، وأُطلق على أولئك الأفراد الذين حملوا سلاح الدفاع بإيمان عميق وبعيداً عن المصالح الضيقة، مدافعين عن الحقوق المشروعة لشعب كوردستان.
ومن منظور تاريخي أدق، لم يكن الشعب الكوردي بحاجة إلى قوة تحميه فحسب، بل كان دائماً بحاجة إلى درع يصون كرامته في مواجهة الظلم والمستبدين. فلم تُخلق البیشمەرکە في حقبة أو مرحلة واحدة، بل هي حصيلة سلسلة مضيئة من المحطات الخالدة؛ بدءاً من الجذور التاريخية وجمهورية كوردستان في مهاباد، مروراً بثورتي أيلول وكولان، وصولاً إلى انبعاث الثورة المعاصرة ونضال الانتفاضة المباركة. وفي كل هذه المحطات، كانت البیشمەرکە منارة تضيء أظلم المراحل التاريخية وحارسة للكرامة الوطنية.
وفي خضم هذا التاريخ المفعم بالفخر، كانت المرأة البیشمەرکە دوماً جنباً إلى جنب مع الرجل، وبالإيمان والشجاعة ذاتهما، حاملة السلاح في جبال الصمود وفي مختلف المراحل، لتثبت أن النضال الوطني هو واجب كل فرد في الوطن بلا استثناء. وإلى جانب ذلك، ارتبط مسار البیشمەرکە دائماً بالتضحيات الجسام؛ فقد قدمت العوائل، وأمهات الشهداء الأبرار، والجرحى ومعاقو ساحات الوغى، أغلى الأثمان في سبيل حق تقرير المصير واستعادة حقوق الكورد المغتصبة، ويبقى الوفاء لحقوقهم واجباً أخلاقياً ووطنياً سامياً.
وفي غمرة الانفاس الحرّى للهجرة المليونية الكبرى، وكارثة الأنفال، وفي محطات لاحقة بوجه أوحش القوى الإرهابية مثل تنظيم داعش، دافعت البیشمەرکە بدمائها الزكية عن أرواح وممتلكات جميع المواطنين دون تمييز (من كورد، توركمان، مسيحيين، إزديين وعموم المكونات)، لتؤكد مجدداً أنها السور المتين لصون التعايش السلمي، ماضياً وحاضراً. وإلى جانب ذلك، لم تكن البیشمەرکە في كثير من المحطات حارسة للإنسان والأرض فحسب، بل كانت حامية للطبيعة والبيئة الوطنية أيضاً.
المكانة الدستورية، القانونية والنظرة الدولية للبیشمەرکە:
اكتسب هذا الدور الوطني بعد سقوط النظام البائد وإقرار الدستور العراقي الفيدرالي لسنة ٢٠٠٥، بُعداً رسمياً ودستورياً راسخاً ومعترفاً به. فاستناداً إلى المادة (١٢١) من الدستور العراقي الفيدرالي، يحق لإقليم كوردستان إنشاء وتنظيم سلطاته الإدارية والأمنية، وبهذا الإطار تم الاعتراف رسمياً بـ مكانة قوات البیشمەرکە كقوة دستورية والجزء الأساسي من منظومة الدفاع الاتحادي. فضلاً عن ذلك، وبموجب قانون وزارة البیشمەرکە (رقم ٣٨ لسنة ٢٠٠٧)، عُرفت البیشمەرکە كقوة نظامية وطنية تضطلع بمهمة حماية كيان الإقليم وأمن المواطنين.
وعلى الصعيد الوطني، تُمثل البیشمەرکە تاج السيادة ورمز شموخ إقليم كوردستان؛ أما على الصعيد الدولي، وعندما وقفت في خط الدفاع الأول عن العالم بأسره في مواجهة الإرهاب، فقد شهد لها كبار القادة والدوائر العسكرية الحليفة؛ على سبيل المثال، وصف القادة العسكريون والدبلوماسيون الأمريكيون وقوات التحالف البیشمەرکە بأنها «إحدى أوج وأوثق حلفاء العالم في الحرب ضد الإرهاب». وفي ذات السياق، وعلى مستوى الأدب الإقليمي، أرسل شاعر العرب المشهور (محمد مهدي الجواهري) في قصيدته الشهيرة الخاصة بكوردستان، تحياته الملؤها الشوق لجبال كوردستان الشامخة وأبطال ساحات الوغى قائلًا: (قلبي لكوردستان يهدى والفم…)، مما أضفى طابعاً إنسانياً وعُرفياً سامياً على نضال البیشمەرکە في الذاكرة الأدبية للمنطقة.
أما فيما يتعلق بمسار توحيد قوات البیشمەرکە حديثاً لتغدو جيشاً وطنياً موحداً، وفي هذا السياق لعب السيد (نيجيرفان بارزانی)، رئيس إقليم كوردستان، بصفتهِ القائد العام للقوات المسلحة، دوراً رئيسياً وحاسماً في توجيه والإشراف على خطوات الإصلاح في وزارة البیشمەرکە وتوحيد القوات ضمن إطار جيش وطني مهني. ورغم أن هذه العملية قد واجهت في الواقع عقبات حزبية، لوجستية ومالية عميقة، إلا أن الإرادة السياسية الحازمة، والجهود المستمرة لرئيس الإقليم الرامية إلى تقريب وجهات نظر الأطراف والحفاظ على التوازن، شكلت عاملاً أساسياً في تقدم هذا المسار، إلى جانب التعاون والمشاورات المستمرة مع التحالف الدولي.
وفي هذا السياق، يرتبط النجاح الحقيقي لهذه العملية ارتباطاً وثيقاً بـ الأسس المؤسساتية عبر وزارة البیشمەرکە ومشروع الإصلاح المشترك، فضلاً عن السعي نحو النأي التام عن التدخلات الحزبية وإضفاء الطابع الوطني الشامل على القوة؛ لكي تكون البیشمەرکە تابعة حصراً للقانون، لرئاسة الإقليم وللقيادة العامة، ومدافعة عن جميع المواطنين بغض النظر عن ألوانهم وانتماءاتهم. وإلى جانب ذلك، يمثل تطوير الأكاديميات والكليات العسكرية وتبني التكنولوجيا وعلوم العسكر الحديثة مفتاحاً أساسياً لبناء قوة متقدمة وعالية الكفاءة.
وفي علاقتها مع الحكومة الاتحادية العراقية، فإن التعامل مع البیشمەرکە كقوة وطنية ليس أمراً بسيطاً يُحسم بقرار عابر، بل يتطلب في إطار الدور الدبلوماسي والقيادة السياسية للإقليم لتنفيذ الدستور وتحقيق التوازن بين القوات الاتحادية والبیشمەرکە اتفاقات دقيقة حول تخصيص الموازنة وتأمين الاحتياجات العسكرية وفق قوانين الموازنة الاتحادية، لتغدو شريكاً حقيقياً في حفظ الأمن القومي والاستقرار في العراق.
ختاماً، وفي منطقة تعج بالتعقيدات والتحولات كشرق أوسطنا، لا يُعدّ وجود قوة بيشمەرگە نظامية موحدة مجرد عامل فريد لحماية الكيان الدستوري لإقليم كوردستان وضمان مستقبل آمن فحسب، بل هو ضرورة ملحة لملء الفراغات الأمنية في المناطق المتنازع عليها من خلال غرف العمليات المشتركة مع القوات الاتحادية للقضاء نهائياً على بقايا الإرهاب، ولتكون دعامة حقيقية للأمن والاستقرار في المنطقة.
________________________________________________
المصادر:
۱. الدستور:
الدستور العراقي الفيدرالي (٢٠٠٥)، المادة (١٢١)، الخاصة بصلاحيات إقليم كوردستان وتنظيم السلطة الإدارية والأمنية، ص ١ – ٥٢.
۲.القوانين الرسمية:
قانون وزارة البیشمەرکە في إقليم كوردستان – العراق، القانون رقم (٣٨) لسنة ٢٠٠٧، جريدة وقائع كوردستان الرسمية، العدد (٨٠)، لسنة ٢٠٠٧، ص ١ – ١٥.
۳. المصادر الأدبية والتاريخية:
ٱ:ديوان الجواهري (المجلد الثالث، طبعة دار الكتب)، القصيدة التاريخية “كوردستان يا موطن الأبطال” (التي أُلقيت عام ١٩٦٤ في مؤتمر اتحاد الطلبة الكورد في أوروبا بصوت الشاعر، والتي تضم البيت الخالد: قلبي لكردستان يهدى والفم)، ص ٢٤٥ – ٢٥٢.
ب: تاريخ الحركة التحررية الكوردية، محطات جمهورية كوردستان في مهاباد، ثورات أيلول وكولان، وانتفاضة عام ١٩٩١ المجيدة.
٤. التقارير والوثائق الدولية:
التقارير والتصريحات الرسمية للتحالف الدولي ضد داعش (بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية) بشأن دور البیشمەرکە كشريك رئيسي وموثوق في الحرب ضد الإرهاب خلال أعوام (٢٠١٤ – ٢٠١٧)، الأرشيف الرسمي لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، ص ١٢ – ١٨.