نهاد الحديثي
الازمة المالية الحالية لم تبدا من هرمز بل من تضخم الرواتب والامتيازات والفساد.
ذكرت مجلة واشنطن ريبورت أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، كشفت عن نقاط ضعف هيكلية قديمة في الاقتصاد والنظام السياسي العراقي، ما يعيد فرض إصلاحات اقتصادية قاسية مؤجلة منذ سنوات إلى الواجهة، مشيرة إلى أن الأمن والاستقرار السياسي سيحددان مستقبل اقتصاد البلاد، واشارت ريبورت انه عندما أُعلنت رؤية 2030، لم يكن التحدي في صياغة طموح كبير، بل في نقطة الانطلاق نفسها.
اقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط، حيث شكّلت الإيرادات النفطية آنذاك ما يقارب 80% إلى 90% من إيرادات الدولة، وكان القطاع النفطي يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي. في ذلك النموذج، كان الاقتصاد قويًا عندما ترتفع أسعار النفط، لكنه يصبح أكثر عرضة للتأثر عندما تنخفض، وهذا ما حدث بالفعل بين عامي 2014 و2016، حين تراجعت أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل. في تلك الفترة، تباطأ النمو الاقتصادي بشكل واضح، وسجلت المالية العامة عجزًا تجاوز 13% من الناتج المحلي، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الاقتصاد الحديث للمملكة. لم تكن المشكلة في الأزمة نفسها، بل في محدودية الخيارات أمام اقتصاد يرتكز على مصدر واحد.
كشف تقرير (الآفاق الاقتصادية الإقليمية) الصادر عن صندوق النقد الدولي، عن توقعات بانكماش الاقتصاد العراقي بشكل ملحوظ خلال عام 2026، في ظل تداعيات الحرب واضطرابات التجارة والإنتاج في المنطقة,, وبحسب بيانات التقرير الصادر في شهر نيسان، يُتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي للعراق انكماشاً بنسبة 6.8% في 2026، مقارنة بانكماش طفيف بلغ 0.4% في 2025، ما يضعه ضمن أكثر الاقتصادات تراجعاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأشار التقرير إلى أن هذه التوقعات تمثل مراجعة حادة نحو الأسفل، إذ تم خفض تقديرات نمو العراق لعام 2026 بنحو 10.4 نقاط مئوية مقارنة بتوقعات أكتوبر 2025، وهو ما يعكس حجم التأثيرات السلبية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية وتعطل سلاسل الإمداد ويأتي هذا التراجع في وقت يواجه فيه العراق تحديات مركبة تشمل اضطرابات التجارة، وتأثر قطاع النفط، إضافة إلى الضغوط على المالية العامة، ما يضع الاقتصاد أمام مرحلة صعبة تتطلب سياسات متوازنة لدعم الاستقرار والتعافي.
وقال خبراء أن الانكماش المتوقع في عام 2026 يرتبط أيضاً بضعف التنويع الاقتصادي، وتراجع بيئة الأعمال، وارتفاع مستويات الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق الاستثماري، وأشاروا إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب إصلاحاً اقتصادياً شاملاً يبدأ بتوسيع القاعدة الإنتاجية عبر دعم الزراعة والصناعة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة المالية العامة بما يحد من الهدر ويعزز كفاءة الإنفاق. كما شدد على أهمية تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وإنشاء صناديق سيادية لإدارة الفوائض النفطية، وتطوير البنى التحتية للطاقة والغاز لتقليل الاستيراد.
الاقتصادات لا تُبنى وقت الأزمات، بل قبلها, الأزمات الاقتصادية لا تكشف فقط هشاشة الأنظمة، بل تكشف الإنسان ذاته”، عجز الاقتصاد عن حماية الأفراد يجعل القلق المحرك الأساسي للسلوك، فيتحول من استجابة واعية إلى رد فعل تحكمه الضغوط اليومية , نحن بحاجة ماسة لاكاديميين يقودون المرحلة المقبلة بعد الحرب بتنوع مصادر الدخل ومكافحة السرقة والفساد وتاجيل المشاريع الكبرى وامتصاص الصدمات والقدرة على اتخاذ قرارات كان من الصعب اتخاذها في سياقات تقليدية. تسريع الإصلاحات، فتح قطاعات جديدة، إعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء بيئة استثمارية مختلفة… كلها خطوات لم تكن سهلة، لكنها كانت حاسمة. ولهذا، فإن ما نراه اليوم ليس نتيجة ظرف مؤقت، بل نتيجة رؤية قررت أن تتغير قبل أن تُفرض عليها الظروف.
خبراء يؤكدون ان لأزمات في العراق لم تغيّر شكل الحياة فحسب، بل أعادت تعريف مفاهيم الكرامة والعيب والعلاقة بين الفرد والمجتمع، مشيراً إلى أن الإنسان لم يعد يسعى للحفاظ على صورته بقدر ما يسعى للحفاظ على توازنه النفسي في مواجهة واقع ضاغط. وتُظهر أحدث بيانات وزارة التخطيط العراقية، الصادرة عام 2025 ضمن المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، أن نسبة الفقر في البلاد تبلغ نحو 17.5%، مع تسجيل معدلات أعلى في المناطق الأكثر هشاشة. كما تشير تقديرات البنك الدولي والجهاز المركزي للإحصاء العراقي إلى أن معدلات البطالة تتراوح بين 14% و16%، وترتفع بشكل ملحوظ بين فئة الشباب.
أقرت الحكومة العراقية الجديدة بحجم التحديات المالية والاقتصادية التي تواجه البلاد في ظل استمرار الحرب وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، وسط تحذيرات متصاعدة من دخول الاقتصاد العراقي مرحلة أكثر تعقيداً مع استمرار تراجع صادرات النفط، وارتفاع العجز المالي، وتضخم الإنفاق التشغيلي. الأوضاع ستكون غير مطمئنة تماماً بالنسبة للحكومة الجديدة إذا استمرت الحرب، في ظل توقف النفط وارتفاع المديونية وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية، فضلاً عن اتساع البطالة ونزول العاطلين إلى الشوارع للتظاهر، الحكومة تنتظر بفارغ الصبر انتهاء الحرب لاستئناف تصدير النفط، محذراً من أن استمرار الأزمة سيدفعها إلى “الزحف على الاحتياطي المالي لتغطية النفقات التشغيلية.
وانخفضت صادرات العراق النفطية إلى نحو 210 آلاف برميل يومياً، بعد أن كانت تتجاوز 3.5 مليون برميل يومياً، نتيجة توقف الصادرات عبر موانئ البصرة بسبب إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الانتقادات المتعلقة بفشل الحكومات المتعاقبة في تنويع منافذ التصدير وعدم تقليل الاعتماد على الخليج بوصفه المنفذ الرئيسي للصادرات النفطية.
العراق خلال السنوات العشرين الماضية كان يسجل عجوزات مخططة في الموازنات تنتهي غالباً بفوائض، باستثناء أعوام محددة، لكن العجز المزمن والحقيقي ظهر بشكل واضح خلال أعوام 2023 و2024 و2025 و2026 , الدين الداخلي يقترب حالياً من 102 إلى 103 تريليونات دينار، إلى جانب دين خارجي يبلغ نحو 14 مليار دولار”، مشيراً إلى أن البلاد ما تزال في بدايات الأزمة المالية.
ويتوقع خبراء أن “عدم القدرة على إيقاف العجز في موازنات الدولة العراقية سيستمر خلال السنوات العشر المقبلة ”بسبب “التوسع في الإنفاق التشغيلي والتعيينات الحكومية والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية يدفع الاقتصاد العراقي نحو ضغوط مالية متزايدة قد تجعل الاقتراض خياراً دائماً” التوسع الكبير في الإنفاق التشغيلي، ولاسيما ملف الرواتب والأجور والتعيينات التي شهدتها الأعوام الأخيرة, , إجمالي الرواتب والأجور ورواتب المتقاعدين والحماية الاجتماعية يقترب من 100 تريليون دينار، أي ما يعادل 60 إلى 66 بالمئة من الإنفاق العام”، واصفاً الرقم بأنه “مرعب”، لكنه أكد أن “الحكومات والبرلمان لا يجرؤون على تقليل الرواتب أو تقليص التوظيف, ناهيك عن رواتب رفحاء التي تتجاوز 35 مليار شهريا واغلبهم يعيشون خارج العراق.
وضمن رؤيته للاصلاح المالي والاقتصادي، رئيس الوزراء علي الزيدي، يطلب من المالية إعداد خطة طويلة الأجل وتغيير فلسفتها كموزع للرواتب، وقال نسعى لأن “يدير الاقتصادُ الدولةَ” لا العكس.. والموازنة يجب أن تكون خارطة طريق للمستقبل– داعياً إلى مغادرة “العقلية الاشتراكية” ودعم القطاع الخاص ليكون الشريك الأساسي في التنمية، مع الحفاظ على الرعاية الكاملة للفئات الفقيرة. وأوضح أن الهدف هو زيادة الناتج المحلي وتقليل النفقات التي لا تنعكس إيجاباً على التنمية المستدامة
فلسفة الحكومة الجديدة، إذ إن وزارة المالية ليست وزارة عادية بل وزارة سيادية وتقوم بالتخطيط وبناء المستقبل الاقتصادي للعراق وتوفر مناخ الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص, وأضاف أن “المجلس الوزاري للاقتصاد، يمثل مطبخ السياسات الاقتصادية وحتى السياسة المالية تعطي دورها الاقتصادي مع السياسات الأخرى، إذ يجب أن تعمل ضمن مطبخ مجلس الوزارة المصغر, وأوضح أن “هناك تغييراً مؤسساتياً نحو فلسفة الدولة، إذ إن وزارة المالية تأخذ الدوري الأكبر في تغيير فلسفة النظام الاقتصادي وتصنع الشراكة بين الدولة والسوق”، مبيناً أن “العراق سيشهد تغيرات كبيرة.
إذ إن رئيس الوزراء، طلب من وزارة المالية إعداد خطة طويلة الأجل وأن تغير وزارة المالية فلسفتها من موزع للرواتب والأجور وأمين صندوق إلى وزارة تغيير الفلسفة واستبدال الثوابت ومتغيرات الوضع الاقتصادي خلال رؤية العراق 2035,,كما انتقد رئيس الوزراء علي الزيدي،، عمل ديوان الرقابة المالية في العراق، موجها بتشكيل لجنة مركزية من وزارة المالية والاستعانة بشركات عالمية لتحسين عمل الديوان , وقال ولدي بعض الملاحظات على عمله، لأن بعض الوثائق في الديوان تتلف بعد مرور خمس سنوات، وبعض الشركات العامة لم يتم التدقيق في عملها لأكثر من خمس سنوات وهذا الأمر غير صحيح, وتابع الزيدي : “كل سنة مالية تنتهي، على الديوان أن يقوم التدقيق في الشهر السابع من السنة التي تليها، وفي حال وجود ملاحظات بسيطة يتم الإشارة إلى معالجتها، لكن في حال وجود ملاحظات جوهرية فيتم احالتها إلى القضاء