التآخي/ ناهي العامري
صباح الاحد المصادف الاول من آذار ٢٠٢٦، يوم حزين على المجتمع المدني والمنظمات النسوية، اذ تم اغتيال الناشطة المدنية ينار محمد/ رئيسة منظمة حرية المرأة، أمام دارها في بغداد حي البنوك، بعد عودتها من كندا. ارتكب الجريمة مسلحان يقودان دراجة نارية، امطروها بوابل من رصاص مسدسيهما، ثم ولّيا هاربان الى جهة مجهولة!
تلك الجريمة البشعة ايقظت لدى الكثيرين ذاكرة الحزن، فما زال مشهد الضحايا الذين اغتيلوا بنفس الطريقة طريا في الاذهان، فكتب الكثيرون عن تداعيات تلك الجريمة واسبابها على صفحاتهم الشخصية، ذاكرين السيرة الحسنة للراحلة ينار، وأبرز من كتب على صفحات التواصل الاجتماعي، الكاتب والاعلامي البارز فلاح المشعل، اذ يقول في مقاله: (ينار في زمن النار):
((الجمعة التي سبقت الحرب بساعات، كانت محاضرتي عن الحريات، من العهد الدكتاتوري الى زمن هيمنة الاسلام السياسي، كان النقاش صريحا وواضحا حول النظام السياسي الهجين الذي يدعي الحرية والديمقراطية، فيما ينشط في ظله السلاح المنفلت، وتتمدد حرية المليشيات وكواتم الصوت، وتغيب قدرة الدولة عن حماية الأصوات الحرة والشجاعة التي تتصدى للاستبداد وقوى الظلام.
كان ذلك جزءا من جوابي على سؤال طالما تكرر، لماذا اغتيل المفكر كامل شياع، ولماذا اسكت صوت الفنان هادي المهدي، ولماذا قتل الصحفي آحمد عبد الصمد وغيرهم؟
لان الحرية في هذا النظام غير مصونة، بل شعار معلقا على جدار هش، تخرقه رصاصة في ليل بلا مسائلة.
في تلك اللحظات نفسها كانت خفافيش الظلام تتهيأ لإضافة اسم جديد الى سجل الدم، تستعد لتصفية الصوت الحر والناشطة البارزة في الدفاع عن حقوق المرأة المهندسة ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة، كأن قدر هذه البلاد أن تختبر صدقية شعاراتها بدم ابنائها.
لا حرية في ظل سلطة السلاح وأجندات الظلام، ولا ديمقراطية حيث يتقدم الكاتم على القانون، وتعلو ارادة الفصيل على ارادة الدولة!
كان اعتراضي على بعض الاصدقاء الذين يسعون الى رفع لواء العلمانية في النشاط السياسي، منطلقا من ادراكي لسطحية الايمان بالحرية في بيئة يتسيدها الجهل وتتحكم بها قوى لا تؤمن الا بالغلبة، الحرية ليست لافتة انتخابية، بل ثقافة مجتمع وشجاعة دولة، وقانون يحمي المختلف.
ان شعبا مفرغا من قوته الاحتجاجية، أو محروما من القدرة على حماية اصواته الحرة، لا يستطيع ان يصون حريته، كما تفعل الشعوب الحية حين تجعل من الاعتداء على مفكر أو ناشط قضية وطن بأكمله.
ينار محمد ليست اسماً عابراً في زمن عابر، انها ضياء أخير في عتمة ديمقراطية مشوهة، واختبار أخلاقي لوطن يتردد بين ان يكون دولة تحمي ابنائها، أو ساحة مفتوحة لرصاص الظلام)).
كما كتبت سارة اياد علاوي ما يلي:
((تلقينا ببالغ الحزن والاسى نبأ اغتيال الناشطة المدنية ورئيسة منظمة حرية المراة السيدة ينار محمد في بغداد، واذ ندين باشد العبارات هذا الحادث الاليم الذي يأتي ضمن سلسلة الاستهدافات المتكررة التي تطال النساء والناشطات والعاملين في منظمات المجتمع المدني، فانه يعد مؤشرا خطيرا على كبت الحريات ومحاولة اسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح، وندعو الجهات المختصة الى اتخاذ الاجراءات الفورية والعاجلة لكشف ملابسات الجريمة، وملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة لينالوا جزائهم العادل وفق القانون.
ان حماية المرأة وصون امن الناشطات والعاملين في مجال المجتمع المدني مسؤولية وطنية تقع على عاتق الحكومة والاجهزة الأمنية، بما يضمن بيئة آمنة تمكن الجميع من اداء دورهم المجتمعي والانساني دون خوف أو تهديد)).
اما الاديب الروائي عزيز الشعباني فقد كتب:
((التنوير يعمل على تحرير العقل من الوصاية، قوى الظلام تخشى السؤال والنقد، لذلك تلجأ الى تصفية المفكرين والتنويريين والناشطين المدنيين، ان ما تعرضت له الناشطة المدنية ينار محمد من تصفية جسدية، وما يتعرض له رفاقها من المفكرين واصحاب الرأي ليست حوادث معزولة، بل منهج منظم تتبعه قوى الاسلام السياسي لتركيع المجتمع وافراغه من طاقاته الحية، يستطيعون قطف الزهور، لكنهم لا يستطيعون منع الربيع من القدوم، والرصاصة قد تقتل جسدا، لكنها تمنح الفكرة أجنحة)).