حق التعليم في منظور حقوق الإنسان

 

 

الدكتور عبد الكريم جبر

يعتبر الحق في التعلم أحد الأسس الجوهرية التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان الحديثة، فهو ليس مجرد حق من بين حقوق، بل هو ذلك الحق التمكيني الذي يفتح الأبواب أمام إعمال سائر الحقوق الأخرى. لقد نصَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 في مادته السادسة والعشرين على أن “لكل شخص حق في التعليم، ويجب أن يوفَّر التعليم مجانًا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية، ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا”. هذا النص التأسيسي لم يكن مجرد حلم طوباوي، بل كان إعلانا بزوغ فجر اعتراف عالمي بحق كل إنسان في اكتساب العلم والمعرفة، والاعتراف بأنه حق غير قابل للنقض. وقد أكدت المواثيق الدولية اللاحقة هذا المبدأ، ووسعت نطاقه، وحددت التزامات الدول تجاهه. يُعتبر الحق في التعليم في حد ذاته حقًا من حقوق الإنسان، وهو في نفس الوقت وسيلة لا غنى عنها لإعمال حقوق الإنسان الأخرى التي لا يمكن تحقيقها أو حتى المطالبة بها دون مستوى من التعليم والوعي يكفل ذلك .

كثيرًا ما يُقرن الحديث عن الحق في التعليم باقتباس نيلسون مانديلا الخالد: “التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم”. هذه المقولة تلخص جوهر الحق في التعلم؛ فهو ليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل هو أداة تمكين فردية وجماعية، وهو الطريق لتحقيق المساواة بين الجنسين، والقضاء على الفقر، وتعزيز الصحة، وترسيخ دعائم السلام. وتضيف ملالا يوسفزاي، تلك الفتاة الباكستانية التي ناضلت من أجل حقها في التعليم وتعرضت لمحاولة اغتيال وهي في الخامسة عشرة من عمرها، بعدًا آخر للقضية حين تجسد قصتها معنى التضحية من أجل هذا الحق، وتبين بأبلغ مما يمكن أن يقوله أي كلام أن هناك من يدفع حياته ثمنًا للذهاب إلى المدرسة. وقد خصصت الأمم المتحدة هدفًا مستقلاً ضمن أهداف التنمية المستدامة، هو الهدف الرابع (SDG 4)، والذي يطمح إلى “ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع” بحلول عام 2030

يتسم الحق في التعليم، كغيره من حقوق الإنسان، بمجموعة من الخصائص والأبعاد التي تحدد محتواه وكيفية تطبيقه. يُحدد القانون الدولي لحقوق الإنسان أربعة عناصر رئيسية متكاملة لضمان هذا الحق: التوفر، أي وجود عدد كاف من المؤسسات والبرامج التعليمية؛ وإمكانية الوصول، أي أن تكون المؤسسات التعليمية في متناول الجميع دون تمييز، سواء كان هذا التمييز قائمًا على الجنس أو العرق أو الإعاقة أو أي وضع آخر، وأيضًا أن تكون ميسورة التكلفة ماديًا؛ والمقبولية، أي أن يكون شكل ومضمون التعليم (بما في ذلك المناهج وطرق التدريس) مقبولًا من حيث الجودة والملاءمة الثقافية؛ وإمكانية التكيف، أي أن يكون التعليم قادرًا على التكيف مع احتياجات المجتمعات والمتعلمين المتغيرة، واحترام التنوع الثقافي. هذه الخصائص الأربعة تشكل معًا المعيار الذي يقاس به مدى احترام الدول لحق مواطنيها في التعلم. هذا بالإضافة إلى أن الدول مطالبة بعدم اتخاذ أي خطوات تراجعية من شأنها إلغاء أو تقييد الضمانات القائمة لهذا الحق، وتخصيص أقصى ما تسمح به مواردها المتاحة لتحقيقه .

في سياقنا العربي والإسلامي، يحتل التعليم مكانة سامية ومتجذرة في النصوص والتراث. فالإسلام، منذ نزول أول كلمة “اقرأ” على النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ، جعل من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ووسع مفهوم العلم ليشمل كل ما ينفع البشرية، من علوم الشريعة إلى الطب والهندسة والفلك وغيرها. يُكرس الإسلام مبدأ المساواة في التعليم، مؤكدًا على حق كل فرد في اكتساب العلم، بغض النظر عن جنسه أو طبقته الاجتماعية. وهنا، تختلف الرؤية الإسلامية عن العديد من النظريات الغربية المعاصرة، فالإسلام لم يجعل التعليم مجرد حق يمكن للإنسان أن يتنازل عنه أو تمنعه عنه الظروف، بل جعله فريضة واجبة على المجتمع بأكمله وأفراده. لقد أكدت الأحاديث النبوية الشريفة على هذه المكانة، كقول النبي الرحمة محمد صلى الله عليه واله “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، مما يرفعه من مرتبة الحق إلى مرتبة الواجب والالتزام الديني والأخلاقي. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن التعليم في الإسلام فرض واجب وليس مجرد حق، وهذا يضع مسؤولية أكبر على عاتق الفرد والمجتمع في توفيره، فالقادرون على التعليم مطالبون به شرعًا، والمجتمع والدولة مطالبون بتوفير سُبله للجميع حتى يتمكنوا من أداء هذا الفرض .

 

على الرغم من هذا الإجماع العالمي والإسلامي على أهمية الحق في التعلم، يواجه العالم اليوم أزمة تعليمية خانقة، وتتصدر المنطقة العربية قائمة المناطق الأكثر تضررًا. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 260 مليون طفل حول العالم ما زالوا خارج المدرسة. وفي العالم العربي، تواجه صناعة التعليم تحديات كبيرة ومتشابكة تعيق تحقيق هذا الحق الأساسي. من أبرز هذه التحديات: ضعف المناهج مقارنة بالتطور العالمي، نقص الكفاءات والاعتماد المفرط على القطاع العام، تدني مكانة المعلم، ضعف التمويل والاستثمار، والفجوة الرقمية التي اتسعت بشكل كبير خلال جائحة كورونا وما بعدها، بالإضافة إلى تأثير الاضطرابات السياسية والنزاعات المسلحة التي مزقت دولًا عربية مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان. هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم في كل مراحله. ففي العديد من الدول العربية، تعاني المدارس من ضعف في البنية التحتية، وتفتقر إلى المرافق الأساسية مثل المختبرات والمكتبات، وتزداد هذه المشاكل تفاقمًا في المناطق الريفية والنائية.

 

لا يمكن النظر إلى الحق في التعلم بمعزل عن بقية منظومة حقوق الإنسان، فهي جميعًا متشابكة ومتداخلة. فالفقر المدقع (وهو انتهاك للحق في مستوى معيشي لائق) هو أحد الأسباب الرئيسية لتسرب الأطفال من المدارس، خاصة في المجتمعات الفقيرة، حيث يضطر الآباء إلى إرسال أطفالهم للعمل بدلاً من التعلم. وبالمثل، فإن النزاعات المسلحة (التي تنتهك الحق في الأمن والسلامة) تدمر المدارس وتجعل الوصول إليها مستحيلاً، وتحول ملايين الأطفال إلى لاجئين، مما يحرمهم من تعليمهم لسنوات طويلة. كما أن التمييز القائم على الجنس (انتهاك لمبدأ المساواة) يحرم ملايين الفتيات حول العالم من حقهن في التعليم، وهو ما ناضلت من أجله ملالا يوسفزاي وجاهدت. بعض الدول تنفق على آليات القتل والحرب أضعاف ما تنفقه على التعليم، مما يجسد بوضوح أولوياتها ويؤدي إلى استدامة الفجوة التعليمية والاجتماعية. وبالتالي، فإن معالجة أزمة التعليم تتطلب معالجة هذه العوامل الهيكلية والاجتماعية والسياسية المتداخلة، لأن التعليم نفسه، كما أشارت العديد من الدراسات، هو المفتاح الرئيسي لكسر حلقات الفقر والصراع.

 

في الختام، يظل الحق في التعلم حجر الزاوية الذي تقوم عليه الكرامة الإنسانية والمجتمعات العادلة والديمقراطية. إنه ليس مجرد “حق” مسطر في دساتير ومواثيق، بل هو “فريضة” إنسانية وأخلاقية ودينية كما في التصور الإسلامي، وهو “سلاح” كما وصفه مانديلا للتغيير والتحرر. ومن واجب الدول، كونها صاحبة الالتزام الأساسي، أن تحترم هذا الحق وتحميه وتنفذه، والتزاماتها الدولية تتطلب منها تخصيص الموارد اللازمة وضمان جودة التعليم وإتاحته للجميع دون تمييز. كما أن على المجتمع المدني والأفراد دور محوري في تعزيز هذا الحق والمطالبة به ورقابة أداء الحكومات. مستقبل البشرية مرهون بقدرتها على توفير تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع، لأن التعليم ليس فقط حقًا، بل هو الاستثمار الأذكى في مستقبل أكثر سلامًا وعدالة وازدهارًا للجميع.

قد يعجبك ايضا