بشأن الامن المائي وضرورة تلبية حاجات الشعوب

 

اعداد ـ التآخي

مفهوم الأمن المائي يتجاوز بكثير مجرد توفير مياه الشرب أو سد احتياجات الري الأساسية؛ فهو يمثل ركيزة جوهرية من ركائز الأمن القومي الشامل لأي دولة، ويعرف عادة بأنه قدرة الدولة على ضمان الوصول المستدام لكميات كافية ونوعية ملائمة من المياه للحفاظ على سبل العيش، واستقرار النظم الإيكولوجية، والنمو الاقتصادي، مع الحد من مخاطر الكوارث المرتبطة بالمياه.

ابعاد الامن المائي تشمل الكفاية الكمية بتوفر الحجم المطلوب من المياه للاستعمالات البشرية، الزراعية، والصناعية، و خلو المياه من التلوث والملوثات الكيميائية أو البيولوجية لضمان سلامة استهلاكها. وضمان استمرار تدفق الموارد المائية على المدى الطويل وعدم استنزاف الخزانات الجوفية أو تلويث الأنهار، مع سهولة وصول الأفراد والقطاعات إليها بأسعار معقولة.

وغالبا ما يُنظر إلى المياه من زاوية الصراعات المحتملة (حروب المياه)، إلا أن الدراسات الحديثة في الدبلوماسية المائية تثبت أن المياه يمكن أن تكون أداة قوية للتعاون وبناء الجسور الدبلوماسية على وفق مسارات الدبلوماسية المائية والاتفاقيات المشتركة. وتشترك معظم أنهار العالم الكبرى بين دول متعددة (أنهار عابرة للحدود). ولضمان الأمن المائي، تضطر هذه الدول إلى توقيع اتفاقيات تنظيم الحصص وتقاسم المنافع، مما يخلق شبكة من المصالح المشتركة والالتزامات القانونية التي تعزز الاستقرار الإقليمي.

في كثير من الأحيان، تعاني دول من شح المياه ولكن تمتلك فائضا في الغذاء أو التكنولوجيا، فيما تمتلك دول أخرى موارد مائية وفيرة وتحتاج إلى منتجات زراعية أو طاقة. هذا التبادل (الذي يُعرف أحيانا بـ “المياه الافتراضية”) يربط مصالح الدول ببعضها تجاريا واقتصاديا.

 الإدارة المشتركة للموارد (المشاريع التقنية والفنية) تتمثل في التعاون في بناء السدود التنظيمية، محطات رصد التدفق، وتبادل البيانات الهيدروليكية والمناخية في الوقت الفعلي، يقلل من الريبة والتوتر السياسي، ويبني ثقة مؤسسية مستدامة بين وزارات الفنيين والخبراء في الدول المتشاطئة.

ومع تفاقم التغير المناخي وزيادة موجات الجفاف والتصحر، تدرك الدول أن الأمن المائي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن جيرانها، مما يدفع نحو تكتلات إقليمية تتبنى استراتيجيات بيئية موحدة (مثل مشاريع التشجير الكبرى، تقنيات تحلية المياه الإقليمية، أو الإدارة المستدامة للأهوار والمستنقعات العابرة للحدود). باختصار، يمكن للمياه أن تكون إما فتيل أزمات إن أُديرت بمنطق الاستحواذ، أو مفتاح سلام وتكامل إن أُديرت بمنطق الشراكة وتقاسم المنافع.

 

 

ويُعد انموذج نهر النيل بين مصر، السودان، وإثيوبيا واحدا من أكثر ملفات الدبلوماسية المائية تعقيدا وحساسية في العصر الحديث. فهو يجسد بوضوح كيف يمكن أن يتحول النهر العابر للحدود من شريان تاريخي للتعاون إلى ساحة تجاذب سياسي واستراتيجي، لعدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق قانوني شامل ومستدام لتقاسم المياه وإدارة المشروعات.

 ويمكن تتبع جذور الخلاف وطبيعة المصالح المتشابكة بالآتي: مصر (دول المصب الأخير)، تعتمد بشكل شبه كلي على نهر النيل لتوفير نحو 98% من احتياجاتها المائية (بحصة تاريخية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويا وفق اتفاقيات سابقة)، في ظل مناخ جاف وندرة أمطار، ومواجهة ضغط سكاني متزايد يقترب من حاجز 120 مليون نسمة. ترى القاهرة أن الأمن المائي خط أحمر ومسألة “وجود بقاء”.

 السودان (دولة المصب الأول)، يتأثر بشكل مباشر وفوري بأي تغير في تدفقات المياه أو تشغيل السدود العليا (مثل سد النهضة)، وقد عانى أحيانا من مخاطر الفيضانات المفاجئة أو نقص الإطلاقات المائية، وبرغم استفادته المحتملة من تنظيم النهر، إلا أن هواجس الأمان والسلامة المؤسسية تظل قائمة بقوة لديه.

 إثيوبيا (دولة المنبع الرئيس) ينبع من أراضيها النيل الأزرق الذي يرفد النهر بالنسبة الكبرى من مياهه. ترى أديس أبابا أن حقها في استغلال مواردها المائية لتوليد الطاقة والتنمية هو حق سيادي أصيل، معتبرة أن مشاريع السدود (مثل سد النهضة والسدود المخططة لاحقا) ضرورية لانتشال ملايين السكان من الفقر وتوفير الكهرباء.

 إعلان مبادئ سد النهضة (2015)، وُقّع في الخرطوم بين الدول الثلاث كإطار سياسي حسن نية يهدف إلى التوافق على قواعد الملء الأول وتشغيل السد، إلا أن الخلافات تفاقمت لاحقا حول الطبيعة الإلزامية لتلك القواعد وآليات فض النزاعات.

تتركز الأزمة الفعلية حاليا بشأن إصرار إثيوبيا على المضي قدما في الخطوات التشغيلية للمشاريع الكبرى بشكل أحادي، فيما تصر مصر والسودان على ضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم يضمن آليات تنسيق واضحة تحميهما من مخاطر الجفاف الممتد أو سوء الإدارة في أوقات الشح.

 الإطار القانوني الأوسع (اتفاقية عنتيبي)، تشهد منظومة حوض النيل انقساما قانونيا واسعا إثر توقيع عدد من دول المنبع على اتفاقية “عنتيبي” الإطارية التي تسعى لإعادة هندسة الحصص وتجاوز الاتفاقيات التاريخية، وهو ما رفضته مصر والسودان عادين إياه إضعافا لحقوقهما المكتسبة. ويُظهر هذا الملف أن غياب صيغة “تقاسم المنافع الشاملة” (مثل ربط الطاقة الإثيوبية بالأمن الغذائي والمائي لمصر والسودان ضمن سلة مصالح متكاملة) يؤدي حتما إلى تجميد الدبلوماسية وتحويل المياه إلى أزمة استراتيجية مستدامة.

 

حاجة الشعوب هي المعيار

 

عندما تُدار ملفات المياه بعقلية “الربح والخسارة السياسية”، تفشل الاتفاقيات أو تتحول إلى فتيل أزمات مؤجلة؛ أما حين تُبنى على أساس العدالة الإنسانية، والتنمية المستدامة، وتقاسم المنافع المشتركة، فإنها تصبح صخرة ترتكز عليها استقرار المجتمعات لعقود طويلة.

ولتحقيق هذه العدالة التي تحفظ حقوق الشعوب، تتطلب أي اتفاقية ناجحة لتقاسم الموارد المائية الاعتماد على ركائز أساسية:  فصل المياه عن الصراعات السياسية،  بحماية الاتفاقيات المائية من الهزات السياسية وتغير الحكومات، وجعلها مواثيق عليا تحميتها مؤسسات مستقلة ومحايدة تعبر عن إرادة الشعوب.

 

 

 و بدلا من الاكتفاء بالصراع على حصص ثابتة من المياه في ظل تغير المناخ، يمكن توسيع نطاق الاتفاق ليشمل تبادل المنافع الشاملة (مثل تكامل قطاعات المياه، الطاقة، والغذاء)، بحيث تعوض دولة المنبع أو المصب بعضها البعض تجاريا واقتصاديا. ويتوجب  ضمان تواجد آليات استجابة سريعة وشفافة بين الدول المتشاطئة لمواجهة سنوات الجفاف الممتد أو الفيضانات المفاجئة، بما يمنع وقوع كارثة إنسانية على ملايين البشر الذين يعتمدون على النهر في معيشتهم وأمنهم الغذائي.

إن الشعوب هي التي تدفع الفواتير باهظة الثمن لأي سوء إدارة للمياه، ولهذا فإن بناء جسور الثقة والتعاون العادل هو الضمانة الحقيقية للحياة والاستقرار الإقليمي.

  أوروبا واحدة من أكثر مناطق العالم غنى بالأنهار العابرة للحدود (حيث تُعد القارة التي تضم أكبر عدد من أحواض الأنهار المشتركة نسبة لمساحتها)، ولهذا طوّرت عبر العقود الماضية منظومة فريدة ومتقدمة للغاية في الإدارة المشتركة للموارد المائية.

تعتمد التجربة الأوروبية على التحول من النظرة التقليدية للسيادة الوطنية المطلقة على المياه إلى مفهوم “الإدارة المتكاملة لأحواض الأنهار” (Integrated River Basin Management). فكيف تجري إدارة الموارد المائية المشتركة في أوروبا؟

لتنظيم أمور المياه المشتركة جرى في أوروبا الالتزام بالأطر القانونية العابرة للحدود ومن ذلك اتفاقية هلسنكي للمياه (1992)، التي تشرف عليها الأمم المتحدة (UNECE)، وتشكل المظلة القانونية الأساسية التي تُلزم الدول الأوروبية بالاستغلال العادل والمنصف للمياه المشتركة، ومنع تلوثها عبر الحدود.

 إطار الاتحاد الأوروبي للمياه (WFD – 2000): يُعد التشريع الأكثر ثورية في تاريخ القارة؛ إذ ينظر إلى المسطحات المائية كوحدات إيكولوجية متكاملة وليست سلعا استهلاكية أو حدودا سياسية، ويفرض على الدول الأعضاء خطط عمل موحدة لحماية الأنهار والمياه الجوفية.

لجان الأحواض النهرية المشتركة (Institutional Bodies): تدار الأنهار الكبرى في أوروبا (مثل نهر الراين ونهر الدانوب) عبر لجان دولية دائمـة تمثل فيها كافة الدول المتشاطئة. على سبيل المثال، لجنة حماية نهر الراين (ICPR)، نجحت في إعادة الحياة إلى نهر الراين بعد أن كان ملوثا بشكل شبه كامل في منتصف القرن العشرين، عبر خطط تقنية وفنية دقيقة التزمت بها دول المنبع والمصب على حد سواء.

 لجنة حماية نهر الدانوب (ICPDR)، تدير حوضا يمر عبر نحو 10 دول (من ألمانيا إلى البحر الأسود)، وتنسق بين سياسات منع الفيضانات، التحكم بالتلوث، وحماية التنوع البيولوجي. وتعتمد الإدارة الأوروبية على الربط الرقمي المستمر لمحطات رصد التدفق ونوعية المياه، بحيث تتشارك الدول البيانات الهيدرولوجية في الوقت الفعلي، مما يزيل الريبة ويمنع المفاجآت الأحادية في تشغيل السدود أو المنشآت المائية.

وبرغم التقدم الهائل والنجاح المؤسسي، لا تخلو التجربة الأوروبية من التحديات والأزمات المستمرة، وأبرزها، تداعيات التغير المناخي الشديدة، اذ أدى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الثلوج في جبال أوروبا (مثل الألب) إلى موجات جفاف متكررة في الصيف، واجهت فيها أنهار كبرى مثل “الراين” انخفاضا حادا في مناسيب المياه أعاق حركة الملاحة التجارية ونقل البضائع، وأثر على محطات توليد الطاقة.

وفي حين تعتمد دول جنوب أوروبا (مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان) بشكل مكثف على المياه لأغراض الزراعة والري في مناطق تعاني أساسا من الإجهاد المائي، تركز دول وسط وشمال أوروبا على استغلال الصناعة والطاقة الكهرومائية، مما يخلق أحيانا توترات في أولويات الإنفاق والتوزيع المائي داخل الاتحاد.

وبرغم صرامة القوانين، يظل التلوث الناتج عن الأنشطة الزراعية الحديثة (مثل الأسمدة والمبيدات التي تسرب إلى المياه الجوفية والأنهار) تحديا بيئيا مستمرا يكلف مليارات “اليوروات” لمعالجته والسيطرة عليه.  وتنشأ بعض التعقيدات عندما تمتد الأحواض المائية خارج حدود الاتحاد الأوروبي لتشمل دولا ذات أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة (كما في بعض أجزاء شرق أوروبا والبلقان)، مما يتطلب دبلوماسية مائية مكثفة خارج الأطر المؤسسية المغلقة للاتحاد.

باختصار، أثبت النموذج الأوروبي أن المأسسة القانونية واستبدال الصراع بالتعاون الفني المستدام هما الضمانة الحقيقية لحماية أمن الشعوب المائي، حتى في أوقات الأزمات المناخية.

 

مشكلات المياه العراقية

 

ان غياب إطار مؤسسي إقليمي قوي شبيه بهذا النموذج في منطقة الشرق الأوسط هو السبب الرئيس لتعثر حل أزمات المياه الحالية، فما يعانيه العراق اليوم من تحديات مائية مع دول الجوار الإقليمي (تركيا وإيران) يعكس بوضوح النتائج الكارثية لغياب الأطر المؤسسية القانونية الملزمة، ويؤكد أن الأمن المائي في بلد مثل العراق ليس مجرد قطاع خدمي، بل هو مسألة وجود، وبقاء ديموغرافي واقتصادي.

إن تفصيل المشهد العراقي في هذا السياق يبرز بوضوح حجم الحاجة الملحة لتلك الأطر الإقليمية، ويتمثل ذلك في معضلة الأنهار العابرة للحدود في العراق (تركيا وإيران): مع تركيا (دجلة والفرات)، يُعد العراق دولة مصب نهري لدجلة والفرات اللذين ينبعان بشكل رئيس من الأراضي التركية. تاريخيا، تأثر العراق بشكل بالغ جراء مشاريع التنمية الكبرى (مثل مشروع جنوب شرق الأناضول – GAP)، وما يصاحبها أحيانا من تراجع حاد في الإطلاقات المائية خلال مواسم الصيف والجفاف، مما يؤدي إلى تقلص المساحات الزراعية، وهجرة الفلاحين من الريف إلى المدن، وتدهور الأهوار وارتفاع نسب الملوحة وتملح التربة. وفي المقابل، فإن تحسن الإطلاقات في بعض المواسم – كما في الموسم الحالي – يعكس تقلبات لا تضمنها قواعد قانونية ثابتة ودائمة، بل تعتمد أحيانا على الوفرة المطرية أو اعتبارات ظرفية، وهو ما لا يمكن بناء استراتيجيات أمن غذائي مستدامة عليه.

 مع إيران (الأنهار الثانوية المشتركة): يعاني العراق أيضا من قطع أو تحويل مجاري الأنهار والروافد المشتركة التي تغذي شرق البلاد (مثل سيروان، الزاب الصغير، الوند، ودستان)، وما يتبع ذلك من آثار بيئية وإنسانية مدمرة على مدن وقرى حدودية كاملة (مثل ديالى ومحافظات إقليم كوردستان)، وصولا إلى جفاف بعض المسطحات المائية المشتركة.

وكما هو الحال في التجارب الناجحة (مثل نهر الراين أو الدانوب في أوروبا)، فإن المنطقة بحاجة ماسة إلى اتفاقيات ثلاثية ورباعية شاملة (العراق، تركيا، سوريا، وإيران): تخرج من دائرة التفاهمات الثنائية المؤقتة إلى معاهدات دولية مسجلة لدى الأمم المتحدة، تحدد بوضوح حصصا عادلة ومنصفة تراعى فيها الحالة الهيدروليكية للمواسم المختلفة (الجفاف مقابل الوفرة).

 وتمس الحاجة الى إدارة فنية مشتركة ومراكز رصد رقمية بإنشاء لجان فنية مشتركة تضم خبراء ومهندسين من الدول المتشاطئة، تعمل على تبادل البيانات الهيدروليكية والمناخية بشفافية كاملة في الوقت الفعلي، وتدير تشغيل السدود والخزانات بطريقة تقلل الأضرار على دول المصب.

ويجب ربط المياه بملفات التعاون الاقتصادي الأوسع: توسيع طاولة التفاوض لتشمل مصالح متبادلة (كالتبادل التجاري، أمن الطاقة، مشاريع البنية التحتية، وتأمين الحدود)، بحيث تصبح مصلحة الجميع مرتبطة باستقرار الحوض النهري وتنميته، لا بصراعاته.

إن بقاء ملايين العراقيين وخصوصية تنوعهم البيئي وتاريخهم الزراعي العريق (الذي امتد منذ آلاف السنين على ضفاف دجلة والفرات) مرهون بالانتقال من إدارة الأزمات بردود الفعل إلى دبلوماسية مؤسسية عادلة تحمي حقوق الأجيال المقبلة.

 

قد يعجبك ايضا
∧