سعدالله عقراوي
أعتقد أن العراق، منذ عام 2003، يواجه مهمة معقدة تتمثل في إعادة بناء دولته بعد عقود من الحكم الاستبدادي والحرب والتفكك الاجتماعي. إن بناء دولة ديمقراطية حديثة في العراق ليس تحديًا دستوريًا أو مؤسسيًا فحسب، بل هو أيضًا تحدٍّ مجتمعي يتطلب الشمولية والثقة ورؤية وطنية مشتركة. وفي هذا السياق، لعب الشعب الكردي وإقليم كردستان، ولا يزالان يلعبان، دورًا هامًا في تشكيل البنية السياسية للعراق وممارساته الديمقراطية ونظامه الفيدرالي.
تقوم الدولة الديمقراطية الحديثة على سيادة القانون، حيث يخضع جميع المواطنين والمؤسسات للدستور. يوفر دستور العراق لعام 2005 إطارًا قانونيًا للديمقراطية والفيدرالية وحقوق الإنسان. ويظل تعزيز استقلال القضاء ومكافحة التدخل السياسي وضمان تطبيق القانون على قدم المساواة أمرًا أساسيًا لشرعية الدولة وثقة الشعب. وأعتقد أيضاً أنه بالنظر إلى التنوع العرقي والديني والثقافي في العراق، فإن النظام الفيدرالي حل عملي وديمقراطي. يسمح الحكم اللامركزي للأقاليم والمحافظات بإدارة شؤونها المحلية مع الحفاظ على وحدة الدولة. يحد النظام الفيدرالي من النزعات الاستبدادية المركزية ويعزز المشاركة السياسية والمساءلة والاستقرار الإقليمي. تتطلب الديمقراطية انتخابات حرة ونزيهة، وانتقالاً سلمياً للسلطة، واحتراماً للمعارضة السياسية. يجب أن تتطور المؤسسات الديمقراطية في العراق لتتجاوز السياسات القائمة على الهوية نحو حكم قائم على القضايا، حيث تُعطى الأولوية للخدمات العامة والتنمية الاقتصادية والمصالح الوطنية. يُعد المجتمع المدني النشط والإعلام المستقل واحترام حرية التعبير والتجمع ركائز أساسية للدولة الديمقراطية. تعمل هذه العناصر كضوابط على السلطة، وتعزز الشفافية، وتمكّن المواطنين من المشاركة الفعّالة في الحياة العامة. يتشارك الأفراد والمؤسسات المسؤولية عن رفاهية الآخرين، وخاصة الفئات الضعيفة. يعزز التعاون المجتمعي القدرة على الصمود في أوقات الأزمات.
كان الأكراد من أشدّ المدافعين عن النظام الفيدرالي في العراق. قبل عام 2003 بفترة طويلة، طوّر إقليم كردستان مؤسسات مستقلة، بما في ذلك برلمان وحكومة وقضاء وقوات أمنية. ساهمت هذه التجربة في تشكيل النظام الفيدرالي العراقي، وأثبتت إمكانية تطبيق الحكم اللامركزي ضمن دولة موحدة. وقد برز بوضوح الدور المحوري الذي لعبه القادة السياسيون الكرد في صياغة ودعم دستور العراق لعام ٢٠٠٥. وتعكس المبادئ الدستورية الأساسية – الفيدرالية، والاعتراف بالتنوع، وحماية الحقوق الإقليمية ، الرؤية السياسية الكردية وتجربتها التاريخية مع التهميش. ورغم التحديات والنواقص، حافظ إقليم كردستان على سياسة تعددية نسبياً، وانتخابات دورية، وتقاسم سلمي للسلطة، مقارنةً بمعظم أنحاء العراق. وتقدم هذه التجربة دروساً قيّمة في الحكم الديمقراطي، والتطوير المؤسسي، والتعايش. وقد أسهم النهج العملي للكرد في تحقيق التوازن السياسي، ومنع انهيار الدولة التام في أوقات الأزمات.
وأعتقد جازماً أن مبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة في العراق، سيادة القانون، والفيدرالية، والشمول، والتعددية، وحقوق الإنسان ، لا تنفصل عن دور الكرد. ويعتمد استقرار العراق وديمقراطيته في المستقبل على شراكة حقيقية بين مكوناته. ومن خلال تعزيز الفيدرالية، واحترام التنوع، وتعميق الممارسات الديمقراطية، يستطيع العراق أن يخطو نحو دولة تعكس تطلعات جميع أبنائه، وتضمن مستقبلاً سلمياً مشتركاً.