المتلونون وتجار الفتن.. أبواق لا تعيش إلا على الانقسام

عرفان الداوودي

ليس كل من حمل كاميرا أصبح إعلامياً، وليس كل من امتلك صفحة على مواقع التواصل أصبح صحفياً. فالإعلام رسالة ومسؤولية وأمانة، أما المتلونون وتجار الفتن فلا يعيشون إلا على إثارة الضجيج ونشر الكراهية وتأجيج الخلافات بين أبناء الوطن الواحد.

قالوا قديماً: إذا لم تكن وردة فلا تكن شوكة، وإذا لم تستطع إطفاء النار فلا تسكب عليها الزيت. لكن هناك من جعل من التحريض مهنة، ومن الفتنة تجارة، ومن الكذب وسيلة لجذب المشاهدات وتحقيق المصالح.

فكم من حادثة فردية أو خطأ شخصي يتم تضخيمه وتحويله إلى معركة بين الشيعة والسنة، أو بين الكورد والعرب، أو بين أبناء المدينة الواحدة. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل يبحثون عن الشرخ والانقسام، لأن وحدتنا الوطنية تحرمهم من المكاسب التي يجنونها من الفوضى.

المؤسف أن بعض الأبواق الفارغة والمطبلين المأجورين لا يستطيعون العيش إلا في أجواء الأزمات. فإذا هدأت النفوس أشعلوا ناراً جديدة، وإذا تقارب الناس اختلقوا قصة جديدة، وإذا ساد الاستقرار بحثوا عن أي كلمة أو موقف ليحولوه إلى فتنة جديدة.

الوطن لا يحتاج إلى تجار أزمات، بل يحتاج إلى أصحاب ضمائر حية وكلمات مسؤولة. فالكلمة قد تبني جسور المحبة، وقد تهدم سنوات من التعايش والإخاء. لذلك فإن حماية السلم المجتمعي واجب وطني وأخلاقي وقانوني، وعلى الجهات المختصة محاسبة كل من يروج للكراهية والتحريض أو يسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.

لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً بسبب الفتن والصراعات، وقدموا آلاف الشهداء من جميع المكونات. لذلك لن يكون مقبولاً أن يعود البعض لإيقاظ نار أطفأها العقلاء بدمائهم وتضحياتهم.

لعنة الله على من يوقظ الفتنة، ورحمة الله على من يطفئها. فالأوطان تُبنى بالمحبة والاحترام والعدالة، لا بالكراهية والتحريض والا إن الأوطان لا تهزمها الجيوش بقدر ما تهزمها الفتن والشائعات والكلمات المسمومة. والمتلونون الذين يغيرون مواقفهم بحسب المصالح، والأبواق التي تقتات على الأزمات، لن يصنعوا مجداً لأنفسهم مهما ارتفعت أصواتهم، فالتاريخ لا يخلد أصحاب الضجيج بل يخلد أصحاب المواقف.

فليعلم تجار الفتن أن العراقيين بكل مكوناتهم قد تعبوا من الصراعات والانقسامات، وأن صوت العقل والمحبة أقوى من أصوات الكراهية والتحريض. ومن أراد خدمة الوطن فليجمع الناس لا أن يفرقهم، وليطفئ نار الفتنة لا أن ينفخ فيها.

وسيبقى أصحاب الضمائر الحية والبناة المخلصون هم عنوان المرحلة، أما المتلونون والمطبلون والمأجورون فلن يجنوا في النهاية إلا الخيبة وسوء الذكر، لأن الحقيقة تبقى، أما الأكاذيب فمصيرها السقوط مهما طال الزمن.

رحم الله من أصلح بين الناس، ولعن الله من سعى لإشعال الفتن بينهم، فالوطن أكبر من مصالحهم، والشعب أوعى من أكاذيبهم، والتاريخ لا يرحم من جعل من الفتنة تجارة ومن الكراهية وسيلة للعيش.

قد يعجبك ايضا