الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا وتقاليد جديرة الاهتداء بها

خالد بهلوي

ثمة تقاليد إيجابية رسّخها الاتحاد في مسيرته منذ عام 2004 أي منذ تأسيسه لم يقتصر دوره على المجال الثقافي والصحفي، بل أخذ على عاتقه مسؤولية أوسع تتمثل في تعزيز الروابط الاجتماعية والإنسانية بين الكتاب والصحفيين والمثقفين، وترسيخ تقاليد التضامن والوفاء والتواصل حيث أصبحت مع مرور السنوات جزءاً من دوره في الحياة الثقافية والاجتماعية.
إذ تحتل المناسبات الاجتماعية والإنسانية مكانة خاصة في المجتمع الكردي، وهي تتمثل في الوقوف إلى جانب الأديب والكاتب في أفراحه وأحزانه، باعتبار ذلك تعبيراً عن الوفاء والانتماء وروح الجماعة. ومن هذا المنطلق فقد حرص الاتحاد منذ سنواته الأولى على أن يكون حاضراً في مختلف المناسبات الاجتماعية، مشاركاً في التعازي ومهنئاً في الأفراح ومحتفياً بالمبدعين، ومستذكراً الراحلين من الكتاب والصحفيين والفنانين، والشخصيات الثقافية.
ومن أبرز التقاليد التي حافظ عليها الاتحاد مشاركة أسر الكتاب والصحفيين والمثقفين في مصابهم من خلال تقديم واجب العزاء، وإصدار تعاز ونعوات من قبل المكتب الاجتماعي للاتحاد، والتعبير عن التضامن الإنساني مع عائلات الراحلين وزملائهم.
وللحقيقة فإن هذه المشاركة تتجاوز أن تكون مجرد إجراء بروتوكولي، فحسب، لأنها تحمل في كثير من الأحيان معنى الوفاء لمسيرة الراحل والتأكيد على أن رحيل الكاتب أو الصحفي أو الروائي أو القاص لا يعني غياب أثره. فالكلمة التي كتبها والموقف الذي اتخذه والنتاج الذي تركه يبقى حاضراً في ذاكرة زملائه وقرائه ومجتمعه.
وإذا كان للأخوة الفنانين الذين تركوا أثراً في وجدان وضمير أبناء شعبهم بألحانهم وأصواتهم العذبة تأثير كبير في نشاط الاتحاد، فإننا نرى أن الاتحاد لم ينسَ فضلهم ودورهم الإيجابي اجتماعيا، وقوميا ووطنيا، وتجلّى ذلك في إقامة الندوات واستذكار مسيرتهم الفنية.
كما حرص الاتحاد على أن يكون حاضراً في المناسبات السعيدة مشاركاً أعضاءه وأصدقاءه أفراحهم ومناسباتهم الاجتماعية. وقد ساهم هذا الحضور في تعزيز العلاقات الإنسانية بين أفراد الوسط الثقافي والإعلامي؛ وأكد أن العمل الثقافي لا ينفصل عن العلاقات الاجتماعية التي تجمع أفراد المجتمع.
فالمؤسسة الثقافية حين تقترب من أعضائها في أفراحهم وأحزانهم تتحول من إطار تنظيمي إلى مساحة إنسانية تجمع أصحاب الكلمة والفكر واللحن حول قيم التضامن والاحترام المتبادل.
ومن التقاليد التي اكتسبت أهمية خاصة المشاركة في تخصيص مناسبات تكريم واستذكار الكتاب والصحفيين والمثقفين والفنانين الذين رحلوا.
فالاحتفاء بالراحلين هو في جوهره احتفاء بالكلمة التي تركوها وبالذاكرة الثقافية التي أسهموا في بنائها. ومن خلال الندوات والفعاليات التأبينية وكتابة المقالات واستعادة سيرهم وتجاربهم سعى الاتحاد إلى إبقاء أسماء هؤلاء المبدعين حاضرة في الذاكرة الثقافية وألّا تطويهم السنوات والنسيان.
إن تمجيد مسيرة الكتاب الراحلين يعني أكثر من استعادة الماضي لأنه يمثل أيضاً وسيلة لتعريف الأجيال الجديدة بإسهامات من سبقوهم وإبراز أهمية الثقافة والكتابة والصحافة في حفظ ذاكرة المجتمع وتوثيق تحوّلاته.
وعلى امتداد سنوات عمله برزت لدى الاتحاد قناعة عملية بأن الثقافة ليست كتباً ومقالات وندوات فحسب وإنما هي أيضاً علاقة إنسانية ومسؤولية اجتماعية. فالكاتب والصحفي يعيش بين الناس ويتفاعل مع قضاياهم ويحمل في كتاباته جزءاً من ذاكرتهم وهمومهم وأفراحهم.
ومن هنا، اكتسب حضور الاتحاد في المناسبات الاجتماعية بُعداً يتجاوز المجاملة ليصبح تعبيراً عن ثقافة التضامن والوفاء فمشاركة أهل الفقيد أحزانهم والوقوف إلى جانب الزملاء في مناسباتهم واستذكار من رحلوا كلها ممارسات تسهم في بناء جسور الثقة وتعزيز روح الأسرة الثقافية في المجتمع.
ولا ننسى دور الاتحاد في إلقاء الضوء على اعتقالات أصحاب الرأي من الكتاب والصحفيين السوريين والمبدعين بسبب آرائهم ومواقفهم وهو ما يعكس توجهاً نحو ربط العمل الثقافي بالدفاع عن حرية الرأي وحقوق أصحاب الكلمة. كما توالت في السنوات التالية البيانات والمواقف المتعلقة بالصحفيين والانتهاكات التي تعرضوا لها وفضح زيف ادعاءات السلطات بحق الأدباء والمفكرين والمستقلين الأحرار.
فالمنجز الثقافي لا يُقاس فقط بعدد الكتب أو الفعاليات، وإنما أيضاً بقدرته على خلق روابط إنسانية تستمر خارج قاعات الندوات والمؤتمرات وفي هذا الجانب شكّل حضور الاتحاد في التعازي والأفراح ومناسبات تكريم الراحلين أحد وجوه تفاعله مع محيطه الاجتماعي والثقافي.
نعم لقد رسّخ الاتحاد، منذ تأسيسه تقاليد تقوم على التضامن والوفاء وتكريم أصحاب الكلمة لتصبح جزءاً من ثقافة اجتماعية، وتبقى ذاكرةً حيةً للمجتمع ويصبح الوفاء لمن رحلوا مسؤوليةً أخلاقيةً تجاه الأجيال القادمة.
وهكذا فإن أثر الكاتب بعد رحيله لا يظل أسير كتبه ومقالاته وحدها بل يستمر أيضاً في ذاكرة من عرفوه وفي المؤسسات التي تكرّم مسيرته وفي الأجيال التي تتعرف إلى تجربته وتستفيد منها. ومن هنا تصبح مشاركة الأحزان والأفراح واستذكار الراحلين أكثر من تقليد اجتماعي إنها فعل وفاء يحفظ للثقافة أهلها وللكلمة أصحابها وللذاكرة حقها في البقاء.
وفي المحصلة فإن الحديث عن الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا هو حديث عن أكثر من مؤسسة ثقافية إنه حديث عن تقليد ثقافي تشكّل عبر العمل الجماعي وعن مشاركة اجتماعية جعلت من الكلمة وسيلة للحوار وحفظ الذاكرة والتعبير عن معاناة الإنسان وهمومه وقد بات ذلك مثالا من قبل مؤسسات مماثلة بهذا القدر أو ذاك.

قد يعجبك ايضا
∧