أ.د.خليل مصطفى عثمان
في ذكرى يوم السيادة العراقية، تتجدد الأسئلة الجوهرية حول المعنى الحقيقي للاستقلال الوطني ومسار بناء الدولة في مرحلة مفصلية من تاريخ العراق.
بالنسبة لإقليم كوردستان، لا تُقاس السيادة بالبيانات السياسية أو بالشعارات المركزية المرفوعة، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وصيانة حقوق كافة مكوناتها، وتطبيق الدستور الدائم لعام 2005 بلا انتقائية.
إن مفهوم السيادة الحقيقية ينبع من بناء “دولة المواطنة والمؤسسات” التي تحترم النظام الفدرالي وتعتمد الحوار الشفاف وسيلة لمعالجة الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، بعيداً عن منطق المغالبة أو محاولات فرض الإرادة.
لقد استطاع العراق خلال السنوات الأخيرة تحقيق خطوات ملموسة في ترسيخ حضوره الإقليمي، إلا أن استقلالية القرار السياسي والأمني ما زالت نسبية وتواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها التجاذبات الإقليمية والدولية الحادة ونفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج إطار المؤسسات الرسمية.
إن الحياد الإيجابي والنأي بالنفس عن سياسة المحاور هما الخيار الاستراتيجي الوحيد لضمان عدم تحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات. وتستدعي هذه الاستقلالية مواجهة صريحة للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية؛ بدءاً من معالجة ملف السلاح المنفلت والهجمات التي تستهدف البنية التحتية والمؤسسات في الإقليم وباقي المحافظات، مروراً بتجاوز الانسداد السياسي والالتزام الصارم بالمواد الدستورية، ووصولاً إلى الشفافية الاقتصادية عبر إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي وضمان المستحقات المالية للمواطنين دون تسييس.
إن إقامة ميزان دقيق بين العلاقات الإقليمية والدولية للحفاظ على استقلال القرار الوطني يتطلب اعتماد دبلوماسية اقتصادية متوازنة قائمة على مبدأ “صفر مشاكل” وبناء المصالح المشتركة مع دول الجوار والمجتمع الدولي. كما أن الشراكات الأمنية المبرمة لمكافحة الإرهاب تشكل مصدر قوة للبلاد ما دامت تنطلق من المصلحة الوطنية وتخدم الاستقرار العام. وفي هذا السياق، تبرز المؤسسات العسكرية والأمنية كركيزة أساسية لحماية السيادة، شريطة أن ترتكز على عقيدة وطنية جامعة تحمي الوطن والدستور ولا تُستخدم كأداة للضغط السياسي الداخلي. وتظل السيطرة المطلقة على الحدود ومسك المنافذ الرسمية وتنظيم حركة السلاح أحد أهم مقومات هذه السيادة، حيث إن استمرار مظاهر السلاح غير الخاضع لسيطرة الدولة يضعف الهيبة الرسمية ويفتح الثغرات أمام الاختراقات والاعتداءات الخارجية.
إن التوافق السياسي القائم على ثلاثية الشراكة والتوازن والتوافق يمثل الدرع الأول لحماية القرار الوطني، إذ إن الجبهة الداخلية المتماسكة والموحدة بين أربيل وبغداد وسائر القوى الوطنية تمنع القوى الخارجية من استغلال التباينات الداخلية. ولكي يتحول مفهوم السيادة من مناسبة رمزية تُحتفل بها سنوياً إلى مشروع مستدام، يجب توجيه الجهود نحو تفعيل كافة بنود الدستور، وإنشاء مجلس الاتحاد، وتكريس الاستقرار الاقتصادي الذي ينعكس مباشرة على حياة المواطن وخدماته اليومية.
وفي هذا المجرى، تكتسب خطوة توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها ضمن المؤسسة الرسمية لوزارة شؤون البيشمركة أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية. إن البيشمركة، بوصفها جزءاً أصيلاً ومكفولاً دستورياً من المنظومة الدفاعية والأمنية العراقية، تسهم عبر توحدها وتنسيقها المؤسساتي رفيع المستوى مع وزارة الدفاع والمنظومة الاتحادية في إغلاق الفراغات الأمنية في المناطق المقتطعة، وقطع الطريق أمام بقايا التنظيمات الإرهابية. إن التنسيق العسكري المتكامل بين بغداد وأربيل لا يؤمن الحدود المشتركة ويدحر التهديدات الأمنية فحسب، بل يسقط أيضاً كل الذرائع التي تستخدمها الأطراف الخارجية للتدخل في الشأن العراقي، مما يكرس سيادة القرار الوطني ويصون المصالح العليا لجميع أبناء الشعب العراقي.