إعداد ـ التآخي
تشهد بعض البلدان شحة أو انعدام في توفير الطاقة للسكان برغم توافر مصادرها ومن ذلك النفط والغاز، ويحدث ذلك في أكثر من مفصل حياتي، في مجال الطاقة الكهربائية مثلا، فيما دول اخرى لا تمتلك مصادر للطاقة وبرغم ذلك توفر تلك الخدمات لسكانها، وفضلا عن ذلك فإن دولا متخمة بمصادر الوقود ومصنفة في طليعة الدول في آباره ومصادره تحدث فيها شحة بتوفيره للمركبات وحتى للسكان.
هذه قضية جوهرية وشائكة في مجالات الاقتصاد السياسي، والإدارة العامة، والسياسات التنموية، وهي مفارقة تنموية كلاسيكية، تُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “لعنة الموارد”
(Resource Curse).
في جانبها المؤسساتي، يمكن تقسيم التبعات إلى ثلاث فئات من الدول لتوضيح التباين: أولا، دول “الوفرة المهدورة” تمتلك ثروات طبيعية هائلة ولكنها تعاني من شح في الخدمات (مثل الكهرباء والوقود) لأسباب تتعلق بضعف الإدارة أو الفساد. ثانيا دول “الفقر المبدع”، لا تمتلك موارد طبيعية لكنها حققت وفرة واستدامة في الطاقة بوساطة الحوكمة الرشيدة والتكنولوجيا (مثل بعض الدول الأوروبية أو الآسيوية). ثالثا، دول “الأزمة المتناقضة”، دول منتجة ومصدرة كبرى تعاني أزمات طاقة داخلية (أزمات الوقود). وأسباب المشكلات يمكن تلخيصها بالأبعاد الآتية، ضعف الحوكمة والمؤسسات، غياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى و الفساد الإداري والمالي في قطاع العقود وتوزيع الموارد و غياب المساءلة والمحاسبة عن هدر الموارد. وهناك أسباب تتعلق بالبنية التحتية والتقادم التكنولوجي وذلك بالاعتماد على محطات توليد قديمة أو متهالكة و عدم الاستثمار في الشبكات الذكية (Smart Grids) أو الطاقة المتجددة كبديل مكمل، واسباب تتعلق بالسياسات السعرية والدعم الحكومي وغياب سياسات ترشيد الاستهلاك، ومشكلة “الدعم غير الموجه” الذي يستنزف ميزانية الدولة من دون أن يصل لمستحقيه بكفاءة.
وتبرز أيضا العوامل الاقتصادية الكلية بتفضيل تصدير الخام (للحصول على عملة صعبة) على حساب تحويله إلى طاقة للمستهلك المحلي، وغياب الشراكات مع القطاع الخاص التي قد توفر الحلول التمويلية والتقنية.
و”لعنة الموارد” (وتُعرف أيضا بـ “مفارقة الوفرة”) هي ظاهرة اقتصادية وسياسية تشهد فيها الدول الغنية بالموارد الطبيعية (مثل النفط، الغاز، أو المعادن الثمينة) نموا اقتصاديا أبطأ، ومستويات أعلى من الفساد والفقر وعدم الاستقرار، مقارنة بالدول التي تفتقر إلى هذه الموارد. وتنشأ هذه الظاهرة نتيجة عدة عوامل متشابكة منها الأسباب الاقتصادية او ما يعرف بالمرض الهولندي: يُقصد به تدفق الثروة الناتجة عن مورد واحد (كالنفط) مما يؤدي إلى رفع قيمة العملة المحلية، هذا يجعل السلع والخدمات المحلية الأخرى (مثل الزراعة والصناعة) باهظة الثمن وأقل قدرة على المنافسة عالميا، مما يؤدي إلى تدهور القطاعات الأخرى. ومن ذلك تقلبات الأسعار، اذ يعتمد اقتصاد الدولة بشكل مفرط على سلعة واحدة تتغير أسعارها باستمرار في الأسواق العالمية، مما يؤدي إلى عدم استقرار الموازنة العامة، اما الأسباب السياسية فتتعلق بالسياسات الريعية: عندما تأتي إيرادات الدولة من بيع مورد طبيعي وليس من ضرائب السكان، تضعف المساءلة الحكومية وتصبح السلطة أقل اهتماما بتطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى. ومن الأسباب أيضا، الفساد والصراع، اذ يؤدي تمركز الثروة في يد النخبة الحاكمة إلى زيادة احتمالية نشوب الصراعات السياسية والحروب الأهلية والفساد المالي والإداري.

وتتواجد أمثلة واقعية من النماذج السلبية، اذ تعاني بعض الدول المعتمدة كليا على تصدير النفط من أزمات اقتصادية متكررة وتراجع في البنية التحتية. فيما تمكنت دول أخرى مثل النرويج من تجنب “لعنة الموارد” عن طريق تأسيس صناديق سيادية ضخمة تستثمر العوائد للأجيال المقبلة.
أدارت النرويج والمانيا اقتصادهما بغياب الموارد (أو شحتها) عبر نهجين متباينين؛ اذ وظّفت النرويج ثروتها النفطية لتأمين المستقبل من خلال صندوق ثروة سيادي ضخم، بينما تغلبت ألمانيا على افتقارها للموارد الطبيعية عبر بناء اقتصاد قوي قائم على الابتكار والتصدير والتعليم. فضلت النرويج، الإدارة الحكيمة لوفرة الموارد في وقته عندما اكتشفت النفط في بحر الشمال، تجنبت الوقوع في “لعنة الموارد” (حيث تؤدي الثروة السريعة إلى التضخم وانهيار الصناعات الأخرى) من خلال سياسات حازمة بتأسيس صندوق الأجيال المقبلة، اذ أسست النرويج عام 1990 ما يُعرف بـ صندوق التقاعد الحكومي العالمي، تستثمر فيه معظم الإيرادات في الأسواق العالمية بدلا من إنفاقها محليا لتجنب التضخم. القاعدة المالية الصارمة، تُلزم الحكومة نفسها بسحب واستخدام نسبة لا تتجاوز 4% فقط من أرباح الصندوق سنويا لدعم الميزانية العامة. الملكية العامة والضرائب: احتفظت الدولة بملكية الموارد وفرضت ضرائب باهظة تصل إلى 78% على أرباح شركات النفط لضمان توزيع الثروة على المجتمع بأكمله.
وفي ألمانيا جرى تحويل غياب الموارد إلى قوة صناعية، اذ تفتقر ألمانيا إلى الموارد الطبيعية الكبرى باستثناء الفحم، ومع ذلك تمكنت من بناء أكبر اقتصاد في أوروبا من خلال اقتصاد السوق الاجتماعي بنظام يجمع بين حرية السوق والمنافسة العادلة، وبين شبكة أمان اجتماعي واسعة تضمن الاستقرار المجتمعي. الشركات المتوسطة والمبتكرة (Mittelstand) كانت المحرك الرئيس للاقتصاد الألماني وليست الشركات العملاقة فقط، بل آلاف الشركات المتوسطة المتخصصة في التصدير. التركيز جرى على القيمة المضافة: تعتمد ألمانيا على استيراد المواد الخام الرخيصة وتحويلها إلى منتجات صناعية عالية القيمة والتعقيد (مثل السيارات، الآلات، والمعدات الطبية) للتصدير العالمي. واعتمدت المانيا على الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير، فاستجابة لافتقارها للمواد الخام، تُعد ألمانيا رائدة عالميا في إعادة تدوير المعادن والبلاستيك لتأمين مصادر مستدامة للصناعة.
لقد جرى التحول الرقمي في إدارة الطاقة بدمج التقنيات الحديثة (مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء) في شبكات الطاقة، بهدف تحسين الكفاءة، ودعم الطاقة المتجددة، وتقليل الهدر من خلال التحول من التوليد المركزي إلى الإنتاج اللامركزي وإدارة الموارد بناء على البيانات اللحظية. وأبرز التقنيات المستخدمة الشبكات الذكية: أنظمة توزيع مرنة قادرة على التنبؤ بالأحمال وضبط التوزيع آليا. العدادات الذكية: تتيح تتبع الاستهلاك الفعلي للطاقة بشكل لحظي. الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء: لتحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بأعطال المعدات قبل حدوثها. الفوائد والمميزات التي توفرها تتعلق بكفاءة التكلفة: تقليل الفاقد الكهربائي وخفض استهلاك الطاقة ودعم الاستدامة بتسهيل دمج مصادر الطاقة النظيفة (الشمسية، الرياح) في الشبكة العامة والحد من الانبعاثات بتحسين تتبع البصمة الكربونية وتقليل هدر الموارد الطبيعية.
المأزق العراقي
إن التركيز على العراق يمثل مثالا استثنائيا، كونه يمثل الانموذج الأكثر تعقيدا لـ “مفارقة الوفورات”، فأنت تتحدث عن دولة تمتلك واحدا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لكن مواطنيها يعانون من طوابير الوقود ونقص الكهرباء؛ وهذا ما يسميه الاقتصاديون بـ “الاقتصاد الريعي المشوه”.
وهنالك عدة إشكاليات في هذا الجانب، إشكالية “الاعتماد على الخارج” (الاستيراد مقابل الإنتاج) في الوقود، فبرغم امتلاك العراق للنفط الخام، إلا أن النقص الحاد في سعات التكرير (المصافي) يجعل الدولة تضطر لاستيراد المشتقات النفطية (البنزين، الغاز السائل) بأسعار عالمية. أي أن العراق يبيع “الخام” ويشتري “المشتقات” بضعف التكلفة، مما يجعل الميزانية مرهونة بأسعار السوق العالمية وبقدرة الدولة على التمويل.
في الكهرباء يجري الاعتماد المفرط على استيراد الغاز لتشغيل المحطات بدلا من استثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق يوميا، يجعل ذلك قطاع الكهرباء “رهينة” للإرادات السياسية والضغوطات الدولية. وهناك التضخم الإداري والفساد في “إدارة الملف” وغياب التخطيط فالتوسع العمراني السريع في بغداد والمحافظات لم يقابله توسع موازٍ في خطوط النقل والتوزيع. والمحطات قد تكون متواجدة، لكن “الشبكة” مهترئة ولا تتحمل الأحمال. وان نسبة الفقد في شبكات التوزيع العراقية عالية جدا بسبب التجاوزات على الشبكة، والأسلاك المتهالكة، وغياب العدادات الذكية التي تضبط الاستهلاك.

والمشكلات أيضا تكمن في مركزية القرار والارتباط الوثيق بين ملف الطاقة والتقلبات السياسية يجعل من الصعب وضع خطط تنموية بعيدة المدى، اذ يجري التعامل مع الأزمات كـ “إطفاء حرائق” يومي وليس كبناء استراتيجي.
وتلك الأسباب وغيرها تفسر تراجع الكهرباء وتثير المقارنة بين “الوعود” و”الواقع” وكيف تحول نظام التجهيز من (4 ساعات تجهيز مقابل ساعتي قطع) في سنين سابقة إلى (ساعة واحدة تجهيز مقابل خمس ساعات قطع)، وفي بعض المناطق لا تأتي الكهرباء الا نادرا بخاصة في بعض مناطق بغداد، مع ملاحظة أن درجات الحرارة في العراق في ارتفاع مستمر، مما يزيد الطلب بشكل قياسي.
يحدث في العراق تراكم للأزمات: كيف أن أزمة الغاز والوقود هي انعكاس لغياب الاستثمارات في البنية التحتية الأساسية منذ عقود، وتفضيل الحلول الآنية (الاستيراد) على الحلول الاستراتيجية (بناء المصافي) وهل المشكلة في “نقص الموارد” أم في إدارة الموارد المتاحة وأين تحليل دور الرقابة، وتدخل الفساد في عقود التجهيز وأين يذهب الغاز المصاحب؟ مع وجوب استثمار الغاز الذي يتم حرقه حاليا وتحديد مدى كفايته لسد حاجة محطات الكهرباء. وكثير من التساؤلات الأخرى: لماذا يخاف المستثمر من الدخول في قطاع التكرير أو التوزيع في العراق؟ مع تحليل البيئة الاستثمارية والقوانين والتشريعات.
من إدارة الازمات الى حلها
مطلوب من الدولة اعتماد الإدارة الذكية؛ لا يعني ذلك استعمال التكنولوجيا فحسب، وإنما أن يكون موظف الدولة مواكبا للتطورات التي تطرأ في مجاله عالميا حتى يستطيع أن يتفاعل معها إيجابيا وتنعكس إبداعا في مجاله. الوضع الحاصل اليوم أن موظف الدولة يعيش خارج التاريخ تماما، فهو لا يعرف شيئا عن الحاسوب، ناهيك عن تصفح الإنترنت ومعرفة ما أحدثه من ثورة هائلة في مجال الإدارة، هذا فضلا عن أن الإدارات الحكومية لا تزال تستخدم الورق وغير ملمة ببرامج الإدارة والملفات الإلكترونية والشبكات الداخلية، وما إلى ذلك. هذا يعني ضرورة خضوع الموظف العام للتأهيل المهني بما يمكنه من القيام بمهامه على أكمل وجه، على أن يتم التخلص من أي موظف عام يعجز عن مواكبة التطور.
وعلى صعيد صناعة القرار، لابد من وجود أسس علمية لاتخاذ القرار في الدولة على ضوء مبادئ توجيهية تتأسس عليها سياسة الدولة وتوجهها بصورة عامة. الوضع القائم في أغلب الدول العربية أن الدولة كلها تدور حول الرئيس والنخبة الحاكمة ومجموعة من الطبالين والزمارين، ويكون القرار في الغالب مدفوعا من جهة أو جهات لها مصلحة ولها نفوذ على السلطة صاحبة القرار، لذلك نجد أن القرارات تتغير وتتبدل في فترات وجيزة بعد أن تصبح نتائجها كارثية. ولا يمكن الكلام عن اتخاذ القرار من دون اعتبار الرأي الآخر. الطريقة التي يتخذ بها القرار في الدول المحترمة تقوم على خطوات معينة تضمن الاستماع لإيجابيات وسلبيات القرار بإشراف أهل الاختصاص مع إثبات أنه يخدم المصلحة العليا للبلاد استنادا إلى الواقع. ومن هنا يصبح الرأي الآخر البنّاء ضروريا لأنه يعزز القرار ويوضح أي سلبيات قد ينطوي عليها بما يمكن السلطة المعنية من اتخاذ الترتيبات المطلوبة لتلافي السلبيات المحتملة، ولهذا السبب يتم تخصيص ميزانية من الدولة لصالح المعارضة السياسية حرصا على وجود الرأي الآخر. فالمسؤول لدينا، إذا امتلك سيارة فارهة وبيتا راقيا وسائقين وخدما ظن أنه توج ملكا. هذا النوع من المسؤولين لا يستفاد منه غالبا، لأنه معين ليكون عبدا مطيعا لولي نعمته، ولن يقدم رأيا فنيا يتعارض مع مراد ولي نعمته، فضلا عن أنه سينهمك في الفساد ليستولي على أكبر قدر من المال العام قبل أن يفقد المنصب.
إذن، تأسيس مفهوم الدولة على أساس السكان وإشراك المواطن في التفكير بعد تمكينه من امتلاك أسباب الإبداع والابتكار من الأمور الكفيلة بإخراج الدولة من مأزقها الراهن إلى فضاءات أرحب تتجاوز هموم الأساسيات للّحاق بركب الأمم.
وتوصي إيزابيلا تيكسيرا، الرئيسة المشاركة للفريق الدولي المعني بالموارد، بإضفاء الطابع المؤسسي على إدارة الموارد ومساراتها، لا سيما تعميم الاستغلال المستدام للموارد في استراتيجيات تنفيذ الاتفاقات البيئية المتعدد الأطراف، وتحسين قدرة البلدان على قياس وتحديد أهداف استهلاك الموارد والإنتاجية؛ وتوجيه التمويل نحو التشغيل المستدام للموارد من خلال عكس التكلفة الحقيقية للموارد في هيكل الاقتصاد (مثل الإعانات واللوائح التنظيمية والضرائب والحوافز والبنية التحتية والتخطيط). وتشمل التوصيات الإضافية توجيه التمويل الخاص نحو الاستغلال المستدام للموارد ودمج المخاطر المتعلقة بالموارد في صلاحيات الحكومات والبنوك المركزية.
وعن طريق تنفيذها في آن واحد، يمكن لهذه الاستراتيجيات أن تؤدي إلى التحول في البنى التحتية والنقل وأنظمة الغذاء والطاقة، مما يؤدي إلى زيادة استغلال الطاقة المتجددة والكفاءة في تشغيل الطاقة، وإنشاء مزيد من المدن التي يسهل فيها المشي وركوب الدراجات مع تحسين وسائل النقل العام وفرص العمل عن بعد، والحد من هدر الأغذية وفقدها، وستشهد البلدان ذات الدخل المرتفع وذات الدخل فوق المتوسط تحولا بعيدا وتطور مدنا أكثر اندماجا، في حين ستعمل البلدان المنخفضة الدخل على زيادة استغلالها للموارد للعيش في حياة كريمة.