التعليم في العراق بعد 2003 التحديات الراهنة والمعالجات

د. كريم نوري عبد الله الدليمي

يعد التعليم من اهم الركائز الأساسية لبناء المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة، اذ يسهم في اعداد الافراد وتأهيلهم للمشاركة الفاعلة في مختلف جوانب الحياة، وقد شهد قطاع التعليم في العراق بعد 2003، تحولات كبرى رافقتها تحديات معقدة اثرت في مسيرته وتطوره.

يعد التعليم عامل البناء لأي مجتمع يمكن الناس من العمل من اجل تنمية قدراتهم ونموهم العقلي واستيعابهم الذهني، ويعمل على ابراز الإمكانات الخفية للأفراد وتطورها، كما ان التعليم هو الطريق الى التنمية الأخلاقية والوطنية والتطور الاجتماعي ونمو وتطور العامل الاقتصادي في البلد، حيث انه يخلق الشعور بالمسؤولية بين أطياف المجتمع العراقي بشكل عام، وعلى أساس التعليم لا يدرك الناس واجباتهم فحسب بل عن طريق التعليم يعرفون أيضا كيفية تحقيق أهدافهم الوطنية والعمل من اجلها.

كما يمثل التعليم الكثير من الأهداف ومنها تمكين المجتمع من خلال تعزيز وعيهم العام فيما يتعلق بمكانتهم الوطنية والدولية كمواطنين في نظام واسع له مصالح تكون مشتركة ، اذ ان هذا الادراك يخلق جوا من الثقة والتعاون في المجتمع ، ويعزز التعليم والتنمية المستدامة والتنمية الاقتصادية والمجتمعية، وبالتالي يزدهر ويلعب افرادهم دورهم في التنمية الوطنية الشاملة ، لذا فأن العراق دولة غير مستفيدة واقتصادها يعتمد على السوق الريعية غير الاستثمارية واغلب ميزانيته من واردات النفط الخام غير المشتقة وهذا ما يعمل على التهديد وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلد.

حيث الى جانب ذلك ان البلد بين كماشة ضيقة من الاضطرابات السياسية المتزايدة وهذا ما يؤدي إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والتدهور الاقتصادي ، اذ ان هذه المشاكل هي بشكل مباشر أو غير مباشر نتاج نظام تعليمي ضعيف مستقطب وغير متناسق وغير موحد ، كما يواجه العراق اليوم الكثير من المشاكل ومنها مشاكل (الفقر والفساد المالي والإداري)، اذ ان هذه المشاكل أسبابها يعود الى التطرف وقلة الوعي العام للفرد ، والامية المقنعة التي توسعت وكبرت بسبب نظام تعليمي نستطيع ان نقول عليه نحن في دورنا انه هش في بعض مفاصله، حيث تم اهمال الدور الحيوي لقطاع التربية والتعليم في العراق حتى في جانب الميزانيات الممنوحة من قبل الحكومات لهذين القطاعين بتخصيص ميزانيات لا تفي بالغرض لهذين القطاعين، مما أدى الى تدهور الاقتصاد والصحة والاضرار حتى بالقطاع العام ، كما تم التعامل مع التعليم بصورة سطحية وعامه.

وقد واجه التعليم في العراق مجموعة من المشكلات التي اثرت في مستواه وجودته ومن ابرزها التدهور الأمني الذي تسبب في تدمير عدد كبير من المدارس والجامعات إضافة الى نزوح الأف الطلبة والمعلمين من مناطقهم، كما أدى الاستقرار الى انقطاع العملية التعليمية في بعض محافظات العراق لفترات طويلة.

نحن اليوم نعيش في عراق يمر بأزمة اجتماعية وسياسية وأزمة في التعليم المدرسي والجامعي على حد سواء والتي اعتبرها أم الأزمات انها ثاني قضية بعد الفساد تشغل بال العراقي وتقض عليه مضجعه ، وظل في منحى تنازلي وتفاقمت مشاكله عبر توالي السنوات من القرون الماضية، اذ الواقع في رائينا ان الفساد لعب دورا رئيسيا في تدهور التعليم وليكون عائقا كبيرا امام كل حل لهذه الأزمة وليفاقم من مشكلة التعليم الحكومي والابنية وكفاءة التدريسي، كما بينت الاحداث بأن الإجراءات التي تقوم بها الدولة هي إجراءات لا نستطيع ان نقول عليها (فاشلة)، وانما إجراءات غير مدروسة وسطحية في انتشال التعليم في العراق، اذ ان السبب في نظرنا يكمن في كونها إجراءات أحادية بينما المشاكل مشاكل (بنيوية)، تستلزم حلولا جماعية تتدخل فيها جميع الجامعات والمدارس والتربويين ويشارك فيها الخبراء الأجانب كل من مكانه واختصاصه مع انطلاق من تشخيص للواقع وتحليل للأخطاء السابقة وتشخيص لمواقع الفساد فالاستعجال والارتجالية ليست حلا” صحيحا لصناعة القرار ، وليست فيها ضمانة الجودة.

حيث يتميز مجتمعنا التعليمي بانعدام التجانس من حيث التطور ومواكبة تطور التعليم في المحيط والذي حوله، وذلك بسبب سلسلة من الممارسات القسرية اذ تهيمن عليه علاقات سيطرة وخضوع ، تنعكس غالبا على الطريقة التي تقدم بها المعرفة ، وبانعدام البيئة المناسبة – أولا –للكوادر التعليمية ، وثانيا – للفئة المستهدفة والتي تتمثل بالطلبة على كافة مستويات التعليم ، كذلك ظهور شكل محلي يتمثل بفساد اداري تديره مراكز جديدة لصنع القرار، قوضت سلطة اتخاذ القرار لدى المدارس في المدرسة والأستاذ الجامعي في الجامعة، وادت الى فقدان المواطنين للثقة في النظام التعليمي، بسبب التصور بفساد القرارات العليا وانعدام تأثيرها على جودة التعليم ولكن ومن خلال رويئة الكاتب حول موضوع التعليم في القرار، ليس السبب بالقرارات العليا ولا القرارات التي تصدر من خلال المؤسسات الحكومية والإدارية والمديريات ولكن هناك بطانة فاسدة تحيط بهذه المؤسسات التي تصدر من خلالها القرارات ، بتلقي (الرشا، والفساد المالي)، وتوقيع هذه العقود لجهات لا تريد للعراق وللمجتمع العراقي الخير وانما لغرض المنفعة الشخصية بالاستناد الى أصحاب العمل على توجيه هذه القرارات والتواقيع الى جهات غير متخصصة في العملية التعليمة بكل تفاصيلها .

اذ عند ما تسقى اشكالا متخلفة من المعرفة وانعدام تكافل جميع الجوانب الأساسية للمجتمع ، او عندما يتم اختراق هياكل المجتمع وعملياته لأعادة انتاج نفسه من خلال عمليات تعتمد على معرفة خاوية، فأن عمليات حشو للأدمغة بالتلقين تصبح اكثر ملائمة واهمية من عمليات انشاء المعلومات الجديدة، ويصبح التحدي الرئيسي هو مقاومة ونبذ المعرفة الوافدة والتيارات الإنسانية التي تعزز الكرامة والمساواة، واستخدام العقلانية التجريبية، في مقابل تكريس الاستجابة والخضوع ، وتقبل الخرافة والتقاليد البالية بدون اعمال العقل في التمييز بين الغث والسمين وبين الحقيقة والخرافة.

المدرسة والجامعة في المجتمع اليوم تكسب الطالب (ثقافة سطحية)، لانهما يوليان أهمية اكبر للتلقين والحفظ في التدريس، وتعتبر المدرسة مصدر المعرفة ، في توجيه الطالب واهميته في بناء التعليم، وتهمل ما تنتجه ميادين علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الرياضيات والعلوم الأخرى الأساسية في التعليم من ثقافات حديثة تجعل التعلم محوريا لعملية التعليم والتعلم، وتركز على بنائه ليعلم نفسه بنفسه، حيث اليوم لم يعد المثل الأعلى هو الابداع بمعنى القدرة على التعليم والاستعداد مدى الحياة لمواجهة تحديات جديدة ، وتغيير لاستجابات لغرض تحقيق اقصى درجات الاستفادة ، فلا يمكن ان يكون هناك تعلم بدون إعادة التعلم ومن دون المراجعة التي يجب اجراؤها عندما ندرك ضعف ما اعتقدنا اننا نعرفه سابقا.

لم يعد التعليم يفهم على انه اعداد للحياة وعنصر أساس في التقدم والتغيير الاجتماعي بل انه اصبح عملية مجردة لأعداد (مؤهلين لأشغال وظائف منافع شخصية)، عن طريق الدراسة بالاستظهار أي تلقين معرفة مجردة مطلقة ليس لها علاقة سطحية بتجارب الحياة اليومية، ومن دون أي اهتمام بفهم الموضوع ، وحيث لا يسمح بمجال للتساؤل او البحث او التجربة ، اذ الاجدال حول اننا نقول ضعف التعليم الأولي في العراق وانما عدم اكتمال أركانه الأساسية ليواكب التعليم التطور في الدول المجاورة من حيث توفير البيئة الصحية والمكان الجيد ، والكوادر المتقدمة والمتطورة من خلال الاهتمام في هذه الكوادر قبل تنسيبها على ملاك المؤسسات التربوية وإعطاء قيمة كبرى (للمعلم والمدرس والأستاذ الجامعي)، وذلك من خلال الاهتمام به من الناحية المادية وجعل هذه الفئه التي من خلالها تنبثق المجتمعات وتنبثق الدول والحكومات اعلى فئة في المجتمع.

والحقيقة انه حتى الأطفال الذين اتموا المرحلة الابتدائية يفتقرون الى المهارات الأساسية في القراءة والكتابة وعلوم الرياضيات وتعلم اللغة الساندة الإنكليزية التي هي من الأساسيات في التعليم لغرض النهوض بالتعليم ، اذ ان العديد من المناهج لا تضع أهدافا واضحة ، اكثرها مثقلة بالمواد الدراسية ولا تلبي الاحتياجات التعليمية لتلاميذ المرحلة الابتدائية ، وفي كثير من الأحيان لا يتم إيلاء الاهتمام للعوامل الاجتماعية والظروف المعيشية للطلاب ، كما تقدم العديد من المناهج الدراسية ، وغالبا ما تكون طرق التدريس قديمة ونادرا ما يهتم بالعمل الجماعي ، والتعلم المستقل ، والفكر النقدي وحل المشكلات ، واستخدام التقنيات الحديثة ، وتعليم المهارات التي تخدم هذه القطاعات ، ونتيجة لذلك يفتقر الشباب الى المعرفة والمهارات الأساسية التي ستساعدهم لاحقا في شق طريقهم الى الجامعة او في سوق العمل ، ومن خلال مسيرتي الدراسية واطلاعي على العديد من المدارس والجامعات العراقية وما أكده لي بأثبات بعض المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات والتربويين بوجود ازمة في (المعارف، والقيم، والأخلاق)، المتعلقة بالسلوك الإنساني وبعدم قدرة المناهج الدراسية على تنمية شخصية العراقي كفرد يفتخر بالانتماء لمؤسسته سواء كانت مدرسة او جامعة او دائرة حكومية او مصنع.

اذ ان المناهج لها الدور الحاسم والكبير في تربية صحيحة وهدفها زرع وترسيخ الايمان بالقيم والمبادئ الإنسانية والالتزام بالثقافة الوطنية والانفتاح على الثقافة العالمية ، وان تغذي في الطالب مبدأ سير القانون على المواطنين بأنه الوسيلة لتحقيق العدالة والمساواة بينهم ، وبأن تسعى الى تربية وتطوير المعارف والمهارات والمواقف والقيم والسلوك الإنساني في الطالب ، ويشكل خاص اعتزازه بوطنه وانتمائه له ، وتقديم المصلحة العامة ، وتوطيد روح السلام في الذات وادراك أهمية العلم والتكنولوجيا والثقافة والفن واللغات في تطوير الشخصية العراقية .

حيث اننا نرى بدورنا ضرورة ان تتضمن الأهداف التربوية ما مدرج ادناه ، بأن توضع الخيارات والخطط والسياسات لتحقيقها بالرغم من اعترافنا بعدم وجود تحليل عميق حاليا نستند عليه لواقع التربية في العراق وبعدم وجود تقييم كامل للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع العراقي والاهداف تشترك في كثير من جوانبها بما يدعو اليه عدد من التربويين في العراق والعالم العربي والمحيط الاقليمي بشكل عام- ومنها:

-تربية الطالب بثقافة الاعتراف بالأخر وثقافة السلم وبالقيم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
-تربية الطالب بثقافة المحبة والاخاء بين (القوميات، والأديان، والطوائف)، ونبذ التعصب بكل اشكاله وهذا من واجب ، المعلم – والمدرس – والأستاذ الجامعي.
-تربية الطالب بأهمية القوانين واحترامها وبعدم مخالفتها وبحرمة ممتلكات الدولة واموالها ، وعلى ان يعرف حقوقه وواجباته.
-تنمية الشخصية وحب الاستطلاع والتفكير في المستقبل وممارسة السلوك المتمدن والعمل التعاوني والمبادرة عند الطلاب.
-تنمية القدرات اللغوية (عربي، وكوردي، وانكليزي)، عند نشأة الطفل في صف الأول الابتدائي صعودا واكسابه مهارات الاتصال اللغوي الأساسية في التعليم.
-التأكيد على أهمية تدريس العلوم والرياضيات وتنمية التفكير العلمي الإبداعي والقيم المرتبطة به ، والانسجام مع التكنلوجيا ، ولاسيما الحاسوب كمصدر أساسي للمعلومات ومواكبة التطور الالكتروني المحيط بنا .

وأخيرا وليس اخرا ما هو مطلوب من الدولة والحكومة وبصورة مختصرة، هو معالجة الازمة التي يمر بها النظام التعليمي موضوعيا، اذ ان الأسباب واضحة والمعالجة واضحة لتكون نتيجة هذه المعالجة برنامجا اصلاحيا شاملا من خلال الوقوف عند جوانب مسببات هذه الازمة، وباعتبار هذه المعالجة موضوعا اجتماعيا وسياسيا يهم مستقبل العراقيين ومستقبل تقدم التعليم في العراق بشكل عام، خطوتان ايجابيتان قد يؤدي انتهاجهما الى التخلص من كثير من مشكلات التعليم في العراق وتفضي الى مستقبل أفضل.

أولهما – التخلص من الفاسدين والمفسدين والأشخاص الذين يتقبلون الرشا في سبيل انجاز معاملات المواطنين في المؤسسات التعليمية ومراقبتهم عن طريق قوى الامن الداخلي – داخل المؤسسات والدوائر الحكومية والوزارات.

ثانيهما – الاستثمار في التعليم بالنظرة الحقيقية واقولها وبكل مرارة ان العراق يقع في قمة البلدان التي يستشري فيها الفساد ، اذ صرف المالغ الضخمة دون أي مراقبة ومحاسبة ، او نظام محكم في صرف هذه الأموال ، اذ يجب ان تكون صرف هذه الأموال تحت المراقبة ومن خلال لجنة خاصة وتخضع الى المساءلة القانونية، وبخلاف ذلك لن تتحقق أي نتائج ملموسة وبدونها ستبقى الإصلاحات في قطاع التعليم في العراق حلما بعيد المنال .. ولن يكون سوى اهدار للموارد وخلق المزيد من الفرص التي تسمح (للاختلاس، والسرقة في هذه الأموال تأخر التعليم).

ندعو نحن بدورنا مراقبين للوضع العام في العراق وخصوصا التعليم الاولي والتعليم المتوسط والثانوي والتعليم الجامعي، ان يخرج من طاولة الضغوطات الحزبية والمحاصصة وعلى ان يعطى من يتولى الحقيبة الوزارية في التربية والتعليم العالي حرية التعامل في إدارة الوزارة خدمتا لقطاع التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، اذ انهما يمثلان شريان الحياة في بناء الأوطان .

ومن اشهر الاقوال عبر مسيرة التاريخ بخصوص التربية والتعليم : يقول الفيلسوف جان جاك روسو ( التعليم هو عملية تحرير العقل ).

قد يعجبك ايضا