عرفان الداوودي
بين قرار المحكمة الاتحادية العليا وحدود صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية
في سابقة دستورية بالغة الأهمية، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها التفسيري المرقم (213/اتحادية/2025) بتاريخ 17/11/2025، برئاسة القاضي منذر إبراهيم حسين، بناءً على طلب تفسير مقدم من رئيس جمهورية العراق بشأن المادة (56) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
وقد تضمّن القرار جملة من المبادئ الدستورية الحاكمة التي ترسم بوضوح حدود الشرعية الزمنية لكل من مجلس النواب ومجلس الوزراء، وتحدد طبيعة الصلاحيات التي يمكن ممارستها بعد إجراء الانتخابات العامة.
أولاً: انتهاء الشرعية وتحول الصلاحيات
أكدت المحكمة أن يوم الاقتراع العام لانتخاب مجلس النواب الجديد يُعد حدًا فاصلاً بين شرعية منتهية وأخرى متجددة، وأنه يمثل التطبيق العملي لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وأن الشعب هو مصدر السلطات وشرعيتها.
وبموجب هذا التفسير، فإن:
• ولاية مجلس النواب السابق تنتهي فعليًا يوم إجراء الانتخابات.
• تنتهي الشرعية السياسية لمجلس الوزراء المنبثق عنه.
• تتحول صلاحيات الحكومة من صلاحيات كاملة إلى صلاحيات محدودة في إطار (تصريف الأمور اليومية).
وشدد القرار على أن هذا التحول يهدف إلى حماية مبدأ التوازن بين السلطات، وضمان أن القرارات الاستراتيجية لا تُتخذ إلا من حكومة تمتلك مشروعية برلمانية مكتملة.
ثانياً: مفهوم تصريف الأمور اليومية
بيّنت المحكمة أن تصريف الأمور اليومية يقتصر على القرارات والإجراءات غير القابلة للتأجيل، والتي تضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة والمرافق العامة بانتظام.
وأكدت صراحة أن هذا المفهوم لا يشمل:
• التوقيع على المعاهدات والاتفاقيات الدولية
• إبرام العقود ذات التأثير السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي
• اقتراح مشاريع القوانين
• عقد القروض
• التعيين في المناصب العليا أو الإعفاء منها
• إعادة هيكلة الوزارات والدوائر
كما نص القرار على أن أي إجراء لا يندرج ضمن هذا الإطار (لا سند له من الدستور والقانون، وتُعد آثاره معدومة).
ثالثاً: إشكالية تعيين رئيس أركان الجيش
تنص الفقرة (رابعاً) من المادة (80) من الدستور على اختصاص مجلس الوزراء بإعداد مشروع الموازنة العامة وخطط التنمية، وكذلك التوصية بتعيين أصحاب الدرجات الخاصة، ومن بينهم رئيس أركان الجيش.
ولا جدال في أن منصب رئيس أركان الجيش يُعد من أعلى المناصب العسكرية في الدولة، وله أثر مباشر في البنية الأمنية والسياسية.
وبالعودة إلى قرار المحكمة الاتحادية، فإن التعيين في المناصب العليا لا يُعد من القرارات غير القابلة للتأجيل، ولا يدخل ضمن مفهوم تصريف الأمور اليومية بعد يوم الاقتراع.
وعليه، فإن تعيين عبد الأمير يار الله رئيسًا لأركان الجيش – إن تم بعد يوم الاقتراع – يثير شبهة مخالفة صريحة لقرار المحكمة الاتحادية رقم (213 لسنة 2025)، لكون الحكومة في تلك المرحلة تكون قد فقدت صلاحياتها الكاملة، واقتصرت على إدارة الشؤون اليومية فقط.
كما أن تصويت مجلس النواب المنتهية ولايته على مثل هذا التعيين يطرح تساؤلات دستورية جدية، في ظل تأكيد المحكمة أن انتهاء المدة الدستورية يعني انتهاء التخويل الشعبي الممنوح للنائب، وعدم جواز تمديده أو الالتفاف عليه.
رابعاً: مبدأ سمو الدستور ومنع تجاوز المدد
أكدت المحكمة في قرارها أن المدد الدستورية الواردة في المادة (56) من دستور 2005 هي مدد حاكمة وملزمة، وأن تجاوزها يُعد تجاوزًا لإرادة الشعب الذي أقرّ الدستور باستفتاء عام. كما شددت على أن أي إجراء يُتخذ خارج الإطار الدستوري المحدد يُعد فاقدًا لسنده القانوني.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل التزمت السلطتان التنفيذية والتشريعية بالحدود التي رسمها القرار التفسيري، أم أننا أمام ممارسة لصلاحيات كاملة في وقت يفترض فيه أنها تحولت إلى صلاحيات محدودة؟!
خامساً: الطريق القانوني للطعن
في ضوء ما تقدم، فإن من حق أي جهة ذات صفة، ومن بينها النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، التوجه بطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا للطعن بعدم دستورية إجراءات التعيين، استنادًا إلى:
• مخالفة المادة (56) من الدستور
• مخالفة قرار المحكمة الاتحادية رقم (213/2025)
• تجاوز حدود تصريف الأمور اليومية
ذلك أن المحكمة نفسها قررت أن كل إجراء لا يدخل ضمن مفهوم التصريف اليومي يُعد بلا سند دستوري، وتكون آثاره معدومة.
خلاصة
إن احترام قرار المحكمة الاتحادية ليس خيارًا سياسيًا، بل التزام دستوري. فالمحكمة هي الحارس الأمين للدستور، وقراراتها ملزمة لجميع السلطات. وأي تجاوز للحدود الزمنية للصلاحيات أو ممارسة لسلطات كاملة بعد انتهاء الشرعية الانتخابية، يُعد إخلالًا بمبدأ سيادة القانون، ويمس جوهر النظام الديمقراطي القائم على التداول السلمي للسلطة.
إن المسألة لا تتعلق بشخص أو منصب، بل بترسيخ مبدأ دستوري مفاده أن الشرعية تُستمد من الشعب وضمن مدد محددة، ولا يجوز تمديدها أو توسيعها بغير سند دستوري واضح