إعداد ـ التآخي
تعد الأعياد العامة، احدى أهم الركائز في بناء الهوية الثقافية والاجتماعية للشعوب، فهي ليست مجرد أيام عطلة، بل هي محطات استراتيجية في حياة الأمم، وتتجلى أهميتها فيتعزيز الهوية والتماسك الاجتماعي، اذ تعمل الأعياد كغراء يربط أفراد المجتمع ببعضهم، وتجدد الشعور بالانتماء للجماعة أو الوطن أو الفكر.
وتمنح الأعياد الإنسان “فاصلا” من ضغوط الحياة اليومية، مما يقلل من التوتر ويزيد من مستويات السعادة والترابط الأسري وتستغلالأعياد غالبا لنقل القيم (مثل التكافل في عيد الأضحى، أو الشكر في أعياد الحصاد) من جيل إلى آخر. وتمثل الأعياد مواسم حيوية للأسواق، حيث يزداد الإنفاق، وتنتعش قطاعات التجارة والسياحة والترفيه.
لا يوجد تاريخ واحد لبداية الأعياد، فهي جزء أصيل من تاريخ البشرية، ونشأت من مصادر رئيسة، اذ ارتبطت الأعياد الأولى بدوران الأرض حول الشمس (الاعتدال الربيعي، الانقلاب الشتوي) وبمواسم الحصاد والزراعة، حيث كان الإنسان البدائي يحتفل لضمان استمرار وفرة الطعام. ونشأت الأعياد لتخليد أحداث مقدسة، أو للتذكير بانتصارات روحية، أو لممارسة طقوس التقرب إلى الخالق. وظهرت مع تشكّل الدول الحديثة، لتخليد ذكرى الاستقلال، أو الثورات، أو شخصيات تاريخية أثرت في مسار الأمة.
هناك قواسم مشتركة تقريبا في أغلب ثقافات العالم عند الاحتفال، من ذلك اللقاء العائلي وهو يمثل العودة إلى “الجذور” وتجمع أفراد العائلة الممتدة. ولا يخلو عيد في العالم من “مائدة مميزة” أو أطباق خاصة ترتبط بالمناسبة، وتبادلالهدايا والتهاني كوسيلة لتعزيز المودة وتجاوز الخلافات وارتداء الزي الوطني أو الملابس الجديدة تعبيرا عن التقدير للمناسبة.
ويتميز العيد بالممارسات المتفردة (الخصوصية الثقافية)، وهنا يظهر ثراء التنوع البشري فعيد الأضحى (إسلامي)، يتميز بطقس “الأضحية” وتوزيع اللحوم على الفقراء، وهو تجسيد عملي للتكافل، و عيد “هولي” (الهند): يتميز بالتراشق بالألوان الطبيعية احتفالا بقدوم الربيع وانتصار الخير. و يوم الشكر (أمريكا الشمالية) يرتبطبالطقوس الزراعية وتناول الديك الرومي، وهو عيد اجتماعي بامتياز، وعيد “رأس السنة القمرية” (شرق آسيا) يتميز بطقوس تنظيف المنازل (للتخلص من سوء الحظ) واستخدام اللون الأحمر لجلب الحظ السعيد. واعياد النوروز في الثقافات الفارسية و الكوردية تأتي احتفاءببدء السنة الجديدة والاعتدال الربيعي، بتمسك شديد بالطقوس المرتبطة بالطبيعة.
إن الأعياد بمنزلة “سجل حي” لذاكرة الشعوب؛ فمن خلالها نعرف ما الذي يقدسه شعب ما، وما هي قيمهم الأساسية. إنها الفرصة التي يتوقف فيها الزمن قليلا لننظر إلى الوراء بامتنان، وإلى المستقبل بأمل.
وتعد التجربة الألمانية في الأعياد انموذجا فريدايجمع بين العمق التاريخي، التأثير الديني المسيحي، والنزعة العملية التي تتجلى في تنظيم الفعاليات المجتمعية. فالمجتمع الألماني، رغم ميله للجدية والعمل، يمتلك تقويما احتفالياغنيا يعزز الروابط بين الأفراد والمكان.
تستند الأعياد في ألمانيا إلى مزيج من الجذور المسيحية اذ تمثل الأعياد الدينية (مثل عيد الميلاد وعيد الفصح) العمود الفقري للتقويم، حتى في ظل علمانية الدولة، حيث تظل هذه الأيام عطلات رسمية عامة. والشعب الألماني لديه ارتباط وثيق بتغير الفصول، لذا فإن الكثير من الأعياد ترتبط بقدوم الربيع أو موسم الحصاد. وألمانيا بلد اتحادي (مقاطعات)، مما أدى إلى نشوء “خصوصيات” لكل ولاية أو مدينة، حيث تحتفل كل منطقة بـ “قديسها” أو تاريخها الخاص.
من أبرز الأعياد والممارسات في ألمانيا عيد الميلاد (Weihnachten) وهو سيد الأعياد و ليس مجرد يوم ديني، بل ظاهرة اجتماعية شاملة، و أسواق الميلاد (Weihnachtsmarkt) ظاهرة ثقافية فريدة، حيث تتحول ساحات المدن إلى قرى صغيرة من الأكشاك الخشبية التي تبيع الحرف اليدوية، و المأكولات التقليدية مثلLebkuchen)، والمشروبات الدافئة. تبدأ الاستعدادات من “أحد المجيء“ (Advent)، حيث يتم إضاءة شمعة كل أسبوع، وتزيين شجرة الميلاد التي تعد عنصرا مركزيا في المنزل. وهناك عيد الفصح (Ostern)يحتفل به الألمان بطريقة تركز على الحياة والربيع، فأرنب الفصح والبيض الملون تعود جذورها إلى تقاليد وثنية قديمة جرى دمجها مع المسيحية، ترمز للخصوبة وبداية الحياة. و نيران الفصح (Osterfeuer) ممارسة ريفية شهيرة، حيث يتم إشعال نيران ضخمة في الأرياف في ليلة الفصح، وهي ممارسة تهدف رمزيا إلى “طرد الشتاء” وإفساح المجال للربيع. و هناك مهرجان تشرين الأول (Oktoberfest)برغم أنه يرتبط في الخارج بمدينة ميونيخ، إلا أنه يعكس روح “أعياد الحصاد” التقليدية هو في جوهره احتفال بالتراث البافاري، الأزياء التقليدية ، والموسيقى الشعبية. يجسد هذا العيد كيف تحول “مهرجان زراعي” إلى أيقونة سياحية واجتماعية عالمية.
ويوم الوحدة الألمانية هو العيد الوطني الرسمي في 3 تشرين الاول، ويحتفل به بذكرى إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990. يختلف عن الأعياد التراثية بأنه “سياسي وتاريخي”، اذ تقام فيه الفعاليات الرسمية والخطابات التي تؤكد على هوية الدولة الواحدة.
إذا قارنا الأعياد الألمانية بما هو شائع عالميا، نجد نقاطا لافتة: دقة التوقيت اذ النظام الألماني صارم جدا في توقيت الأعياد؛ فالعطلات تُطبق بدقة، وتغلق جميع المحلات والمصالح (ما عدا المرافق الخدمية)، مما يجبر المجتمع على التوقف الإجباري وممارسة “فلسفة الراحة (Ruhezeit) وحتى في برودة الشتاء، يحرص الألمان على التواجد في الأسواق المفتوحة والساحات العامة، مما يعكس رغبة في كسر العزلة المنزلية. و هناك أعياد قد تجدها في ولاية جنوبية مثل “بافاريا” ولا تجدها في الشمال (مثل أعياد القديسين المحددة)، وهو ما يعزز الولاء المحلي للمدينة أو المقاطعة بجانب الولاء للدولة.
ملاحظة استراتيجية للمقارنة
قد نجد أن الفرق الجوهري بين الأعياد في منطقتنا والأعياد في ألمانيا يكمن في “مساحة الفضاء العام”؛ ففيما يتركز العيد لدينا في الدوائر الأسرية والخاصة، تتقصد ألمانيا تحويل العيد إلى “حدث عام” يجري استهلاكه في الساحات والأسواق، مما يجعل المجتمع يشارك ككتلة واحدة في الاحتفال. تسهم هذه النماذج في “تدجين” التوترات المجتمعية عبر الآليات الآتية: في ألمانيا، تعمل الساحات المفتوحة وأسواق الميلاد كأرضية محايدة يلتقي فيها الجميع (مختلف الطبقات، الخلفيات العرقية، والتوجهات). في بغداد حدث مؤخرا تخصيصمساحات عامة دائمة (وليست مؤقتة) للأنشطة الشعبية وذلك يكسر الحواجز النفسية بين الأحياء ويخلق شعورا بالملكية الجماعية للمدينة، مما يعزز السلم الأهلي عبر التفاعل المباشر. ويعيد تعريف الهوية الجماعية، و بدلا من التركيز على الانتماءات الفرعية (الطائفية أو المناطقية)، توجه الفعاليات نحو “الهوية المدنية” (مثل احتفالات الربيع، أو ذكرى تأسيس المؤسسات، أو المهرجانات الثقافية).
وهنا يمكن تبني “أعياد محلية” للمناطق في بغداد (مثل عيد النخيل، أو ذكرى ترميم معلم تاريخي)، مما يعزز الفخر المحلي بالمنطقة ويقلل من حدة التنافس على الموارد عبر تحويله إلى تنافس إيجابي في “جودة الحياة والاحتفال“، و يمكن عد الأعياد كرافد اقتصادي (اقتصاد التجزئة والمبادرات). ففي الانموذج الألماني اعتمدتأسواق الميلاد على “الأكشاك المؤقتة” التييديرها حرفيون محليون وأصحاب مشاريع صغيرة. هذا يسهل وصول المنتجات المحلية للمستهلك من دون الحاجة لمتاجر ثابتة مكلفة.في بغداد يمكن تطوير تشريعات بلدية مرنة تمنح “تراخيص مؤقتة” للحرفيين والمبدعين لعرض منتجاتهم في أوقات الأعياد والمواسم في الساحات العامة، مما يحفز ريادة الأعمال المنزلية. ويمكن ان يتحول العيد إلى فرصة لجذب سكان المدن الأخرى، مما يضخ السيولة في قطاعات النقل، الفندقة، والمطاعم. ويمكن تنظيم “فعاليات أعياد وطنية” ذات طابع سياحييمكنها أن تجذب المواطنين من المحافظات الأخرى، مما ينعش الاقتصاد المحلي لمدينة بغداد.
ولتحقيق توازن بين السلم المجتمعي والجدوى الاقتصادية، يمكن التركيز على تحويل الأعياد من “عفوية” إلى “مخطط لها إداريا“. أي تواجد أجندة سنوية للمدينة تشرف عليها امانة بغدادوتشارك فيها منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، واستغلال المواقع التاريخية (المطاعم القديمة، الشناشيل، الساحات التاريخية) كمسارح لهذه الأعياد. هذا لا يحفظ التراث فحسب، بل يجعله “منتجا” اقتصاديا يدر دخلا.ويتوجب تغيير “فلسفة العطلة” بالانتقال من كون العطلة مرحلة خمول إلى كونها فترة “حركية اقتصادية”. وهذا يتطلب من البلدية توفير البنية التحتية الأساسية (نظافة، إضاءة، تنظيم مروري) التي تشجع الناس على الخروج والإنفاق.
إن التحدي الأكبر ليس في إقامة الاحتفال، بل في “استدامة التنظيم”. في ألمانيا، يُنظر للفعالية كاستثمار وليس كنفقة و إذا جرت إدارة الفعاليات في بغداد بعقلية “إدارية استثمارية” تضمن حقوق الباعة الصغار وتوفر الأمان للعائلات، فإنها ستتحول تلقائيا إلى صمام أمان اجتماعي ومحرك اقتصادي دائمي لا يستهان به.
يجب التخلص من المعضلة في إدارة المدن الكبرى ذات الإرث الاجتماعي والتعقيد الإداري مثل بغداد، وذلك بالانتقال من “الاجتهاد الفردي والمزاجي” إلى “التنظيم المؤسساتي” ليس مجرد إجراء فني، بل هو مشروع تحديث اجتماعي يتطلب تضافر جهود عدة، فهناك معضلة “الفوضى التنظيمية” ويجب التحول من المزاجية إلى “المأسسة“، اذ ان غياب الثقافة التنظيمية ينتج عنه تحويل العيد من مناسبة فرح إلى “عبء لوجستي”. في التجارب الناجحة، تُحل هذه المشكلة عبر، مجلس إدارة الفعاليات بتشكيل لجنة دائمة (وليست مؤقتة) تضم البلدية، وزارة الداخلية، وممثلي المجتمع المدني. مهمتها وضع “خارطة طريق” للمناسبات السنوية، تحدد فيها مسارات الحركة، أماكن التجمعات، وفترات الذروة.
و التنظيم الناجح يبدأ قبل العيد بأشهر، حيث تُحدد “المساحات الآمنة” وتُهَيأ خدميا، بدلا من ترك الناس يتدفقون بشكل عفوي إلى مراكز الازدحام التقليدية. و يجب
معالجة الآثار الجانبية (الزحام والمشكلات السلوكية) و التجمعات غير المنظمة في بغدادوالمحافظات التي تتحول غالبا إلى بؤر للتوتر بسبب الاكتظاظ. وللحد من ذلك وبدلا من حصر التجمعات في مناطق محددة (مما يسبب اختناقات مرورية)، يجب تفعيل “المراكز المحلية” في كل قضاء أو منطقة (الحدائق العامة، الساحات الفرعية، الملاعب) لتوزيع الكثافة السكانية.
ويتوجب تنفيذ برامج احتواء الشباب والمراهقين،فالسلوك السلبي لدى الشباب هو نتيجة مباشرة لغياب “البديل التفاعلي”. يمكن دمجهم في الفعاليات كـ “متطوعين تنظيميين” أو “منظمي عروض”، مما ينقلهم من موقع “المتلقي المزعج” إلى “المشارك المسؤول”. هذا يحول طاقتهم إلى سلوك إيجابي تحت إشراف مؤسساتي.
ان التشريعات التي تفتقر إليها بغداد ليست “عقابية” بل “تنظيمية وتيسيرية“، ونحن بأمس الحاجة إلى تشريع محلي ينظم حق التجمع، ويضع قواعد للسلامة، ويحدد مسؤوليات الجهات الحكومية (توفير الأمن والكهرباء والخدمات الصحية) ومسؤوليات القطاع الخاص (الرعاية، والتسويق)، و وضع نظام قانوني يسمح للجمعيات، الفرق الشبابية، أو حتى العائلات بحجز مساحات عامة لإقامة فعاليات صغيرة ومؤطرة، بدلا من بقاء الفضاء العام متروكا بلا إدارة.
يجب جعل العيد فرصة لكسر الحواجز بين المكونات أو المناطق عبر برامج “تبادل الزيارات” أو “الكرنفالات المشتركة” التي تحكي تاريخ المدينة وتراثها، و عندما يرى المواطن أن هناك تنظيما محكما (إضاءة، نظافة، أمن، سهولة في الحركة)، ترتفع ثقته في الدولة وفي المجتمع نفسه، وهذا بحد ذاته أمن مجتمعي.
رؤية استشرافية
إن تحويل “المزاجية” إلى “نظام” يبدأ بمشروع تجريبي في منطقة واحدة من بغداد باختيار منطقة ذات كثافة سكانية عالية وتطبيق انموذج إدارة “العيد المنظم” فيها (بمشاركة البلدية والمجتمع المحلي) يمكن أن يكون دراسة حالة نموذجية تقدم توصيات عملية للمشرع، إدراكاللفجوة الهيكلية بين أولويات السلطة (التيغالبا ما تنحصر في الأمني والسياسي) واحتياجات الإنسان اليومية في المدينة.
عندما تغيب “الإرادة السياسية” أو “الرؤية الإدارية” لدى المسؤول عن رؤية المدينة ككيان اجتماعي بحاجة إلى تنظيم، فإن ما يحدث هو انكفاء الدولة عن إدارة الفضاء العام. هذا الانكفاء يترك فراغا تُملؤه الفوضى، ويحول المناسبات من مصدر للبهجة والسلم إلى مصدر للضغط الاجتماعي والتوتر الأمني.
وعندما لا يشعر المواطن بأن الحكومة “شريك” في فرحه أو “منظم” لحياته، يزداد الشرخ بينهما. الإدارة التي لا تلمس هموم الناس في أعيادهم وتجمعاتهم تفقد جزءا كبيرا من شرعيتها الرمزية والاجتماعية. والإدارة في العراق عموما، وبغداد خصوصا، تعاني من مركزية مفرطة وقصور في فهم “الإدارة التشاركية”. المسؤول ينتظر دائما توجيها علويابدلا من أن يبادر بابتكار حلول محلية تتناسب مع طبيعة منطقته أو قضاءه. ونتيجة غياب التنظيم، أصبح الفضاء العام (الشارع، الحديقة، الرصيف) يظهر وكأنه “ملك لا أحد”، مما يجعله ساحة للتنافس السلبي، والمضايقات، وتدهور الممتلكات، وهو ما يضر بالسلم المجتمعي على المدى الطويل. وإذا كانت المؤسسات الحكومية غائبة عن هذا الدور فهل يمكن للجمعيات الأهلية، الروابط الشبابية، والقطاع الخاص في بغداد أن يحلوا محل البلدية في إدارة هذه المناسبات، بحيث يجري الاتفاق على “ميثاق شرف احتفالي” يلتزم به الجميع، حتى في غياب الرعاية الحكومية؟ هذا يتطلب جهدا شاقا، ولكنه قد يكون السبيل الوحيد لكسر دائرة المزاجية والفوضى.