حرب 2030 ليست حرب 2014: قراءة في تحذيرات فخامة الرئيس مسعود البارزاني ومخاطر ما بعد الانسحاب

الكاتب والباحث في تاريخ الحركة التحررية الكرُدية – شيروان الجاف

حين يقول كاك مسعود إن وضع اليوم يختلف عن عام 2014، لا أستطيع تجاوز هذه الجملة ببساطة. كلمة “يختلف” هنا ترعبني أكثر من اسم داعش نفسه؛ فكلما فكرت فيما يقصده، أدركت أننا نقف على حافة مرحلة مجهولة الملامح. الخوف ليس من عودة داعش بالشكل التقليدي الذي ألفناه وباتت طرق مواجهته معروفة، بل من تنظيم آخر تعلّم من أخطائه وتكيف مع عالم يتغير بسرعة.

اليوم، لا يحتاج الخطر إلى أرتال طويلة ولا آلاف المقاتلين لصنع كارثة؛ فحسبنا خلايا صغيرة، ومسيرات رخيصة، وعبوات متطورة، واستطلاع إلكتروني، مع شيء من الصبر والكثير من الفراغات الأمنية. فمعادلة الحرب تغيرت جذرياً، وتجربة الأزمات العالمية أثبتت أن طائرة صغيرة قادرة على تغيير مصير موقع كامل. هذا النمط من الحروب يتحرك إلى منطقة أكثر برودة وغموضاً، حيث يمكن لشخص بعيد أن يحسم هدفاً لا يراه بعينيه أصلاً.

لذا، لم يعد السؤال عن عدد دبابات داعش أو آلاف مقاتليه، بل عن طبيعة النسخة القادمة: هل سيحتاجون لاحتلال مدن وإعلان دويلات، أم يكفي أن يتحولوا إلى شبكة صامتة تستنزف الجميع من الجبال والوديان والمناطق الرخوة؟ ضربة هنا، مسيرة هناك، واختفاء فوري قبل تبين المصدر. هذا النوع من المواجهات يجعلنا لا ندرك متى دخلت الحرب فعلاً إلا بعد اشتعالها.

بالتأكيد، الجيش العراقي اليوم ليس جيش 2014؛ فقد خاض معارك طاحنة، وتطورت قدرات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، تماماً كما أثبتت قوات البيشمركة شجاعتها في الميدان مراراً. لكن القلق لا يتعلق بشجاعة الرجال، بل باستعداد المؤسسات لحرب الغد. هل نحن جاهزون لعشرات المسيّرات الصغيرة المتزامنة؟ وهل نملك ما يكفي من رادارات، وتشويش، وإنذار المبكر، في معادلة أمنية معقدة؟

من هنا ينبع قلقنا الحقيقي من مرحلة ما بعد الانسحاب الدولي. المسألة أعمق بكثير من مغادرة القوات الأجنبية؛ إنها انتقال العبء كاملاً إلى بغداد وأربيل. وحين أنظر إلى سماء الإقليم والمركز، ومنشآتهما ومناطقهما الوعرة، أتساءل: من سيغطي هذه المساحات الشاسعة إذا تبدل شكل التهديد؟ ومن سيلتقط الخلية قبل تحولها إلى كارثة؟

صحيح أن البيشمركة قطعت أشواطاً في توحيد صفوفها، لكن التحدي القادم أبعد من التنظيم الإداري؛ إنه مرتبط بالتكنولوجيا، والدفاع الجوي، والاستخبارات المتقدمة. والمشكلة الأكبر لا تكمن في بغداد أو أربيل منفردتين، بل في “الفراغ” الذي قد يولد بينهما. فالتنظيمات لا تحتاج لانهيار دولة لتعمل، بل يكفيها جبل مهمل، أو قرية بين قيادتين، أو خلاف سياسي يؤخر معلومة أمنية لساعات.

الذاكرة هنا لا تمنحنا ترف البرود. نحن نعرف تماماً معنى أن تتحول الثغرة الصغيرة إلى مأساة كبرى في آب 2014. التاريخ حين يعود لا يرتدي ذات الثياب؛ فقد يأتي هذه المرة من خلف الشاشة، أو عبر مسيرة منخفضة الارتفاع، أو من زر على بعد آلاف الكيلومترات.

لذا، حين يكرر كاك مسعود أن الوضع ليس كالسابق، أسمع إنذاراً مبكراً لا طمأنينة. العدو الذي تعرفه يسهل الاستعداد له، أما العدو الذي يتطور بينما أنت أسير لصوره القديمة، فلن تراه إلا وهو على عتبة بابك. المعركة المقبلة لن تحسمها البندقية وحدها، بل السماء، والخوارزميات، والبيانات. فهل سنبني منظومتنا الدفاعية المشتركة قبل أن يفرضها علينا حدث دموي جديد، أم سنظل كعادتنا ندفع الثمن أولاً ثم نتعلم؟

قد يعجبك ايضا
∧