التأخي / حبيب السالم
أثار القرار الإداري الأخير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بإغلاق مكتبها الإعلامي التاريخي وتحويله إلى منشأة استخباراتية سرية مغلقة، موجة إدانات واسعة وانتقادات حادة في الأوساط الصحفية والحقوقية بالولايات المتحدة، وسط اتهامات للوزارة بالمناورة للالتفاف على الأحكام القضائية وتقويض الشفافية .
برر المتحدث باسم البنتاغون بالوكالة، جويل فالديز، الخطوة رسميًا بتحويل المقر الصحفي إلى “مرفق معلومات حساسة مجزأة”. وأوضحت الوزارة أن هذا الإجراء الفني تفرضه الدواعي الأمنية، نظراً لمشاركة المساحة المكانية مع كُتّاب خطابات مكتب وزير الدفاع الذين يتعاملون بانتظام مع وثائق ومواد عسكرية واستخباراتية شديدة السرية، مما يحظر قانوناً تواجد أي أفراد غير مصرح لهم أمنياً، بمن فيهم المراسلون المعتمدون .
في المقابل، ربطت كبريات وسائل الإعلام الأميركية، وفي مقدمتها صحيفة نيويورك تايمز ومواقع رصد الحريات، التوقيت بخلفية الصراع القضائي المستمر مع الإدارة. وجاء هذا القرار الإداري مباشرة بعد صدور أحكام قضائية فيدرالية لصالح الصحيفة، اعتبرت فيها المحكمة قيود البنتاغون السابقة ضد الصحفيين “غير دستورية” وتنتهك حماية التعديل الأول للدستور الأميركي .
ووصفت التقارير الخطوة بأنها “مناورة فنية” ومحاولة من الوزارة لإيجاد غطاء قانوني بديل يمنع الصحافة من التواجد دون مخالفة أمر المحكمة المباشر .
من جانبه، أصدر نادي الصحافة الوطني في واشنطن بياناً شديد اللهجة، وصف فيه رئيس النادي، مارك شوف جونيور، القرار بأنه “تصعيد مقلق للغاية في الجهود المستمرة لعزل وتقييد التغطية الإعلامية المستقلة”. وأكد البيان أن الرقابة الصحفية على المؤسسة العسكرية ليست رفاهية، وأن إبعاد الصحفيين يترك الرأي العام الأميركي في عتمة غياب المحاسبة والشفافية .
وفي السياق ذاته، أعربت مؤسسة حرية الصحافة عن شكوكها العميقة في الدوافع الأمنية المعلنة للوزارة. وأشارت المؤسسة إلى أن تدمير ممارسة مهنية استمرت لعقود تتيح للمراسلين المعتمدين حرية الحركة وطرح الأسئلة المباشرة، يهدف بالأساس إلى إجبار وسائل الإعلام على الاعتماد الكلي على البيانات الصحفية الرسمية والموجهة، مما ينهي عهد الرقابة المستقلة داخل أروقة وزارة الدفاع .
ولعقود طويلة، كان الصحفيون المعتمدون في البنتاغون يتمتعون بـ “امتيازات وصول” فريدة تتيح لهم التجول في ممرات محددة داخل مبنى الوزارة، وإجراء مقابلات غير رسمية مع المسؤولين والمستشارين دون تنسيق مسبق. ومنذ منتصف عام 2024 وأوائل عام 2025، بدأت الإدارة الحالية بفرض قيود تدريجية على هذه الحركة، شملت مرافقة أمنية دائمة للمراسلين، وتقليص تصاريح الدخول، وصولاً إلى التصنيف الأخير للمكتب كمنشأة سرية لإنهاء هذا العرف تماما .
تستند المعارك القانونية الحالية إلى إرث تاريخي يعود إلى عام 1971، عندما رفعت الحكومة الأميركية دعوى قضائية ضد صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست لمنع نشر وثائق سرية مسربة حول حرب فيتنام (وثائق البنتاغون). وصدر حينها حكم تاريخي من المحكمة العليا الأميركية أكد أن “الرقابة المسبقة” من الحكومة على النشر غير دستورية، وهو المبدأ الذي تدافع عنه الصحف حتى اليوم في مواجهة قيود الوزارة .
شهدت الأشهر الماضية مواجهة قضائية مباشرة في المحاكم الفيدرالية بعد أن قيد البنتاغون وصول مراسلي صحيفة نيويورك تايمز بسبب نشر تقارير اعتبرتها الوزارة “حساسة ” .
وحصلت الصحيفة على حكم قضائي فيدرالي تاريخي أدان القيود المفروضة واعتبرها تمييزاً غير دستوري وانتهاكاً للتعديل الأول. ووفقاً لخبراء قانونيين، جاء قرار البنتاغون الأخير بتحويل المكتب إلى منشأة استخباراتية كـ “ثغرة قانونية” للالتفاف على حكم المحكمة عبر تغيير التصنيف الأمني للمكان بدلاً من تقييد الأشخاص مباشرة .