بيشمركة كوردستان… من قوات الأحزاب إلى مؤسسة وطنية موحدة

شيركو حبيب

منذ بدايات حركة التحرر الكوردية، كانت البيشمركة حاضرة، وأصبحت جزءًا من تاريخ نضال شعبٍ خاض معارك طويلة من أجل الحرية والحقوق وحماية وطنه. فالبيشمركة ليست مجرد اسم لقوة مسلحة، بل تحولت إلى رمز للصمود والتضحية والدفاع عن شعب كوردستان. ومنذ عهد جمهورية كوردستان في مهاباد، استُخدم اسم البيشمركة بصورة رسمية، وأصبح هذا الاسم، حتى يومنا هذا، جزءًا مهمًا من هوية النضال الكوردستاني. فالبيشمركايتي واجب ومصدر فخر للشعب الكوردي، ولم يكن تاريخ البيشمركة مقتصرًا على الكورد وحدهم، بل شاركت في مراحل مختلفة من النضال قوميات ومكونات أخرى من العراق، وقدّم أبناؤها أرواحهم من أجل الحرية والحقوق.

كانت البيشمركة دائمًا رمزًا للصمود والمقاومة. وفي ثورة أيلول، لم تكن البيشمركة قوة تابعة لحزب، بل كانت قوة ثورة كوردستان بقيادة الأب الروحي للشعب الكوردي، الجنرال الملا مصطفى بارزاني الخالد. وسجّل مئات وآلاف البيشمركة صفحات من البطولة والتضحية. وفي تلك الثورة، جرى تنظيم قوات البيشمركة وتوزيعها بصورة مكّنتها من مواصلة نضال طويل الأمد في مواجهة قوة عسكرية أكبر، وكان بين صفوفها مئات الضباط والقادة العسكريين. وفي ذلك التاريخ، لم يرتبط اسم البارزاني الخالد بالنضال السياسي فحسب، بل ارتبط أيضًا بالبيشمركايتي والدفاع عن أرض الشعب وحقوقه. وأصبح ذلك التاريخ أساسًا لترسيخ قناعة بأن البيشمركة يجب أن تبقى دائمًا في خدمة الوطن والشعب.

بعد انتكاسة ثورة أيلول، ولا سيما بعد أحداث آذار 1975، تغير المشهد السياسي والعسكري في كوردستان. ومع تأسيس عدد من الأحزاب والقوى السياسية، ظهرت قوات مسلحة مختلفة. وفي بعض المراحل، لم تعد هذه القوات مخصصة للدفاع عن كوردستان فقط، بل، وللأسف، وصلت الأمور إلى مواجهات داخلية ألحقت أضرارًا كبيرة بوحدة الحركة الكوردية. لكن كوردستان اليوم تعيش مرحلة مختلفة. فكوردستان التي كانت بالأمس بحاجة إلى قوات بيشمركة مسلحة لحماية أرضها والدفاع عن حقوقها، تحتاج اليوم إلى قوات البيشمركة نفسها، ولكن ضمن إطار جديد يقوم على بناء مؤسساتي وتوحيد القوات.

إن كوردستان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى قوة وطنية موحدة، قوة تدافع عن مكتسباتها وتجربتها الديمقراطية ومؤسساتها، وتعمل في إطار القانون ومؤسسات إقليم كوردستان. ومن هنا، فإن توحيد البيشمركة ليس مشروعًا عسكريًا فقط، بل هو مشروع وطني ومؤسساتي. وفي مسار هذا التوحيد، كان لدور القيادة السياسية أهمية كبيرة، ولا سيما دور الرئيس مسعود بارزاني، ورئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، ورئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، وهو دور ينبغي أن يُذكر باعتباره جزءًا من تاريخ هذا التحول المؤسساتي.

لقد دعم الرئيس مسعود بارزاني، على مدى سنوات طويلة، عملية إصلاح وتوحيد البيشمركة، إلى جانب دوره المعروف في تاريخ البيشمركة والنضال الكوردي. وخلال السنوات الماضية، جرت متابعة هذه العملية بصورة أكثر جدية، وكان للرئيس بارزاني، من خلال دعمه وإشرافه، دور مهم فيها. كما كان لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، دور في دعم عملية توحيد قوات البيشمركة وتعزيز مؤسسات الإقليم. فهذه العملية لم تكن بحاجة إلى خطوات عسكرية وتنظيم القوات فقط، بل كانت بحاجة أيضًا إلى دعم سياسي ومؤسساتي وتعاون بين مؤسسات الإقليم. وقد أكد رئيس الإقليم أهمية أن تكون قوة الدفاع عن كوردستان قوة وطنية ومؤسساتية، لا قوة محدودة بجهة سياسية معينة.

وفي الوقت نفسه، وضع مسرور بارزاني، منذ بداية توليه رئاسة حكومة إقليم كوردستان، توحيد قوات البيشمركة ضمن مشروع الإصلاح الحكومي. وخلال السنوات الأربع الماضية، استمرت هذه العملية من خلال التنسيق والعمل المتواصل، حتى وصلت إلى مرحلة توحيد القوات ضمن إطار وزارة البيشمركة.

إن جمع القوات تحت مظلة وزارة البيشمركة يمثل خطوة مهمة نحو بناء إطار عسكري أكثر تنظيمًا، يشمل مجالات العمليات والتدريب والقيادة والسيطرة والنظام الإداري، ويضع البيشمركة أمام مرحلة جديدة من العمل المؤسساتي والمهني. ولا شك أن هذه الخطوة تمثل نقطة مهمة في التاريخ الحديث للبيشمركة، لكنها لا ينبغي أن تُعتبر نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة لبناء قوة بيشمركة مهنية وموحدة ووطنية. ويجب أن يصبح توحيد البيشمركة أساسًا لبناء مؤسسة عسكرية لكوردستان. فالبيشمركة، وهي تفخر بتاريخها وتضحياتها، مطالبة في الوقت نفسه بأن تستعد لمتطلبات المستقبل.

وفي كوردستان، لكل قوة سياسية تاريخها وتجربتها، وهذا جزء من التاريخ السياسي الكوردي. لكن قوة حماية كوردستان يجب ألا تبقى ضمن حدود الحزب أو التنظيم السياسي، وألا تتحول إلى قوة خاصة لأي جهة كانت. إن ما حدث في 21 أيلول 2026 يمثل بداية هذه المرحلة، وليس نهايتها. فتوحيد القوات لا يكتمل بمجرد إصدار الأوامر وإعادة التنظيم، بل يحتاج إلى تعزيز القدرات العسكرية، والتدريب المهني، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية. وقد أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان في المرحلة الأخيرة من هذه العملية أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تعزيز قدرات البيشمركة وزيادة احترافيتها.

إن كوردستان، لكي تتمكن من مواجهة المخاطر الأمنية بصورة صحيحة، تحتاج إلى قوة عسكرية ذات قيادة موحدة، تكون مسؤوليتها أمام المؤسسات الوطنية والقانون. ومن جهة أخرى، فإن توحيد البيشمركة لا يتعلق بالداخل الكوردستاني وحده. فكوردستان تقع في منطقة حساسة، والتغيرات الأمنية والسياسية في المنطقة تؤثر، بشكل أو بآخر، على إقليم كوردستان. ووجود قوة عسكرية وطنية وموحدة يمكن أن يعزز قدرة الإقليم على حماية أمنه والدفاع عن أراضيه.

إن كوردستان تمر بمرحلة يجب أن يكون فيها بناء المؤسسات في مقدمة المشاريع السياسية. فالبرلمان والحكومة والقضاء والمؤسسات الأمنية وقوات البيشمركة، جميعها بحاجة إلى ترسيخ طابعها المؤسساتي والعمل وفق القانون. وفي تاريخ كوردستان، حمت البيشمركة أرضها بدمائها وأرواحها، جيلًا بعد جيل، وأصبحت رمزًا للدفاع والصمود. وهذا التاريخ يجب أن يبقى محفوظًا، لكن الحفاظ على التاريخ لا يكون بمجرد استذكاره، وإنما أيضًا ببناء مستقبل يليق بذلك التاريخ. وتصبح كوردستان أقوى عندما تمتلك قوة دفاع موحدة، وتستطيع البيشمركة أن تفخر بتاريخها بصورة أكبر عندما يتحول ذلك التاريخ إلى أساس لبناء مؤسسة جديدة.

البيشمركة الكوردستانية هي تاريخ نضال، لكن مستقبل البيشمركة يجب أن يكون مؤسسة وطنية موحدة. فهل آن الأوان لتحديد يوم باسم «يوم البيشمركة الكوردستانية»؟ قد يكون 11 أيلول، باعتباره يومًا من أبرز أيام تاريخ نضال البيشمركة وثورة أيلول، أو 21 أيلول، باعتباره يوم توحيد قوات البيشمركة. وربما يحمل كل تاريخ منهما دلالة خاصة، لكن الأهم أن يكون للبيشمركة يومٌ يجمع تاريخها وتضحياتها ورسالتها ومستقبلها.

قد يعجبك ايضا