الأستاذ المستشار نعمان عبد الغني
خبير في الإدارة والتخطيط والتطوير الرياضي
لم تعد الرياضة الحديثة مجرد نشاط بدني أو منافسة ترفيهية، بل تحولت إلى صناعة اقتصادية عالمية متكاملة تتداخل فيها الاستثمارات وحقوق البث والرعاية والإعلانات والتسويق والسياحة الرياضية. وقد أسهم هذا التحول في تطوير المنشآت الرياضية ورفع مستوى الاحتراف وتحسين ظروف الرياضيين، لكنه في المقابل أثار تساؤلات مهمة حول مدى تأثير المال في القيم والمبادئ التي قامت عليها الرياضة.
وتتجلى العلاقة بين المال والرياضة في مجالات متعددة، أبرزها الإنفاق الحكومي على إنشاء الملاعب والمنشآت الرياضية، والاستثمارات الخاصة التي تقوم بها الأندية والشركات والصناديق الاستثمارية، إضافة إلى العوائد الناتجة عن حقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية والإعلانات، وبيع التذاكر والمنتجات والقمصان الرياضية. كما أصبحت بعض الأندية كيانات اقتصادية ضخمة تستقطب رؤوس أموال كبيرة، وتدار وفق أساليب الإدارة والاستثمار الحديثة.
ولا يمكن إنكار الدور الإيجابي للمال في تطوير الرياضة؛ فهو يوفر الموارد اللازمة لبناء المنشآت الحديثة، وتطوير مراكز التكوين، واستقطاب الكفاءات، وتحسين الرعاية الطبية والتقنية للرياضيين. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة لخدمة الرياضة إلى غاية تتحكم في قراراتها وقيمها.
ومن أبرز التأثيرات السلبية المحتملة الإفراط في التركيز على الربح والصفقات المالية، بما قد يؤدي إلى تراجع بعض القيم التقليدية، مثل الروح الرياضية والولاء والانتماء والنزاهة. كما يمكن أن يؤدي ارتفاع القيمة المالية لبعض اللاعبين إلى التعامل معهم بوصفهم أصولاً استثمارية، تُقاس قيمتهم أساساً بالعائد الاقتصادي والتسويقي.
ويضاف إلى ذلك أن قضايا الفساد المالي، والتلاعب في النتائج، وتضارب المصالح، وعدم الشفافية في بعض الصفقات، يمكن أن تؤثر في ثقة الجماهير والمؤسسات الرياضية، خصوصاً عندما تغيب الرقابة والحَوْكمة الرشيدة. كما أصبحت الجماهير جزءاً من المنظومة الاقتصادية للرياضة من خلال استهلاك التذاكر والمنتجات والخدمات والمنصات الإعلامية، الأمر الذي يعكس اتساع البعد التجاري للرياضة.
ولحماية القيم الرياضية، تبرز أهمية تطبيق أنظمة الرقابة المالية والحوكمة والشفافية، والالتزام بقواعد الاستدامة المالية واللوائح المنظمة للمنافسات، إلى جانب مكافحة الفساد والتلاعب وتضارب المصالح. كما ينبغي تعزيز التربية الرياضية والأخلاقية لدى اللاعبين والمدربين والمسيرين والجماهير، وترسيخ مفاهيم النزاهة والاحترام والروح الرياضية.
إن المال ليس عدواً للرياضة، بل يمثل أحد محركات تطورها واستدامتها عندما يُدار بصورة مسؤولة. والتحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستثمار والربحية من جهة، والقيم والأخلاق والعدالة الرياضية من جهة أخرى. فالرياضة الناجحة ليست التي تحقق أكبر الإيرادات فقط، وإنما التي تستطيع توظيف مواردها الاقتصادية في خدمة الإنسان، وتطوير المنافسة، والحفاظ على الثقة والروح الرياضية.