تزرين يعقوب سولا
تُنسب إلى الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار عبارة تقول: «المرأة التي تقرأ لا تشيخ».
فليست الشيخوخة دائماً ما يظهر على الوجه، هناك نساء تجاوزن الخمسين وما زلن يبدأن أحلاماً جديدة، وأخريات في مقتبل العمر توقفن عن اكتشاف الحياة. وكأن العمر الحقيقي ليس ما نعيشه من سنوات، بل ما نضيفه إلى أرواحنا خلالها.
المرأة التي تقرأ لا تعود كما كانت بعد كل كتاب، تتغير نظرتها إلى نفسها، وتتسع رؤيتها للعالم، وتصبح أكثر قدرة على فهم ما يحدث حولها. فالقراءة لا تمنحها كلمات جديدة فحسب، بل تمنحها أحياناً شجاعة اتخاذ قرار، ووعياً بحقوقها، وقدرة على رؤية الأبواب التي لم تكن تعرف بوجودها.
كم امرأة أفنت سنوات عمرها في تربية أبنائها، وكانت تؤجل رغباتها كلما ازدادت مسؤولياتها. وحين يكبر أبناؤها، تجد نفسها أمام فراغ لم تعتد عليه. لكنها تقرر أن تبدأ من جديد، تفتح كتاباً، أو تتعلم لغة طالما رغبت في إتقانها، فتكتشف أن الأمومة لم تكن نهاية شخصيتها، بل جانباً من جوانبها، وأن العمر لا يمنع البدايات الجديدة.
ونرى ذلك أيضاً في امرأة تعمل طوال النهار، ثم تعود إلى بيتها لتبدأ مسؤوليات أخرى لا تنتهي. قد لا تجد ساعة كاملة للقراءة، لكنها تقتطع دقائق من يومها لتبقى على صلة بعالم المعرفة. إنها تدرك أن لها عقلاً يحتاج إلى الغذاء، وروحاً تحتاج إلى ما يتجاوز الواجبات اليومية، فالمرأة ليست مطالبة بأن تمنح الجميع وقتها وتنسى نفسها.
وفي مجتمع قد يضع حدوداً لأحلام المرأة واختياراتها، تساعدها القراءة على التفكير باستقلالية، وفهم حقوقها، والتمييز بين النصيحة التي تنفعها والقيود التي تعيقها. فهي لا تتعلم أن ترفض كل شيء، بل أن تختار عن قناعة، لا عن خوف، وأن تدرك أن حياتها تستحق أن تعيشها بوعي.
وقد تكون القراءة رفيقة امرأة مرت بخيبة أو تجربة مؤلمة، تمنحها كلمات تعبّر بها عن مشاعرها، وتساعدها على فهم نفسها، وتذكّرها بأن الألم ليس نهاية الطريق. فالكتاب لا يحل المشكلات بطريقة سحرية، لكنه قد يفتح نافذة جديدة حين تبدو الحياة محاصرة بالجدران.
فالمرأة التي تقرأ لا تعيش خارج الواقع، بل تعود إليه بعينين أكثر وعياً. لا تهرب من مسؤولياتها، لكنها تتعلم ألا تختفي خلفها. ولا تتوقف عن العطاء، لكنها تدرك أن العطاء لا يعني أن تحرم نفسها من النمو.
في النهاية، لا تستطيع القراءة أن توقف الزمن، ولا أن تمنع الشيب والتجاعيد، لكنها تستطيع أن تمنح العمر معنى أوسع وتحتفظ بشيء من الشباب لا تمنحه السنوات ولا تستطيع أن تنتزعه بسهولة.