متى تتحول مسؤولية الآخرين إلى خسارة للذات؟

كمال عبيد

التحرر من عقدة المنقذ لا يعني أن نصبح أقلإنسانية، وإنما أن تصبح إنسانيتنا أكثر توازناً. فالآخر يحتاج إلى من يسانده، كما يحتاج إلى أنيحتفظ بمسؤوليته عن اختياراته. ونحن نحتاج إلىأن نكون حاضرين في حياة من نحب دون أن نغيبعن حياتنا…

يصل الإنسان أحياناً إلى نهاية يومه وهو يشعر أنهلم يفعل ما يكفي. أنجز عملاً، تابع مشكلة، اتصلبشخص يحتاج إليه، أصلح خطأ لم يكن سببه، وقدمحلاً لمشكلة كان يمكن لصاحبها أن يتولاها بنفسه. ومع ذلك، حين يهدأ كل شيء، يظهر السؤال نفسه: ماذا نسيت؟ من يحتاجني الآن؟ ماذا لو حدث شيءوأنا غير موجود؟ هنا لا يعود التعب ناتجاً عن كثرةالأعمال وحدها، وإنما عن اعتقاد أعمق بأن راحةالآخرين تقع على عاتقه.

في البداية تبدو المسألة فضيلة خالصة. شخصسريع إلى المساعدة، حاضر عند الأزمات، يشعربآلام من حوله ويحاول تخفيفها. المشكلة لا تبدأ منالرحمة، وإنما من اللحظة التي يتغير فيها معناهاالداخلي. «أستطيع أن أساعد» تتحول تدريجياً إلى«يجب أن أساعد»، ثم تصبح «إذا لم أتدخل فأنامقصر». عند هذه النقطة تتحول القدرة إلى التزامدائم، ويصبح الإنسان في حالة استعداد مستمرللتعامل مع مشكلات لم يصنعها ولا يملك دائماًالقدرة على حلها.

وهكذا يتشكل ما يمكن تسميته «عقدة المنقذ»: أنيشعر الإنسان بأنه مطالب بإصلاح حياة الآخرين،وحمايتهم من أخطائهم، ومنع النتائج التي قد تترتبعلى قراراتهم. وقد يبدو هذا السلوك مسؤولية عالية،إلا أنه يحمل في داخله مشكلة دقيقة؛ إذ تختفيالحدود بين مسؤوليتي عن نفسي ومسؤوليتي تجاهالآخرين، وبين ما أستطيع فعله وما أتمنى أنأستطيع فعله. ومع اختفاء هذه الحدود، يصبح كلألم قريب منه قضية شخصية، وكل فشل يحيط بهاحتمالاً للذنب.

من هنا يظهر الذنب الوهمي. قد يعاني شخصقريب منك بسبب قرار اتخذه، فتشعر أنك كان ينبغيأن تمنعه. وقد يخطئ أحد أفراد الأسرة، فتراجعنفسك بحثاً عن اللحظة التي كان يمكن أن تتدخلفيها. وقد يمر زميل بأزمة، فتشعر أنك قصرت لأنك لمتقدم له أكثر مما تستطيع. يصبح الشعور بالذنبهنا منفصلاً عن المسؤولية الواقعية؛ فمجردالإحساس بأنك كان يجب أن تفعل شيئاً لا يثبت أنككنت مسؤولاً عنه.

ومع تكرار هذا الشعور، يتحول القلق إلى طريقة فيإدارة الحياة. كل مشكلة خارجية تنتقل إلى الداخل: ماذا لو ساءت الأمور؟ ماذا لو قصرت؟ ماذا لو كنتقادراً على فعل المزيد؟ ولأن القلق لا يحتمل الفراغ،يبحث الإنسان عن فعل يخففه. فيتدخل، ويتابع،ويتصل، ويحل، ويراجع، ويتحمل أعباء إضافية. تمنحه هذه الأفعال راحة مؤقتة، فيتعلم عقله درساًخطراً: عندما أقلق، عليّ أن أتدخل. وهكذا تتكررالدائرة؛ مشكلة الآخر تولد القلق، والقلق يستدعيالإنقاذ، والإنقاذ يمنح راحة مؤقتة، ثم يرسخ الاعتقادبأن التدخل كان واجباً.

المفارقة أن الإفراط في المسؤولية قد يقود الإنسانإلى فقدان السيطرة التي كان يحاول الحفاظ عليها. فالوقت محدود، والطاقة محدودة، والانتباه محدود،بينما مشكلات الآخرين لا تنتهي. وكلما توسعتدائرة ما يعتبره الإنسان واجباً عليه، تقل قدرته علىالوفاء بمسؤولياته الأساسية. يبدأ بإهمال راحته، ثمتتراجع قدرته على التركيز، وتتراكم الأعمال، ويصبحالنوم مضطرباً، ويعيش في حالة يقظة مستمرة. الضغط المزمن قد يؤثر في النوم والتركيز واستجابةالجسم للتوتر، لكن اختزال المشكلة في الكورتيزولوحده يضيّق فهمها؛ فالمسألة تبدأ من طريقة التفكيرفي المسؤولية قبل أن تظهر آثارها الجسدية.

لذلك لا يحتاج الإنسان إلى التخلص من صفة المنقذ،وإنما إلى إعادة تعريفها. الرحمة لا تحتاج إلىاستنزاف، والمساعدة لا تحتاج إلى السيطرة، وتحملالمسؤولية لا يعني حمل حياة شخص آخر كاملة. يمكن أن أكون قريباً دون أن أكون بديلاً، وأن أقدمالنصيحة دون أن أصادر القرار، وأن أفتح باباًللمساعدة دون أن أضمن النتيجة. هناك فرق كبيربين أن أساند الإنسان في مواجهة مشكلته وأنأعيش مشكلته نيابة عنه.

وهنا تصبح الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْأَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105] مدخلاً مهماً لإعادة ترتيبالعلاقة بين الإنسان والآخرين. لا تُفهم الآية في هذاالسياق باعتبارها دعوة إلى الانعزال أو التخلي عنالنصح والإصلاح، وإنما باعتبارها تنبيهاً إلى أنإصلاح الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعةلإهمال النفس. هناك مسؤولية تبدأ من الداخل: أنأصلح أخطائي، وأنظم حياتي، وأراجع قراراتي،وأتعلم من عثري، وأضع حدوداً تحمي طاقتي،وأعرف أين ينتهي واجبي وتبدأ مسؤولية الآخرين.

المسألة في النهاية ليست أن يسأل الإنسان: «كيفأنقذ الجميع؟» وإنما أن يسأل سؤالاً أكثر نضجاً: «ما الذي يقع ضمن مسؤوليتي الآن؟». فإذا كانالأمر يتعلق بواجبي، أفعله. وإذا كانت مساعدتيممكنة ونافعة، أقدمها. وإذا احتاج الآخر إلى أنيتحمل نتيجة قراره، أترك له مساحة التجربة والتعلم. أما محاولة السيطرة على كل النتائج فهي مهمةمستحيلة مهما كانت النية حسنة.

وقد يكون أصعب ما يتعلمه الإنسان هنا هو الفصلبين الشعور والحقيقة. أن أشعر بالذنب لا يعنيبالضرورة أنني مذنب، وأن أشعر بالمسؤولية لا يعنيأن المسؤولية تقع عليّ فعلاً. هذه المسافة الصغيرةبين الإحساس والواقع قد تعيد ترتيب حياة كاملة؛لأنها تمنح الإنسان فرصة للتوقف قبل أن يتحولالقلق إلى فعل، وقبل أن تتحول الرحمة إلىاستنزاف.

التحرر من عقدة المنقذ لا يعني أن نصبح أقلإنسانية، وإنما أن تصبح إنسانيتنا أكثر توازناً. فالآخر يحتاج إلى من يسانده، كما يحتاج إلى أنيحتفظ بمسؤوليته عن اختياراته. ونحن نحتاج إلىأن نكون حاضرين في حياة من نحب دون أن نغيبعن حياتنا. ربما تكون المسؤولية الأكثر نضجاً هيأن تعرف متى تمد يدك، ومتى تترك للآخر أن يقفبقدميه، ومتى تعود أنت إلى نفسك لتصلح ما يحتاجإلى إصلاح فيها. لا أحتاج إلى أن أتخلى عنمساعدة الآخرين؛ أحتاج فقط إلى ألا أفقد نفسيوأنا أساعدهم.

قد يعجبك ايضا
∧