مهند محمود شوقي
لطالما تساءلت عن السبب الذي يجعل بلداً غنياً بموارده الطبيعية عاجزاً أحياناً عن توفير حياة مستقرة لسكانه، بينما تنجح بلدان أقل ثراءً في بناء اقتصادات قوية توفر العمل والرفاهية لأجيالها. والإجابة، كما تخبرنا تجارب الدول، لا تكمن في حجم الثروة وحدها، وإنما في طريقة التفكير بها وإدارتها. فالنفط قد يمول دولة لعقود، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يصنع اقتصاداً متكاملاً، كما أن الجبال والأنهار والأراضي الزراعية والمواقع الجغرافية لا تتحول إلى ثروات حقيقية ما لم توجد رؤية قادرة على استثمارها.
هذه الفكرة تعيدنا إلى كوردستان، التي عاشت سنوات طويلة وسط معادلة اقتصادية معقدة، تمتلك فيها مقومات واسعة للنمو، لكنها ظلت تتأثر بتقلبات النفط والخلافات المالية مع بغداد والأزمات الإقليمية. وربما كان الدرس الأهم الذي خرجت به من تلك التجارب أن الاستقرار الاقتصادي لا يتحقق بانتظار الإيرادات، وإنما ببناء مصادر متعددة لها، بحيث لا تتوقف حياة الناس ومستقبل أعمالهم على قرار سياسي أو تغير في أسعار الطاقة.
ومنذ توليه رئاسة حكومة إقليم كوردستان في تموز 2019، وضع مسرور بارزاني تنويع مصادر الدخل ضمن أولويات حكومته. ولم تكن المهمة سهلة في ظل الأزمات المالية والتحديات السياسية التي واجهها الإقليم، لكن الاتجاه نحو الزراعة والصناعة والسياحة وتشجيع القطاع الخاص حمل تصوراً مختلفاً لدور الاقتصاد في مستقبل كوردستان. فالمطلوب لم يعد مجرد زيادة الإيرادات الحكومية، بل توسيع قدرة المجتمع على الإنتاج والعمل، وفتح المجال أمام رأس المال المحلي والأجنبي للمشاركة في بناء قطاعات تستطيع الاستمرار والنمو.
ولعل ما شهدته زاخو في الخامس والعشرين من تشرين الأول 2026 يقدم مثالاً واضحاً على هذا التوجه. ففي يوم واحد، اجتمعت السياحة والتجارة والصناعة ضمن مجموعة من المشاريع التي شارك رئيس الحكومة في افتتاح بعضها ووضع الحجر الأساس للبعض الآخر. وقد تبدو زاخو مدينة بعيدة عن المراكز الاقتصادية الكبرى، لكنها تمتلك من المقومات ما يجعلها مؤهلة للعب دور يتجاوز حدودها المحلية، بفضل موقعها القريب من تركيا واتصالها بحركة التجارة بين العراق والأسواق الخارجية، فضلاً عن طبيعتها التي تمنحها فرصاً سياحية واسعة.
مشروع «كلي زاخو» السياحي، الذي تبلغ كلفته المعلنة نحو 120 مليون دولار، يمثل محاولة لتحويل الجمال الطبيعي إلى نشاط اقتصادي منظم. فالسائح الذي يأتي للاستمتاع بالجبال والوديان يحتاج إلى فندق ومطعم ووسائل نقل وأسواق وخدمات، وكل واحدة من هذه الاحتياجات تفتح باباً للعمل والاستثمار. ومن هنا تصبح السياحة سلسلة اقتصادية يستفيد منها أصحاب المشاريع الصغيرة والعمال والمزارعون وأصحاب المهن، ولا تقتصر عوائدها على المستثمر الذي أنشأ المشروع.
وقد استوقفتني إشارة مسرور بارزاني إلى نظافة المواقع التي زارها في زاخو وحرص الأهالي على بيئتهم. فهذه التفاصيل التي قد تمر في الخطابات الرسمية دون اهتمام كبير، تمثل في الواقع جزءاً من ثقافة اقتصادية تحتاجها المدن السياحية. فالزائر لا يحمل معه انطباعاً عن جمال الطبيعة فقط، بل عن سلوك المجتمع ونظافة المكان وجودة الخدمات. وإذا كانت الطبيعة هبة جغرافية، فإن المحافظة عليها مسؤولية بشرية، وهي من العوامل التي تحدد قدرة الوجهة السياحية على المنافسة والاستمرار.
وفي الجانب الآخر من زاخو، افتُتح مركز «غولدن غلوبال ديفلوبمنت» لتوزيع سيارات نيسان، ضمن مشروع تتجاوز كلفته المعلنة عشرين مليون دولار، ويستهدف توزيع نحو ألفي مركبة شهرياً إلى الأسواق العراقية. وربما تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمنح كوردستان دوراً أوسع في حركة التجارة والخدمات الفنية، مستفيدة من موقعها وشبكة علاقاتها الاقتصادية. فبدلاً من أن تكون مجرد سوق تستقبل البضائع، تستطيع أن تصبح مركزاً لتوزيعها وصيانتها وتقديم الخدمات المرتبطة بها.
لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في دخول صناعة السيارات إلى المشهد الاقتصادي، من خلال الاتفاق بين شركة «جيتور» الصينية ومجموعة «هارلم» لإنشاء مصنع في زاخو. وهذه الخطوة، إذا استكملت مراحلها ووصلت إلى الإنتاج الفعلي، يمكن أن تفتح أمام الإقليم تجربة صناعية جديدة، خصوصاً أن صناعة السيارات لا تتعلق بالمركبة وحدها، بل بما يحيط بها من مهارات هندسية وصيانة وقطع غيار وخدمات نقل وتدريب فني.
والفارق كبير بين أن نستورد سيارة جاهزة وبين أن نبدأ بتجميعها ثم نتدرج نحو تصنيع بعض مكوناتها محلياً. ففي الحالة الأولى يذهب الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية إلى الخارج، أما الثانية فتمنح العمال والمهندسين والشركات المحلية فرصة لاكتساب الخبرة والمشاركة في الإنتاج. وقد تحتاج هذه العملية إلى سنوات طويلة حتى تنضج، لكنها تبدأ عادة بخطوات متواضعة تتطور مع الوقت، كما أثبتت تجارب صناعية عديدة في آسيا.
وهنا تبرز أهمية العلاقة مع الصين، ليس باعتبارها شريكاً تجارياً كبيراً فحسب، بل بوصفها مصدراً محتملاً للتكنولوجيا والخبرة الصناعية. فكوردستان لا تحتاج إلى زيادة حجم الاستيراد بقدر حاجتها إلى استثمارات تنقل المعرفة وتؤسس لمهارات جديدة. والشراكة الناجحة هي التي تجعل المستثمر الأجنبي يجد مصلحته في السوق، وفي الوقت نفسه تمنح العامل المحلي فرصة للتعلم والتقدم، وتتيح للشركات الصغيرة أن تصبح جزءاً من النشاط الإنتاجي.
ومن الخطأ النظر إلى هذه المشاريع بمعزل عن القطاع الزراعي الذي يشكل أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية الممكنة في كوردستان. فالأرض والمياه والمناخ تمنح الإقليم قدرة على توسيع إنتاجه الغذائي، لكن القيمة الحقيقية للزراعة لا تتوقف عند الحصاد، وإنما تمتد إلى التصنيع الغذائي والتخزين والتعبئة والتصدير. والمزارع الذي يجد مصنعاً يشتري محصوله وسوقاً تستوعب إنتاجه يصبح أكثر قدرة على التخطيط والتوسع، وبذلك تتكامل الزراعة مع الصناعة والتجارة في دورة اقتصادية واحدة.
ولعل تنويع الاقتصاد لا يعني التخلي عن النفط، فهو سيبقى مورداً مهماً، لكنه يعني ألا يكون المورد الذي تتوقف عليه بقية القطاعات. وقد أثبتت الخلافات المالية المتكررة بين أربيل وبغداد مقدار ما يمكن أن تتركه العلاقة غير المستقرة بين الإيرادات والإنفاق من آثار مباشرة على المواطنين. ولذلك فإن بناء مصادر دخل إضافية يمثل ضرورة اقتصادية واجتماعية، دون أن يسقط الحقوق الدستورية للإقليم في الموازنة والثروات العامة، أو يعفي الحكومة الاتحادية من التزاماتها.
والتحدي الحقيقي أمام حكومة كوردستان هو أن يشعر المواطن بهذا التحول في حياته اليومية. فالمصنع لا تُقاس أهميته بمساحته، والمشروع السياحي لا يكتسب قيمته من كلفته المالية وحدها، وإنما من فرص العمل التي يوفرها، والأجور التي يدفعها، والمهارات التي يضيفها، وحجم النشاط الذي يولده حوله. والشاب الذي يجد عملاً في مدينته، ويتعلم مهنة تمنحه مستقبلاً، هو أحد أهم المؤشرات على نجاح أي سياسة اقتصادية.
لهذا أرى أن ما يجري في زاخو يستحق القراءة باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تعريف دور كوردستان الاقتصادي. فالإقليم الذي عرفه العالم من خلال قضاياه السياسية وتاريخه الصعب وموقعه في معادلات المنطقة، يمتلك فرصة لأن يقدم نفسه أيضاً بوصفه بيئة للاستثمار والسياحة والصناعة والتجارة. وهذا التحول يحتاج إلى وقت وإدارة مستقرة وقوانين واضحة وثقة متبادلة بين الحكومة والمستثمر والمواطن، فضلاً عن الاستمرار في تطوير البنية التحتية والتعليم المهني والخدمات.
ولا ينبغي أن نبالغ في اعتبار كل مشروع جديد تحولاً اقتصادياً مكتملاً، فالتجارب الناجحة لا تُبنى بالإعلانات وحدها. لكن من الإنصاف أيضاً أن نقرأ الاتجاه الذي تسير نحوه هذه الخطوات، وأن نميز بين اقتصاد يستهلك ما يصل إليه واقتصاد يحاول أن يصنع جزءاً متزايداً مما يحتاجه. وبين النموذجين مسافة طويلة من العمل والتخطيط، غير أن البداية تكمن في إدراك ضرورة الانتقال من الأول إلى الثاني.
وربما تكون القيمة الأعمق لهذه المشاريع أنها تعيد طرح سؤال المستقبل بلغة مختلفة. فبدلاً من أن ينشغل المجتمع وحده بحجم الإيرادات التي ستصل هذا الشهر، يصبح من الممكن أن يناقش عدد المصانع التي ستعمل خلال السنوات المقبلة، وحجم المنتجات التي ستخرج من كوردستان إلى الأسواق، وعدد السياح الذين سيزورون مدنها، والفرص التي ستتاح لأبنائها.
لقد دفعت كوردستان ثمناً كبيراً عبر تاريخها لحماية أرضها ووجودها وحقوق شعبها، وهي اليوم أمام مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تحويل ما تمتلكه من موارد وموقع وطاقات بشرية إلى اقتصاد يمنح أجيالها مزيداً من الاستقرار. وإذا استطاعت حكومة مسرور بارزاني أن ترسخ هذا الاتجاه، وتربط المشاريع الجديدة بمنظومة إنتاجية متكاملة، فإن الإنجاز الأهم لن يكون في عدد المشاريع التي افتُتحت، بل في انتقال كوردستان تدريجياً من اقتصاد يعتمد على موارده إلى اقتصاد يصنع فرصه، ومن سوق للاستهلاك إلى مركز للإنتاج والاستثمار، ومن أرض تمتلك مقومات الازدهار إلى مجتمع يجني ثمارها.