إعداد ـ التآخي
تمثل حماية قوت الناس والأمن المعيشي للسكانفي أوقات الأزمات المالية والاقتصادية الحادة أحد أعمق التحديات التي تواجه صانع القرار، إذ تتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على الاستقرار المالي للدولة ومنع الانزلاق نحو المجاعة أو الاضطرابات الاجتماعية الواسعة.
تتنوع الأساليب والسياسات التي تلجأ إليها الحكومات تاريخيا ومعاصرا، وغالبا ما تتدرج بين أدوات مالية، ونقدية، وتنظيمية مباشرة. فيما يلي أبرز تلك الأساليب، مدعومة بشواهد تاريخية واضحة.
الأساليب والسياسات المباشرة وغير المباشرة لحماية المعيشة: سياسات التسعير والبطاقة التموينية لضبط الأسواق، يجري فيها التدخل المباشر عبر تحديد سقوف سعرية للسلع الأساسية كالخبز والدقيق والحليب، أو إنشاء شبكات توزيع مدعومة بالكامل أو جزئيا مثل البطاقات التموينية والحصص العينية لضمان وصول الحد الأدنى من الغذاء لكل أسرة بغض النظر عن تقلبات الأسواق.
كما يجري الامر بوساطة شبكات الأمان الاجتماعي والتحويلات النقدية بالانتقال من دعم السلع عموما إلى الدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة والأكثر هشاشة، لتخفيف صدمات التضخم وتمكينهم من شراء احتياجاتهم الأساسية بمرونة. كما يجري اللجوء الى سياسات التشغيل ودعم الأجور بإطلاق برامج الأشغال العامة الكبرى مثل مشاريع البنية التحتية لامتصاص البطالة الناتجة عن الكساد، إلى جانب ربط الحد الأدنى للأجور بمعدلات التضخم الفعلية للحفاظ على القدرة الشرائية.
في الأزمات المالية الخارجية، تعمد الحكومات إلى توجيه العملة الصعبة المتاحة حصرالاستيراد المواد الغذائية الأساسية والأدوية والمحروقات، وتقليص استيراد السلع الكمالية.
من الشواهد التاريخية لمواجهة الأزمات الاقتصادية ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية “السياسة الجديدة” (New Deal) عام 1933، ففي مدة الكساد الكبير (The Great Depression)، وجد الرئيس فرانك روزفلت نفسه أمام بطالة غير مسبوقة وانهيار في الأسعار الزراعية وقوت ملايين العائلات. تمثلت الاستجابة في تأسيس إغاثة الطوارئ الفيدرالية لتقديم المعونات المباشرة للفقراء، و إطلاق مشاريع تشغيل عملاقة عبر هيئة وادي تينيسي (TVA) وغيرها، لتشغيل ملايين العاطلين، وسنتشريعات لحماية صغار المزارعين وضمان أسعار عادلة للمنتجات الزراعية تمنع انهيار الغذاء.
في المملكة المتحدة وأوروبا الغربية طبق نظام التقنين الغذائي إبان الحرب العالمية الثانية، فبرغم أن الأزمة كانت عسكرية في جوهرها، إلا أنها خلقت أزمة معيشية واقتصادية خانقة وشحا حادا في الموارد. طبقت حكومات مثل بريطانيا نظام التقنين الصارم (Rationing) للحاجات الأساسية كاللحوم والسكر والشاي والزيوت، عبر دفاتر حصص لكل مواطن بغض النظر عن طبقته أو ثروته، مما ضمن توزيعا عادلاللغذاء المتاح ومنع الاحتكار أو الارتفاع الجنوني للأسعار.
في سنغافورة جرت الاستجابة الهيكلية لأزمة الانفصال والاستقلال (1965 وما بعدها): عندماواجهت سنغافورة أزمة وجودية واقتصادية حادة تتمثل في انعدام الموارد الطبيعية وشح الغذاء والبطالة الهيكلية، طبقت الحكومة نهجا مزدوجا،تأسيس مؤسسات إسكان شعبي كبرى (HDB) لضمان استقرار المعيشة الأساسية للمواطنين بأسعار زهيدة، وتوجيه الاقتصاد نحو التصنيع الموجه للتصدير مع فرض رقابة مشددة على الأسواق واجتثاث الفساد، مما حول الأزمة التاريخية إلى معجزة تنموية ضمنت الرفاه الاجتماعي.
الأرجنتين اجرت خطط التحويلات والنقاط الطارئة خلال أزمة 2001 ـ 2002، فعقب الانهيار المالي التاريخي وتخلي البلاد عن ربط العملة، أنشأت الحكومة برنامج “رؤساء الأسر” (Jefes de Hogar)، وهو برنامج واسع للتحويلات النقدية المشروطة استهدف العائلات التي فقد معيلوها أعمالهم، شريطة التزام أبنائهم بالتعليم والرعاية الصحية الأساسية، مما أسهم في نزع فتيل الأزمة الاجتماعية الطاحنة.
إن نجاح أي حكومة في عبور الأزمات الاقتصادية وحماية قوت شعبها يظل مرهونا بمدى كفاءة مؤسساتها، وشفافيتها في إدارة الموارد المتاحة، والقدرة على توجيه الدعم لمستحقيه الفعليين دون إهدار للمال العام.
الأزمة الآسيوية في السبعينات
تعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 واحدة من أبرز وأعنف الأزمات المالية والنقدية في التاريخ الحديث؛ إذ تحولت في غضون أشهر قليلة من أزمة عملة محلية في دولة واحدة إلى “عدوى مالية” عابرة للحدود، هددت المنظومة الاقتصادية العالمية بأسرها وأطاحت بمكتسبات تنموية استمرت لعقود فيما كان يعرف بـ “المعجزة الآسيوية”. فيما يلي قراءة مركزة في أسباب هذه الأزمة، وتداعياتها المعيشية، والأساليب التي اتخذتها الحكومات للتصدي لها لحماية قوت شعوبها والاستقرار الاجتماعي.
ابان الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، حققت دول شرق وجنوب شرق آسيا مثل تايلاند، إندونيسيا، و كوريا الجنوبية، وماليزيا معدلات نمو اقتصادي قياسية. غير أن هذا النمو الخاطف كان يحمل في طياته نقاط ضعف هيكلية خطيرة، اذ ربطت معظم هذه الدول عملاتها الوطنية بالدولار، مما أعطى انطباعازائفا بالاستقرار وشجع الشركات والبنوك على الاقتراض بالدولار بأسعار فائدة منخفضة.ودخلت مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل واستثمرت في مشاريع غير إنتاجية، لا سيما العقارات والأسهم، مما خلق فقاعات اقتصادية ضخمة.
كان القطاع المصرفي يعاني من تراكم القروض الرديئة وسوء الإدارة وعدم الكفاءة في تقويم المخاطر.
في تموز 1997، لم تعد الحكومة التايلاندية قادرة على الدفاع عن عملتها (الباثت Baht) أمام مضاربات الأسواق وانخفاض احتياطياتها من النقد الأجنبي، فأعلنت تعويم العملة. انخفضت قيمة الباثت فورا، وسرعان ما انتقلت العدوى عبر تسارع حركة سحب رؤوس الأموال الأجنبية إلى ماليزيا، وإندونيسيا، وكوريا الجنوبية، والفيليبين.
أدت الأزمة إلى انهيار قيم العملات الوطنية بنسب تجاوزت 50% إلى 80% في بعض الدول، وأسفرت عن تضخم جامح، اذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع المستوردة والوقود بشكل جنوني. وافلست الشركات وتكرست البطالة الجماعية: أغلقت آلاف الشركات والبنوك أبوابها، مما أدى إلى تسريح ملايين العمال وفقدانهم لمصادر دخلهم. وتراجعت شريحة واسعة من الطبقة الوسطى نحو خط الفقر، وظهرت تهديدات جدية للأمن الغذائي والرعاية الصحية.
برز نهجان متضادان لحماية المعيشة والاستقراروتفاوتت استجابات حكومات المنطقة لمواجهة الأزمة وحماية مستويات معيشة مواطنيها، ويمكن تقسيم هذه الاستجابات إلى نمطين رئيسين. نهج ماليزيا بالاعتماد على الذات والحلول الوطنية، اذ رفض رئيس الوزراء الماليزي آنذاك (مهاتير محمد) وصفة صندوق النقد الدولي، واتخذ قرارات جريئة شملت، فرض قيود صارمة على حركة رؤوس الأموال (Capital Controls) ومنع خروج الأموال الأجنبية وحظر المضاربة على العملة الوطنية (الرينغيت).
وجرى تثبيت سعر الصرف: ثبت العملة عند مستوى حماية محدد لمنع تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وجرى دعم السلع والأسعار اذ ضخت الحكومة تدابير مالية لدعم المواد الغذائية الأساسية والخدمات الاجتماعية، وتجنب رفع أسعار الفائدة الحادة التي كانت ستسحق المزارعين وصغار الكسبة. النتيجة: نجحت ماليزيا في التعافي بسرعة نسبية، وحافظت على نسيجها الاجتماعي وأمنها الغذائي من دون الوقوع تحت وطأة الديون المكبّلة أو شروط التقشف القاسية.
نهج كوريا الجنوبية وإندونيسيا (التعاون مع المؤسسات الدولية مع برامج حماية استثنائية):لجأت هذه الدول إلى صندوق النقد الدولي للحصول على حزم إنقاذ مالية ضخمة، واضطرت إلى رفع أسعار الفائدة وهيكلة القطاع المصرفي. ولكبح التداعيات المعيشية الصعبة، نفذت الحكومات آليات طارئة، في كوريا الجنوبيةبوساطة التكافل الشعبي وإعادة الهيكلة، اذشهدت كوريا حركة شعبية تاريخية عام 1998 عرفت بـ “حملة جمع الذهب”، حيث تبرع ملايين السكان بحليهم ومقتنياتهم الذهبية لدعم احتياطي الدولة من النقد الأجنبي. ووسعت الحكومة شبكة الأمان الاجتماعي، وأطلقت برامج تشغيل طارئة للعاطلين عن العمل، ورفعت الإنفاق على التأمين ضد البطالة.
إندونيسيا (برامج الإغاثة الغذائية المباشرة):نتيجة الأزمة الحادة والاضطرابات السياسية، أطلقت الحكومة بالتعاون مع المنظمات الدولية برنامج (JPS Jaringan Pengaman Sosial) أو “شبكة الأمان الاجتماعي”، الذي ركز على توزيع الأرز بأسعار مدعومة شديدة الانخفاض للعائلات الفقيرة لضمان عدم حدوث مجاعة.
كانت الأزمة المالية الآسيوية لعام 1997 بمنزلةجرس إنذار مبكر للعالم بشأن مخاطر العولمة المالية غير المنظمة. وأفرزت دروسا أساسية اعتمدتها الدول لاحقا لحماية اقتصادها وقوت مواطنيها من ذلك بناء احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، اذ تعلمت دول شرق آسيا ألا تعتمد على القروض الخارجية قصيرة الأجل، وأصبحت تحتفظ باحتياطيات نقدية جبارة كمصدات ضد الصدمات. وجرى ربط النمو المالي بالإنتاج الحقيقي بالتوسع في الاستثمار بالصناعة والتكنولوجيا والتعدين بدلا من الاعتماد على الفقاعات العقارية والأسواق المالية الفائقة التذبذب.
توصلوا الى إدراك أن برامج الحماية الاجتماعية كالبطاقة التموينية ودعم المواد الغذائية والضمان الصحي ليست مجرد إنفاق رفاهي، بل هي حائط الصد الأول لمنع انهيار السلم الأهلي والمعيشي في أوقات الأزمات الكبرى.
الازمة المالية في العراق
في العراق أزمة مالية حالية نجمت عن تخفيض سعر الدينار العراقي مقابل الدولار بواقع ١٥٢٠ بدلا من ١٣٢٠ دينار لكل دولار وقد تسبب الإجراء في تصاعد فوري لأسعار السلع لاسيما الغذائية، إذ يعتمد البلد على السلع المستوردة وغياب المنتج المحلي، وتزايدت مخاوف الناس من التأثير الكبير على مستوى معيشتهم…وأخذ بعض الناس يطالبون بمنحهم رواتبهم بالدولار بدلا من الدينار كأحد العلاجات، فهل يمثل ذلك حلا حقيقيا؟
يسلط هذا الطرح الضوء على جوهر الأزمة التي تلي عادة قرارات خفض قيمة العملة الوطنية، لا سيما في الاقتصادات الريعية والتجميعية التي تعتمد على الاستيراد لتغطية الغالبية العظمى من السلع الغذائية والاستهلاكية.
فيما يتعلق بـ “دولرة الرواتب” (صرف رواتب القطاع العام بالدولار بدلا من الدينار) كعلاج للأزمة والحد من تدهور المستوى المعيشي، فإن هذا الطرح ينطوي على معضلة اقتصادية وهيكلية معقدة. وبرغم أنه يظهر للوهلة الأولى حلا يضمن للمواطن شراء احتياجاته بسعر ثابت ومحمي من التضخم المحلي، إلا أنه في الواقع لا يمثل حلا حقيقيا أو مستداما، بل قد يضاعف الأزمة لعدة أسباب اقتصادية وموضوعية.
عندما تصرف الدولة الرواتب بالدولار، فإنها تتخلى عمليا عن إدارة سياستها النقدية وأدوات البنك المركزي كالتحكم في المعروض النقدي أو معدلات الفائدة. تصبح الدولة معتمدة كليا على السياسة النقدية للبنك الفيدرالي الأمريكي.
العراق يحصل على إيراداته النفطية بالدولار إلكترونيا، لكن تحويل هذه المبالغ إلى شحنات نقود ورقية كاش (USD Banknotes) لضخها شهريا لملايين الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية، يتطلب ذلك سيولة نقدية هائلة بالدولار الملموس. هذا العرض المعيب حتماسيعزز السوق الموازية والمضاربة ويزيد التضييق المالي. إذا تسلم المواطن راتبه بالدولار واشترى بها سلعا من السوق المحلية، ستتحول التعاملات اليومية كافة مثل المحال التجارية، وأجرة السكن، و الخدمات إلى التقويم بالدولار. وعند أي شح في معروض الدولار في الأسواق المحلية، ستتضاعف الأسعار بالدولار نفسه، مما يعيد إنتاج مشكلة الغلاء ولكن بعملة أجنبية.
تفرز عمليات خفض الدينار ديناميكية مالية تهدف لمساعدة الحكومة على تغطية العجز المالي بالدينار عبر تحويل العائدات النفطية الدولارية إلى كمية أكبر من الدنانير لسداد الموازنة والرواتب. لو قامت الحكومة بدفع الرواتب بالدولار، ستفقد هذه المرونة التمويلية فوراوسيعود العجز المالي للظهور وبشكل أشد خطورة.
ان الحلول السياساتية الحقيقية لحماية قوت الناس في العراق وبدلا من “دولرة الرواتب”،طبقت في دول أخرى، اذ تعمد الدول التي تعالج صدمات تغيير سعر الصرف إلى حزمة إجراءات وتدابير هيكلية مباشرة لتحييد آثار التضخم على الفئات الفقيرة والمتوسطة بتوسيع وتجويد السلة الغذائية (البطاقة التموينية): وهو الحل المباشر والأسرع لمنع انزلاق المواطنين نحو الفقر الغذائي بشراء الحكومة للسلع الأساسية مثل الحنطة، والرز، والزيت، والسكر، والحليب وغيرها من الأساسيات بالدولار الرسمي وتوزيعها مجاناأو بأسعار رمزية ومكثفة عبر البطاقة التموينية، مما يخرج الشريحة الأوسع من المواطنين من مظلة تقلبات أسعار السوق الحر.
وهناك ثمت الدعم النقدي المباشر والموجه برفع المخصصات المالية لشبكة الرعاية الاجتماعية وتوسيع مظلتها، مع مراجعة الحد الأدنى لرواتب صغار المتقاعدين والموظفين بدرجات دنياوزيادتها لتغطية فروقات التضخم، بدلا من التعميم الشامل بالدولار.
ويجب تحفيز وتوطين الإنتاج المحلي السريع، باستغلال كلفة الاستيراد المرتفعة لتقديم حوافز حقيقية وملموسة للمنتجين المحليين في قطاعات الزراعة، والصناعات الغذائية والدوائية، عبر توفير الوقود والدعم المصرفي الميسر لتغطية حاجة السوق بالدينار العراقي.
ويتوجب ضبط منافذ البيع والرقابة على الأسواق بتفعيل أجهزة منع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وتطبيق العقوبات بحق المتلاعبين بالاسعار، وضمان توفير العملة الصعبة بالتسعيرة الرسمية للتجار المستوردين للسلع الأساسية والأدوية حصرا، لمنع انعكاس أسعار السوق الموازية على القوت اليومي.
إن طلب المواطنين للرواتب بالدولار هو رد فعل طبيعي للتعبير عن الخوف من فقدان القدرة الشرائية؛ لكنه معالجة للأعراض وليس للمرض. الحل المستدام يكمن في إغلاق نافذة المضاربة، وتوجيه الوفرة المالية المتأتية من تعديل سعر الصرف نحو حماية السلة الغذائية وتحفيز الإنتاج الوطني لتأمين القوت اليومي.