الكوفي النجفي الحاج أمين كرماشة.. سيرته ومواقفه الوطنية وأعلام اسرته

محمد سعيد الطريحي

كمن بين الأسر النجفية القديمة، اسرة آل كرماشة، ومن بيوتاتها النبيلة بيت المجاهد الحاج أمين عزيز كرماشة (1870 ــ 1932م) والد الأعيان: نعمان أمين، فرمان أمين، سلطان أمين، جهاد أمين. وكنتُ ممّن عرفوا مكانته ومنزلة أولاده الأعيان، مع عدد من العوائل، منذ بواكير عمري، وكان لآبائنا وأجدادنا صلةُ جيرةٍ وصداقةٍ وتعارفٍ مشترك. لهذا كان هذا العمل وغيره سجلًّا أرفعه خدمةً للتاريخ، لأضعه في سلسلة المجموعات التي أعددتها عن الأُسَر والبيوتات النجفية، وقد نشرتُ بعضًا منها، وما يزال القسم الأكبر في طريقه إلى النشر.

قبيلة جليحة

يرجع نسب عشيرة آل كرماشة الى قبيلة جليحة التي تنحدر ارومتها الى قبيلة (كندة) العربية الشهيرة والتي استوطنت الكوفة منذ أوائل القرن الأول الهجري، والجدّ الأعلى لقبيلة جليحة هو الفقيه والمحدّث الكبير أجلح بن عبد الله بن معاوية الكندي، أبو حجية الكوفي، والد عبد الله بن الأجلح، ويقال: اسمه يحيى، والأجلح لقب (ت 145 هـ) “ترجم له الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام مرّتين في حرف الألف بعنوان (الأجلح) وفي حرف الياء بعنوان (يحيى)، كما فعل الأردبيلي في جامع الرواة، والسيد الخوئي في مُعجم رجال الحديث”.

وتُعَدُّ جليحة حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أقوى العشائر وأشدها بأساً وأوفرها رجالاً وأكثرها منعة في مدينة عفج (عفك) ” التابعة ادارياً – الآن – لمحافظة القادسية (الديوانية) بمنطقة الفرات الأوسط جنوب وسط العراق”


الحاج أمين كرماشة (أرشيف محمد سعيد الطريحي)

بين النجف وحائل

هاجرت عشيرة آل كرماشة في أواخر القرن السابع عشر الميلادي من الحسجة (الديوانية) الى مدينة النجف الاشرف بسبب الجفاف وحدوث بعض المشاكل العشائرية مع مجاوريهم، وكانوا يلقبون آنذاك بآل حجي علي الجليحي وعند انتقالهم الى النجف تملَّكوا البساتين في بحر النجف والبيوت والاملاك الخاصة، وفي الفترة التي انتقلوا فيها الى النجف كانت نفوس العراقيين أقل من مليون نسمة بسبب الأوبئة والأمراض والحروب والفيضانات التي أدَّت الى نقص في عدد السكان والى قيام تحالفات عشائرية كثيره مع التغيير المستمر لولاءات وتحالفات القبائل والعشائر، وبعد استقرارهم في النجف امتهنوا مهنة نقل الحجيج من النجف الى الحجاز وكانت لهم خدمات في عدد من الآبار في طريق الحج من النجف الى مدينة حائل “شمال نجد المشهورة بالجبلين الشهيرين جبل سلمى وجبل أجا “، وما زالت عين كرماشة موجودة باسمهم، وكان عدد من أفراد الأُسرة، من أمثال: الحاج حسن وحسين أولاد هادي ادريس كرماشة يزوّدون ِإمارة ابن رشيد بما تحتاجه من المؤونة والسلع فيصدّرونها لهم من النجف الى حائل ونواحيها، وفي النجف تصاهر الكرماشيُّون مع عدد من عوائل النجف في طرف العمارة وكانت لهم عَلْوَة في (الثَلْمة) تُعرف بعلوة آلبو كرماشة. كما كان بعض رجالها أطراف يُطْمَئنُّ اليهم في التحكيم لحلِّ النزاعات التي كانت تحدث بين العشائر النجفية.

لقب الأُسرة

وقد لُقّبوا بآل كرماشة نسبة الى كرماشة بنت الحاج برير بن طوش بن حمد من عشيرة الاكرع، زوجة المرحوم الحاج محسن بن الحاج محمد بن يوسف بن عكاب بن بدر بن شمله الجليحاوي واليهما ينتسب جميع آل كرماشة، والحاج محمد (والد الحاج محسن كان قد أعقب ذرية وافرة من أولاده: (محسن وحسن وعلي)، فأما عقب الحاج محسن من زوجته (كرماشة)، فَهُم (جعفر وغانم وغضبان وسلمان وظاهر وموسى). وأولاد محسن الأربعة الأوائل لهم عقب من الذكور ما خلا ولده (ظاهر) فعقبه من الاناث. وولده السادس (موسى) الذي قُتل ــ بدون عقب ــ في إحدى المعارك التي كانت محتدمة بين فريقي الزكرت والشمرت، ((قتل ابن كرماشة (موسى) حينما كان ينقل الطعام لإخوته وعمومته في الصنكر الخاص بهم وعند تدخل رجال الدين لإعطاء هدنة بين الطرفين بقي صنكر آل كرماشة يُطلق النار، وعند سؤال الناس من الذي يرمي فيقولون ولد كرماشة وهنا انتقل اللقب وتسمى الجميع به وكانت الزعامة الى جعفر ومن ثم غانم وهم اولاد كرماشة)). وقد شمل لقب كرماشة بقية أعقاب إخوة محسن بن محمد بن يوسف (حسن وعلي) فسمّي الجميع بأولاد كرماشة واشتهروا بهذه التسمية بعد مضي جيل أولاد الحاج محسن واخوته بفترة ليست بالطويلة، وتحديداً عندما انقسمت مدينة النجف الاشرف الى طائفتين هما (الزكرت) وهي الجماعة التي كان يؤيدها الكرماشيُّون، واسم الجماعة الثانية (الشمرت).

سيرة الحاج أمين عزيز كرماشة

الحاج أمين بن عزيز بن علي بن محمد بن يوسف بن عكاب بن بدر بن شمله الجليحاوي المعروف بالحاج أمين كرماشة. وُلد عام 1870م بمحلة العمارة في النجف الاشرف، ونشأ وترعرع بها بين عمومته وأُسرته الكريمة، وعاش في أكناف مدينته المقدسة وتربَّى في مجالسها الدينية والاجتماعية حتى اذا شبَّ عن الطوق برز بين أقرانه شاباً يافعاً مشهوراً بقوة الشكيمة والتقوى والإيمان معروفاً بإبائه واعتزازه بقومه ومدينته المقدسة ووطنه وقيمه الأخلاقية السامية. ومارس التجارة وهو في ريعان الشباب مع عمومته وسلك طريقاً اختطَّه لنفسه في العمل التجاري معتمداً فيه على مواهبه وحكمته وحُسن تقديره ومهارة معاملاته، وسرعان ما برزَ اسمه كتاجرٍ بين أفراد عشيرته ومجتمعه، ومن بين الأعمال التي مارسها وهو في عنفوان شبابه وذروة أعماله تصدِّيه لمهنة إيصال الحجاج الى بيت الله من النجف بعد كسبه لثقة الناس به، حيث كان (طريق الحج الكوفي التاريخي المشهور بدرب زبيدة الشهير الممتد من مدينة الكوفة في العراق وصولاً إلى مكة المكرمة) المحطة الرئيسية لتجمع الحجاج من آسيا وأجزاء من بلاد الشام والشرق الإسلامي، منذ القرون الهجرية الأُولى، ولِكَوْن آل كرماشة كانت لهم ــ كما هو شأن عدد من الأًسر النجفية ــ علاقة وطيدة مع شيوخ إمارة آل رشيد في حائل “كآل شلاش وآل شكر وآل الحبوبي وغيرهم والذين رجعوا الى النجف بعد التحاق امارة حائل بالحكم السعودي سنة 1340هـ، وقسم آخر استوطن المدينة المنورة” ومن المهيمنين على طريق الحج آنذاك [كان المرحوم حسن هادي ادريس واخوه حسين وكلاء ابن رشيد لنقل بضائع قبيلة شمَّر من النجف الى حائل وبالعكس ومسؤولين عن حدرة جمالهم]..

من منازل الاسرة داخل وخارج العراق

في عام 1875م هاجر كل من عزيز كرماشة (والد المُتَرجَم له) وابن عمه (جودة كرماشه) الى الشام، واتخذوها وطناً وأسَّسَوا لهم عوائل في دمشق وحلب ولهم عقب كثير يحملون نفس الاسم (كرماشة) الى اليوم. (بالمناسبة، فإنّ الاسرة النجفية المعروفة “آل شربة” هي الأخرى لها فرع في سورية وقد التقيت بعض رجالها في حلب قبل أربعين عاماً”.

[في عام 1900 هاجر أيضا أحد رجالات آل كرماشة، أعني الحاج غضبان كرماشة، الى مدينة طويريج والتي مُصِّرت عام ۱۸۷۰ حيث بدأت الحياة تنتعش في تلك المدينة بعد بناء سدة الهندية الاولى في زمن مدحت باشا، ولأن الحاج غضبان تاجر وله مالية كبيرة في حينها فقد اشترى البساتين في الرجيبة والاملاك في المدينة وكان لولده الكبير محمد نفوذ وشكيمة بحيث تزعم على المدينة. كما هاجرت ذرية جودة كرماشة الى بغداد، وما زال أحفادهم فيها].

عمله التجاري ومواقفه الوطنية

أما الحاج أمين فقد بقي في النجف بعد هجرة أبيه الى الشام ومن ثم سكن أمين بمدينة الكوفة واتخذها مسكناً، وبعد زواج الحاج أمين امتهن ضمان البساتين الزراعية وعمل بتجارة التمور في الكوفة. والتفَّ حوله أبناء مدينته من النجفيين الساكنين بالكوفة وكان فيها من الوجوه المعروفين فيها.. وحينَ نشبَ نزاع بين النجفيين وبعض العشائر المحيطة بالكوفة حول زعامة المدينة، مما اضطر الى تقدم عشائر طرف العمارة على رأس جماعة (الزكرت ــ وآل كرماشة من هذا الفريق) الى الكوفة مستخدمين عربات السكة (الترامواي) وخلفهم الخيَّالة والرجَّالة واستعادوا الكوفة لقيادتهم. وبعد معارك كثيرة تدخَّل رجال الدين وحدث الصلح وبقت الكوفة لرجالها ووجهائها ومنهم الحاج أمين ومن حوله. وكان له دور اجتماعي بارز لحل المنازعات والصلح لما يملك من حكمة واحترام بين أبناء النجف والكوفة.

وحينَ بدأت إرهاصات الحركات الوطنية بتأسيسها في النجف للتخلص من النفوذ العثماني والتصدي للغزو البريطاني كان الحاج أمين من المنضمّين لتلك الحركات التي يقودها فريق من المتنورين من رجال الدين والوطنين وزعماء العشائر، حيث انخرط مع أبناء عمومته كقوة مسلحة تدعم تلك الحركات. وأهم حادث شاركوا فيه بقوة، كان ثورة النجف 1918. وقد تحمَّل الحاج أمين ما تحمَّل من ضغوط سياسية وحياتية بسبب ذلك.

وعند قيام ثورة العشرين “عام 1920م” كان الحاج أمين أحد ثوارها فهو مَن قاد عشيرته في النجف، كما تصدَّر الثوار في مدينة الكوفة ضد المحتلين الانكليز، وكان من المساندين والداعمين لإصلاح المدفع الذي غنمه الثوار (المدفع كان فيه خلل في ابرة الإطلاق) وبعد إصلاحه تمت إصابة الباخرة الانكليزية “فاير فلاي” وإغراقها والاستيلاء على ما فيها من مؤنٍ وذخيرة.

اعتقاله والحكم عليه بالإعدام


من اليمين: الحاج أمين عزيز كرماشة، الشيخ خادم آل غازي رئيس بني حِسَن، حمود الصليلي (في سجن الحلة عام 1921م –

 

وبعد فشل الثورة عسكرياً وما حدث من أحداث بعدها، تم اعتقال المشاركين فيها وصدور الأحكام العرفية ضدهم (سبعة رجال من آل كرماشة تمَّ نفيهم من قبل الإنكليز الى الجزر الهندية)، أما الحاج أمين فحكمت عليه المحكمة الإنكليزية بغرامة قدرها مائة بندقيّة مع حكم الإعدام والذي استُبدل فيما بعد بالسجن بعد دفعه قيمة البنادق نقداً وقد دفعها وكيله ونسيبه الملا سلمان السعد (صاحب عَلْوَة المخَضَّر بمنطقة السراي بالكوفة) حيث كان الحاج أمين ضامناً لتمور بساتين (طُبَر سيد جواد) الزراعية (بالكوفة) فقد خزَّنَ عشرات الأطنان من التمر في داره بالكوفة وأئتمن الملا سلمان عليها وبسبب تداعيات الحرب العالمية الاولى تحسَّنت كثيرا أسعار التمور بأضعاف مضاعفة مما سهل بدفع الغرامة الملا سلمان رحمه الله.”

في سجن الحلة مع السيد هبة الدين الشهرستاني

وقد سُجن مع عدد قادة ثورة العشرين في سجن الحلة وقضى ثلاث سنوات ونصف في السجن.. وقد أشار الى اسمه مع أسماء السجناء الآخرين العلامة المصلح السيد هبة الدين الشهرستاني بأُرجوزته الشعرية عن الثورة التي نظمها في سجن الحلة وفيها أسماء المسجونين أبطال الثورة العراقية “ورد اسم الحاج أمين كرماشة في البيت السابع من الأرجوزة” وهي:

هاك أسامـي نخبـة الآفاق
من حُوكموا في نهضة العراق
سبع وعشرون شيوخ رُؤسا
وستة من نسل أصحاب الكسا
هم هبـة الديـن لأهـل الدين
وحبرنا الحسين من قزوين
والسيـد الوهـاب مظهر الابا
والهادي للحق الزُوين نسبا
والمرشد الحسين من نسل الدده
خاتمهـم محمد ذو المحمده
أحصى الشيوخ كمنـازل القمر
هذا الدليمـي وذاك المفتخر
أشخير مـن آل أبـو سلطـان
ثم الفتـى أمين أبو نعمان
ثـلاثـة إسمـهـم سلـمـان
والمحسنـان والفتى دوهان
عمران ذاك الصارم المصقول
علوان فيهم سيفنا المسلول
والبـر نجـم كالسماوي العابد
ولافتى حـر كعبـد الواحد
علـي المـزعـل للأعـادي
كخادم الغازي كـذا عبادي
خضير العاصـي عن التسليم
والشهم من كان كـابراهيم
طليفح الحـر كـذا فـرحان
متعب أعدانا هو الرحمـن
عبد الجلـيـل صنـــوه العـــــواد
والتاج عبد الرسول الهادي
وابن عنيـن اسمـه عـبـود
وابن الصليلي الفتـى حمود

وفاته وذريته

توفى الحاج أمين كرماشة سنة 1932. وأنجب من زوجته (وهي من آل المعمار) السيدة ام نجاة، زوجة الحاج كريم كرماشة، كما أنجب من زوجته “سومة ناصر النيار العيساوي أربعة أولاد وهم: سلطان ونعمان وفرمان وجهاد”، وَابْنَتَيْنِ “طليعة وحياة”، تزوَّجت الأولى الحاج عباس غضبان محيسن محمد كرماشة، وأولادها: اللواء خضير عباس غضبان (1942-2004). والأستاذ ثامر عباس الغضبان المولود عام 1945 وزير النفط العراقي الأسبق ونائب رئيس الوزراء. [رئيس مؤسسة التسويق النفطي قبل عام 2003، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجيولوجيا من الكلية الجامعة في لندن وعلى شهادة الماجستير في هندسة خزانات النفط من الكلية الملكية بجامعة لندن. كان عضواً في لجنة كتابة الدستور العراقي، عضو في الجمعية الوطنية الانتقالية وعضو اللجنة الاقتصادية في الجمعية الوطنية الانتقالية. رئيس هيئة المستشارين في مجلس الوزراء خلال الأعوام 2006-2015]. والأستاذ مؤنس عباس غضبان المولود عام 1947 مدير عام النسيج بالحلة ومدير مصانع تعليب كربلاء. والعميد حذيفة عباس غضبان المولود عام 1948 مدير شرطة ديالى. والأستاذ حسين عباس غضبان مواليد 1950. أنجب أمين كرماشة أيضا ثلاث بنات (هيبة، دولة
رفعة، نهاية) من زوجته فخرية محمود السعد.

 


الأخوة فرمان ونعمان و سلطان أولاد الحاج أمين كرماشة (1939)

 

الأستاذ نعمان أمين كرماشة

الأستاذ نعمان أمين كرماشة (1904 ــ 1982م) رئيس بلدية الكوفة الأسبق، وصاحب المواقف المشرفة في خدمة الكوفة وأهاليها، وُلد في محلة العمارة بمدينة النجف الاشرف سنة 1904 وانتقل الى مدينة الكوفة مع والده عام 1913 حيث درس بمدرسة الكوفة الابتدائية (والتي أصبحت فيما بعد تسمى بمدرسة ابن حيان الابتدائية).

عُيِّن في 23 حزيران عام 1932 بوظيفة مأمور الاستهلاك في مدينة الكوفة، وفي 9 أيلول 1935 أصبح مدير مال قضاء النجف وكالة، وفي عام 1937 أصبح كاتب ناحية الكوفة، وفي عام 1941 تم تعيينه مأمور النفوس لقضاء النجف لحد عام 1945 حيث تم نقله لوظيفة مأمور النفوس بقضاء الشامية، وفي 1955 قام لفيف من سكان مدينة الكوفة بتقديم عرائض يطلبون فيها تعين نعمان أمين لرئاسة بلدية الكوفة حيث تم رفعها إلى مقام وزير الداخلية ومتصرف لواء كربلاء لما يتوسَّمون فيه من الكفاءة والنزاهة وأنه خير من يصلح لهذه المهمة وقد قام قائمقام النجف في ذلك الوقت السيد مهدي هاشم بتوجيه الكتاب الى وزارة الداخلية لتحقيق رغبة أهل المدينة، فحصلت الموافقة على ذلك وتم نقل السيد نعمان أمين من وظيفة مأمور نفوس الشامية إلى رئيس بلدية الكوفة في 19/1/1956 وباشر بهذا التاريخ وقد قام أهالي الشامية بتوديعه إلى الكوفة بالسيارات وبأعداد كبيرة لما لمسوا منه حباً وتفاني في أثناء أداء عمله في الشامية وباشر في رئاسة بلديه الكوفة 19/1/1956.

وعند المباشرة في رئاسة البلدية وجد الخزينة خاوية فقام وبجهود شخصية بالاستدانة من أحد الوجهاء الاثرياء مبلغاً من المال لحساب البلدية فقام بشراء عدد من (الحَمِير) لتقوم بنقل النفايات في المدينة وبدأ منذ اليوم الأول بحملة تنظيف المدينة وبالإمكانيات البسيطة لتلك الفترة لعدم توفر الآليات ومن السنة الاولى 1956 قام بتأسيس المشتل الكائن على ضفة نهر الفرات اليمنى جنوب نادي الموظفين والذي كان أحد أهم مؤسسيه وهو الذي وسَّع مساحة هذا المشتل الى 7000 م2 وصيَّره حديقة غناء عامة تحتوي على مختلف الأشجار المثمرة والازهار وبنى غرفاً مؤثثة بأفخر الأثاث داخله، لراحة الضيوف الذين يزورون الكوفة وفي نفس السنة قام بتأسيس الحدائق الممتدة من جسر الكوفة إلى مسجد الكوفة ومن منطقة المسجد الى كري سعده (مستشفى ابن بلال حالياً) وعمل على تشجير جانبي طريق النجف حتى شارع السكة من كري سعدة، وباشر بتأسيس الساحات المستديرة الواقعة على مفترق أربع طرق وهي ساحة صاحب الرمَّاحي وساحة شارع الجمهورية واسمها ساحة حبيب الرعاش وساحة مسلم بن عقيل وفي سنة 1959 أسس مشتل حي كندة، وفي عام 1960 أسس مشتل قرب المجزرة، وكانت المدينة تتميز على عهده بالنظافة والتنظيم العمراني مع الاهتمام بزراعة وتكثير الورود في الساحات العامة وكان (رحمه الله) من عشاق الكوفة وهو معروف بقربه وخدماته الكثيرة لها ولأهلها الطيبين وبمساعدتهم وتلبية طلباتهم وقضاء حوائجهم.

وكان هو وراء توزيع الأحياء الجديدة من أمثال: حي كندة وحي الشعراء وغيرها وبيعها بأسعار زهيدة وكان يفضّل أهل الكوفة على الغرباء بل كان يلحّ على أبناء المدينة لاقتناص الفرصة باقتنائها، وكان من مريدي المجالس ومن المساهمين في إقامة الشعائر الدينية لثورة الامام الحسين وهو معروف بدعمه ومساندته لجميع المواكب بعاشوراء ووضع واشتهر بخدمة الزائرين بنفسه وفي جميع المناسبات ومنها ذكرى وفاة النبي الاكرم واستقباله لأهالي مدينة طويريج بالكوفة، إضافة لكل هذه الخصال فهو رجل محبوب يتميّز بروح المداعبة والظرافة محبوباً من الشعب كما كان سمح اليد كريم المعشر دمث الأخلاق مع مختلف الطبقات.

تقاعده ووفاته وذريته

أنهى المرحوم نعمان أمين سجله في رئاسة بلدية الكوفة في يوم 5/8/1972 بعد أن أدَّى خدمة ما يزال يتذكرها أهالي الكوفة إلى مدينتهم المدينة الوفيِّة لكل من يسدي لها جميلاً. توفي (رحمة الله عليه) يوم 28/2/1982 وقد شيَّعته مدينة الكوفة بتشييع مهيب إلى مدينة النجف الاشرف تعبيراً منها لما تحمله له من الحب والامتنان لشخص نذر حياته لخدمة مدينة الكوفة واهل الكوفة وأصدقائه ومعارفه.

تزوَّج المرحوم نعمان أمين من السيدة نبيهة حسن ملا سلمان السعد، وقد أنجبت له من الأولاد: عفاف، نعمان، انعام، المرحوم منذر، المرحوم عزيز، علي، محمد، المرحوم احمد.

الأستاذ فرمان أمين كرماشة

العقيد الأستاذ فرمان أمين كرماشة (1914 ــ 1986م) وُلد بمحلة العمارة في النجف عام 1914، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدارسها وبعد ذلك تمَّ قبوله في الكلية العسكرية ضمن أبناء شيوخ العشائر ــ الدورة الثامنة وتخرج منها عام 1933 وكان الأول على الدورة، ونُسِّب إلى صنف المدفعية وكان من زملائه بنفس الدورة الزعيم عبد الكريم قاسم وشغل عدة مناصب في الوحدات العسكرية في الدولة العراقية منها: ضابط إدارة الضباط في وزارة الدفاع وأمر بطرية مدفعية وأمر كتيبة مدفعية وشارك في معظم حروب الجيش العراقي وعمليات الجيش في الشمال وتأديب العشائر كما اشترك في مقاومة جيش الاحتلال البريطاني في سنِّ الذبان أثناء هجوم القوات البريطانية من قاعدة الحبَّانية باتجاه بغداد عام 1941 (ثورة مايس وقد قصفت الطائرات البريطانية موقع كتيبته وأُصيب في هذه المعركة وقد شارك في ربيع عام 1948 في حرب فلسطين وهو برتبة رائد وكانت هذه الرتبة تسمى حينها (رئيس اول). وأبلى بلاءاً حسنا وكسرت يده ورجله وكان خلال جهاده لفلسطين آمراً لكتيبة مدفعية كما كان مساعده في الكتيبة هو المرحوم عبد الجبار شنشل (الفريق الأول الركن) وهو الذي رشَّحه إلى كلية الأركان.

بتاريخ 26/3/1949 أصبح العقيد المدفعي فرمان أمين آمراً لمعسكر الوشاش ببغداد والذي أصبح فيما بعد متنزهاً أُطلق عليه اسم متنزه (الزوراء) الحالي، ومن ثم نقل آمراً لمعسكر الديوانية، وقدَّم المرحوم فرمان أمين طلباً للإحالة على التقاعد وكان برتبة عقيد وذلك عام 1957، بعدها اشتغل بتجارة الأسلحة في العهد الملكي وبعد 14 تموز 1958 ألغت الحكومة إجازات المتاجرة بالأسلحة، فتحوَّل للعمل بالمقاولات .

وفاته وذريته

انتقل في اخريات حياته الى مدينة الكوفة واستقر بها الى يوم وفاته فيها عام 1986. وزوجته المرحوم فرمان أمين (الأولى) هي السيدة نزيهة إسماعيل الشاهر (ام هيفاء) وهي شقيقة أمير اللواء الركن بدري إسماعيل الشاهر وهم من عشيرة العبيد في تكريت شقيقة المحارب القديم الأستاذ بدري الشاهر أحد الضباط الركن المعروفين في الجيش العراقي في ثلاثينيات القرن العشرين وشغل منصب آمر كلية الأركان ومنصب رئيس اركان الفرقة الاولى مع الفريق بكر صدقي في عمليات انتفاضة العشائر العربية في لواء الديوانية وله موقف في هذه العمليات وهو مَنْ منع بكر صدقي من الانتقام الذي كان يلوّح به بحق الشيخ خوَّام العبد العباس آل فرهود شيخ مشايخ آل ازيرج (1881 ــ 1967م) والذي انتفض مع عدد من مشايخ العشائر ضد السلطة عام 1935م وبعد سيطرة الجيش على منطقته قُبض عليه وكان بكر صدقي ينوي إعدامه، فجابهه الضابط الركن بدري شقيق زوجة الأستاذ فرمان أمين بأن مصير الشيخ خوَّام تحدّده الحكومة والقضاء، وعلى هذا جرت الأُمور.

أما زوجته (الثانية) فهي بدرية حسن ملا سلمان السعد. وقد أنجبت له من الذكور: فراس 1956، فرات 1958، مثنى 1959، قتيبة 1961، خالد 1964، طارق 1968، حيدر 1970 والبنات: ليلى 1956، وزهراء 1972.

 


لقطة من زيارة أمير دولة الكويت عبد الله السالم الصباح الى مسجد الكوفة عام 1964م، وعن يساره المرحوم سلطان أمين (أرشيف محمد سعيد الطريحي).

 

الأستاذ سلطان أمين كرماشة

الأستاذ سلطان أمين عزيز كرماشة (1918 ــ 1998م) من مواليد مدينة النجف الأشرف عام 1918 كانت دراسته الابتدائية بمدرسة الكوفة التي سميت فيما بعد مدرسة ابن حيان ودراسته المتوسطة في النجف وأكمل الثانوية في بغداد. خريج الكلية العسكرية الدورة (17). خريج الدفعة الاولى من كلية الشرطة وذلك في ثلاثينيات القرن العشرين الميلادي، وخريج كلية الحقوق، خريج دورة عليا في الشرطة البريطانية (سكوتلاند يارد). مدرس بكلية الشرطة للدورات الأولى.

تقلَّد مناصب كثيرة في الدولة منها: مدير شرطة الموانئ في البصرة، مدير شرطة الجمارك والمكوس في بغداد، مدير شرطة لواء ديالى، مدير شرطة لواء بغداد منذ 1956وحتى انقلاب 14 تموز 1958 حيث أجبر بعدها على الإقامة الجبرية في منزله، ثم عاد الى الوظائف الحكومية في عام 1963 حيث عين تم تعينه محافظاً للناصرية، تم تعينه محافظاً لكربلاء للفترة من 6 ـ 7/1964 لغاية 16/10/1965، وفي عام 1966عين مدير عام الادارة المحلية بوزارة الداخلية في بغداد، وفي عام 1968 عين وكيل وزارة الداخلية ثم أحيل الى التقاعد في عام 1970 توفي في بغداد في 16 مايو/أيار 1998.

وكانت له لمسات ادارية في كربلاء عندما كان محافظاً لها: ومنها الشروع بإعمار وانجاز شارع القاهرة. وتغيير أسم ساحة البلوش الى اسم ساحة الامام علي. وتأسيس فندق وكازينو ومطعم في بناية واحدة ذات أربع طوابق. وإنشاء نافورة كهربائية مائية ملونة في ساحة العروبة. وتوجيه الأستاذ صادق الخطيب رئيس بلدية كربلاء أن يمضي الى ميناء البصرة ليطَّلع على متنزه الموانئ بالبصرة حتى يعمل مثله في مدينة كربلاء، فمضى الى الميناء وجاء بتصاميم ذلك المتنزه وتم تنفيذه فعلاً. ومن جملة مواقفه في خدمة كربلاء مقابلته لرئيس الجمهورية وطلبه منه عشرة آلاف دينار لترصيع داخل أطراف القبة العبَّاسية بالمرايا ذات الاشكال الهندسية الفنية البديعة الشكل والتي تتخللها المصابيح الكهربائية فلبَّى الرئيس طلبه وأرصد مبلغاً قدره (7500) من خزينة بغداد ومبلغ (2500) دينار من خزينة الاوقاف فلما قبض المبلغ المذكور خصص جزء منه لصنع باب ذهبي للإيوان المقابل لمرقد حبيب بن مظاهر الاسدي. وتعهد بصنع هذا الباب الصناعي المشهور حسين مؤيد الايراني على ان تدفع له كمية من الفضة وكيلو ومثاقيل من الذهب مع ألفين ومائتين دينار وقبض منها ألف وخمسمائة مقدمة والباقي عند إتمام العمل.

تمتَّع المرحوم سلطان بشخصية قوية وأخلاق عالية فكسب مودة الناس على اختلاف طبقاتهم، ومن الحوادث التي تروى عنه بهذا الصدد دوره الكبير في التخفيف من معاناة أهالي بغداد عند حدوث فيضان نهر دجلة عام 1956 وحينها قررت الحكومة كسر السدة للتقليل من اثر الفيضان على بغداد فعارضت ذلك عشيرة آل فياض هذا القرار بشدَّة لأنَّ ذلك سيتسبب بفيضان بساتينهم، ولولا توسط سلطان امين في الموضوع بإقناع زعماء العشيرة (الذين كانوا يثقون به ويحترمونه) بالخطة التي قررتها الحكومة لنشبت معركة مع العشيرة وبهذا القرار تمَّ التخفيف من أثر الفيضان على بغداد، ومنع الاحتكاك بين السلطة وعشيرة آل فياض وتم كسر السدة ومرَّ الأمور بسلام.

زوجة المرحوم سلطان أمين كرماشة هي نبيهة بهجت العطية وكان والدها مديراً للأمن العام، وقد أنجبت له: الأستاذ أمين 1949، (خريج كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد)، وله من الأولاد: زيد أمين ــ المعهد العالي للدراسات التكنولوجية المتخصصة ــ القاهرة، واحمد أمين ــ خريج كلية القانون ــ القاهرة – المستشار في الجامعة العربية بالقاهرة، وزينب أمين ــ القاهرة. والسيدة لمياء (وهي خريجة كلية القانون بجامعة بغداد) زوجة وزير الصحة الدكتور رياض إبراهيم الحاج حسين، الذي أعدمه صدام حسين لمجاهرته بالحق والصدق، وقد أنجبا من الأولاد: محمد رياض ــ مهندس كلية دجلة الجامعة ــ بغداد، وريا رياض ــ كلية القانون ــ جامعة بغداد. والسيدة عفراء (خريجة كلية الادارة والاقتصاد ــ جامعة بغداد) وزوجها الأستاذ اكثم عبد الهادي الرحيم، ولهما من الأولاد: علي (خريج قسم المحاسبة بكلية الادارة والاقتصاد ــ جامعة بغداد) وحيدر وأوس. توفي سلطان أمين ببغداد بتاريخ 16/5/1998م

الأستاذ جهاد أمين كرماشة

الأستاذ جهاد أمين كرماشة (1926 ــ 1966م) وُلِدَ بالكوفة عام 1926 ودرس في مدارس الكوفة والنجف وأكمل الثانوية فيها وبعدها انتقل وسكن بغداد بعد ان تمَّ تعيينه في المديرية العامة للبرق والبريد في بغداد وكان يشغل منصب معاون المدير العام، وكان مقر دائرته بالمحطة العالمية مقابل كراج العلاوي، وكان شهما شجاعاً وصاحب علاقات واسعة ببغداد كون دائرته تحتاجها أغلب دوائر الدولة وبتماس معها، كما كان مقصداً لكل اهالي الكوفة والنجف لقضاء حوائجهم، توفي بحادث انقلاب سيارة في طريق عمَّان ــ الاردن عام 1966 وكان معه بنفس السيارة بالحادث صديقه المقرب الأستاذ عبد الصاحب الساعاتي والذي بقى بعد الحادث لفترة طويلة مشلولاً، تزوج المرحوم جهاد أمين سيدة فاضلة من عائلة الكيلاني من أهالي الاعظمية ببغداد، خلَّف منها بنتاً اسمها (صبا) ولدت عام 1962 وتوفيت بعد وفاة والدها بمدة وجيزة.
________________________________________

لمزيد من التفاصيل و”الصور والوثائق” يراجع بحثنا ((أُسرة الحاج أمين كرماشة – تاريخها وأعلامها)) المنشور بموسوعة الموسم المجلد (203) ص 503- 563 السنة (38) ــ (1445 هـ ــ 2024 م)).

قد يعجبك ايضا
∧